مقالات

صندوق تعاضد القضاة … حصن العدالة!/جمال الحلو

القاضي م. جمال الحلو:
ليس القضاء مجرد نصوصٍ تُطبَّق، ولا أحكامٍ تُتلى، ولا إجراءاتٍ تُستكمَل؛ بل هو رسالة سامية، ورسالة العدالة لا تُؤدَّى على الوجه الأكمل إلا إذا شعر القاضي بأنه يعمل في ظل منظومةٍ تحفظ كرامته، وتصون أمنه الاجتماعي، وتؤمّن له ولأسرته أسباب الاستقرار والطمأنينة.
ومن هنا تبرز الأهمية الوطنية والإنسانية الكبرى لصندوق تعاضد القضاة في لبنان، الذي لم يكن يومًا مجرد مؤسسة إدارية أو مالية، بل كان، ولا يزال، أحد أهم ركائز استقلال القضاء، وضمانةً من ضمانات حسن سير العدالة، وعنوانًا للتكافل بين أبناء السلطة القضائية.
لقد شكّل إنشاء هذا الصندوق بارقة أمل مشرقة في مسيرة القضاء اللبناني؛ إذ أدرك منذ البداية أن القاضي الذي ينصرف إلى تحقيق العدالة ينبغي أن يكون مطمئن النفس، ثابت الجَنان، بعيدًا عن هواجس المرض، وقلق التعليم، ومخاوف الشيخوخة، وأعباء الحياة المتزايدة.
فهو الضمانة للقاضي العامل، يواكبه في مسيرته المهنية، ويمنحه الثقة التي تدفعه إلى مزيدٍ من العطاء والاجتهاد والإبداع في إحقاق الحق وصون الحقوق. وهو الأمان للقاضي المتقاعد، الذي أفنى عمره في خدمة العدالة، فلا يُترك في خريف العمر يواجه وحده أعباء الاستشفاء أو متطلبات الحياة، بل يبقى موضع وفاء المؤسسة التي خدمها بإخلاصٍ ونزاهة.
كما يشكّل الصندوق ركيزةً أساسية في ضمان التعليم لأبناء القضاة، وكفالة الطبابة والاستشفاء للعاملين والمتقاعدين، بما يرسّخ الشعور بالاستقرار الأسري والاجتماعي، ويعزّز قدرة القاضي على التفرغ الكامل لأداء رسالته السامية، بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية.
إن الاستثمار في صندوق تعاضد القضاة ليس إنفاقًا ماليًا، بل هو استثمار مباشر في العدالة نفسها. فكلما ازداد القاضي استقرارًا، ازدادت أحكامه صفاءً، وتعزّز اجتهاده، وارتقى عطاؤه، وانعكس ذلك ثقةً بالمؤسسات، وسيادةً للقانون، وهيبةً للدولة.
ولا يسع المنصف إلا أن يقف بإكبار أمام الجهود الكبيرة التي بذلها، على امتداد السنوات، رؤساءُ وأعضاءُ مجالس إدارة صندوق تعاضد القضاة المتعاقبون، الذين حملوا هذه الأمانة بإخلاص، وسعوا، كلٌّ وفق إمكاناته، إلى تطوير خدمات الصندوق والمحافظة على رسالته النبيلة، واضعين مصلحة القضاة فوق كل اعتبار.
ويأتي في طليعة هذه الجهود ما يقوم به اليوم القاضي المتميز علمًا وخلقًا واجتهادًا “الرئيس حسن الشّامي”، صاحب الإحساس الصادق بهموم زملائه القضاة وتطلعاتهم. فمنذ توليه مسؤولياته الجديدة، لم يدخر جهدًا في العمل الدؤوب لتحسين شروط الاستفادة من الصندوق، ولا سيما في مجالي التعليم والاستشفاء، واضعًا نصب عينيه الارتقاء بالخدمات، وتوسيع مظلة الأمان الاجتماعي للقضاة.
وقد حباه الله علمًا راسخًا، وحلمًا يزيّن القيادة، وإدارةً حكيمة، وعقلًا منفتحًا على كل فكرة بنّاءة من شأنها تحسين أوضاع القضاة، إيمانًا منه بأن العدالة القوية تبدأ بقاضٍ كريمٍ مطمئن، يحظى بكل مقومات الاستقلال والكرامة.
كما يستحق مجلس إدارة الصندوق، بكل أعضائه، كل التقدير والامتنان، لما يبذله من جهودٍ صادقة، وعملٍ دؤوب، وأمانةٍ في تحمّل المسؤولية، سعيًا إلى تطوير الصندوق، وتعزيز موارده، وتحسين خدماته، بما يحقق مصلحة الأسرة القضائية بأسرها.
ولا يفوتنا أن نتوجه بالتحية والتقدير إلى إدارة الصندوق والعاملين فيه، الذين يشكّلون العمود الفقري للعمل اليومي، وفي مقدمتهم الأستاذة نجلا خاطر الفقيه، المنتمية إلى عائلة قضائية عريقة، والتي تدير العمل بكفاءةٍ واقتدار، مستندةً إلى خبرةٍ ومسؤوليةٍ وإخلاصٍ يحظى بتقدير الجميع.
ومع الإقرار بأن الإنجاز ثمرة جهدٍ جماعي، فإن من الوفاء التنويه بعددٍ من الموظفين الذين يبذلون جهودًا مخلصة في متابعة شؤون القضاة، وتأمين حقوقهم الاستشفائية والتعليمية، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، السيدة سيلفان بربر، والسيد بيار متّى، وسائر الموظفين الأكفاء الذين يؤدون واجباتهم بروح المسؤولية والالتزام.
ومن هذا المنبر، نتوجه بكل احترامٍ وتقدير إلى فخامة رئيس الجمهورية، القائد الأعلى، والقاضي الأول، ورئيس الدولة، العماد جوزاف عون، وإلى دولة رئيس مجلس النواب، المحامي والمشرّع المخضرم الأستاذ نبيه بري، وإلى دولة رئيس مجلس الوزراء، القاضي الدولي ورجل القانون الدكتور نواف سلام، راجين من الله تعالى أن يحفظهم ويوفقهم لما فيه خير الوطن، وأن يولوا صندوق تعاضد القضاة أقصى درجات الاهتمام والرعاية، دعمًا ماديًا ومعنويًا، بما يكفل استمراره، وتطويره، وتعزيز قدرته على أداء رسالته.
فالقضاء القوي هو أساس الدولة القوية، واستقلال القضاء لا يكتمل بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى مؤسساتٍ راسخة تؤمّن للقاضي حياةً كريمة، وتحفظ كرامته، وتصون أمنه الاجتماعي، وتمنحه القدرة على التفرغ الكامل لتحقيق العدالة.
إن دعم صندوق تعاضد القضاة ليس مطلبًا فئويًا، بل هو استحقاق وطني بامتياز؛ لأن قوة القضاء من قوة الدولة، وهيبة العدالة من هيبة الوطن. وكل ليرةٍ تُستثمر في استقرار القاضي هي استثمار في أمن المجتمع، وحماية الحقوق، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
فلنحافظ جميعًا على هذا الصرح، ولنعمل على دعمه وتطويره؛ لأنه ليس صندوقًا للتعاضد فحسب، بل هو حصنٌ من حصون العدالة، وضمانةٌ لاستمرار رسالتها، وأحد أعمدة الدولة التي لا تقوم إلا بقضاءٍ مستقل، قوي، كريم، ومطمئن.
“محكمة” – الأحد في 2026/7/19

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!