مقالات

المجلس الدستوري.. الضمير الذي يحرس الحلم/ انطونيو الهاشم

انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
كل جمهورية تحتاج إلى قلب نابض وضمير حيّ. فالجمهوريات لا تُبنى بالحجارة والمؤسسات وحدها، بل بروحٍ يقظة تردّ السلطة إلى حدودها كلّما أغرتها شهوة التمدّد والاستئثار. فالسلطة بطبعها تُشبه النار، إن تُركت بلا رقيب، إلتهمت الأخضر واليابس. أمّا إن حُوصرت بالقانون وحُرست بضمير، تحوّلت نوراً يدفئ الناس ولا يحرقهم.
لكن أي قانون؟ القانون ليس كلماتٍ مرصوفة في دفاتر، ولا نصوصاً جامدة على ورق. إن لم يكن له حارسٌ نزيه، فإنّ الأقوياء يطوّعون عباراته ويُقلبونه على وجوهٍ تخدم مصالحهم. ومن هنا، وُلد المجلس الدستوري: ليس تفصيلاً إدارياً ولا جهازاً بيروقراطياً، بل ضمير الجمهورية. العين التي تسهر كي لا يتحوّل الحكم إلى استبداد، والميزان الذي يحفظ التوازن بين الحرية والسلطة، والملاذ الأخير حين يتنازع الناس والسلطات على الحقيقة والعدل.
حين استدعى الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران المفكّر والمحامي روبير بادينتر إلى المجلس الدستوري، لم يأتِ به كخبير قانوني بارع فحسب. بادينتير كان ضميراً في ذاته: رجل الحرية الذي واجه عقوبة الإعدام حتى ألغيت من فرنسا عام 1981. وجوده في المجلس كان إعلاناً صريحاً أنّ هذا الموقع ليس حصةً سياسية ولا جائزةً للتقاعد، بل منبرٌ تُرفع منه كرامة الإنسان فوق كل نصّ، وتُجعل العدالة غايةً قبل أن تكون حرفاً.
بهذا المعنى، المجلس الدستوري ليس رقيباً على النصوص وحسب، بل منصة للفلسفة الحيّة، شاهدٌ على أنّ القانون الحقّ ليس في الأوراق، بل في وجدان الأمة، وأنّ العدالة تسبق الكتابة وتفوقها.
فمن يكون جديراً بالجلوس على مقاعده في لبنان؟
الجواب لا يُختصر بمهنة أو شهادة. لا يكفي أن يكون العضو محامياً لامعاً أو قاضياً متقاعداً أو أستاذاً جامعياً مرموقاً. ما نحتاجه أوسع وأعمق: شخصيات استثنائية، رجالاً ونساءً، لا تُغريهم المناصب ولا تُرهبهم الضغوط. أشخاصٌ نزاهتهم عصيّة على الفساد، وفكرهم الدستوري مُتشرب بفلسفة الإنسان قبل فلسفة النصوص. نريدهم أصحاب شجاعة أخلاقية تُعطيهم الجرأة ليقفوا في وجه الانحراف، حتى لو كان الانحراف ممهوراً بأغلبيةٍ برلمانية أو بسطوة سلطة تنفيذية.
عضو المجلس الدستوري، في الجوهر، لا يُحسب على حزب ولا طائفة ولا زعيم. إنّه يُحسب فقط على الجمهورية، على الإنسان. يشعر أنّ كل قرار بين يديه هو حكم على مصير وكرامة، وأنّ كل توقيع قد يحفظ الحرية أو يهدرها.
هؤلاء ليسوا نجوم الإعلام ولا فرسان الخطابات. إنّهم رجال وقار وصمت، تكتب أقلامهم في دفاتر الأحكام لا في صفحات الجرائد، وتُسطّر قراراتهم تاريخاً جديداً للجمهورية، لا صدىً عابراً في بازار السياسة.
فالمجلس الدستوري هو الحارس الأخير. بدونه، يصبح الدستور حبراً بلا حياة. بدونه، تتحوّل الأغلبية إلى سوط، والسلطة التنفيذية إلى سلطان مطلق. أمّا بوجوده، فيبقى القانون عقداً مُلزماً للجميع، لا لعبةً يتسلى بها الأقوياء. هو الحارس الذي يحمي المواطن من الدولة، ويحمي الدولة من نفسها، ويحمي النظام من السقوط في العدم.
حين نستحضر تجربة بادينتير، ندرك أنّ المسألة في لبنان ليست لوائح أسماء تتوزّعها القوى السياسية كما تتوزّع الغنائم، بل مسألة رجال ونساء من معدن الضمير، يهبون المجلس هيبته، ويمنحون الجمهورية روحها.
الجمهورية لا تُصان بالشعارات الصاخبة ولا بالخطابات المتكررة، بل بمؤسسات راسخة يحرسها وجدان نزيه. إن ضعف المجلس ضعف للجمهورية، وإن صلابته صلابة للدولة. والسؤال ليس: من يُعيّن الأعضاء؟ بل: أيُّ أرواحٍ نريد أن تُقيم في هذا المجلس؟
والجواب واحد لا يتبدّل: نريدهم ضمير الجمهورية، كما كان بادينتر لفرنسا، وقال يوم قسمه اليمين امام الرئيس ميتران، كلمته الشهيرة: ” أرى نفسي مدفوعًا إلى واجبٍ من الجحود تجاهكم .”
هكذا نريد أعضاء مجلسنا الدستوري.
لا أشباح أحزاب ولا ظلال طوائف، بل حرّاس العدالة الذين يجعلون من الدستور حياةً، ومن الجمهورية حقيقةً ساطعة لا خديعة.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/9/2

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!