مقالات

المسلمون والمسيحيون معًا لمواجهة اليد العابثة في الكرك/فؤاد مطر

المحامي فؤاد مطر*:
يعتبر المسلمون استنادًا لأحكام القرآن الكريم أنّ الاديان السماوية كلّها ذات مصدر واحد وغاية واحدة وهي هداية الإنسان إلى الحقّ والخير.
إنّ الاسلام هو التسليم لله والطاعة له. فقد جاء في سورة البقرة ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].
فالدين عند الله واحد، وإن تعدّدت الشرائع والمناهج بتعدّد الرسل والرسالات، وهي مكمّلة لبعضها البعض، والرسل جميعهم من عند الله الخالق الأحد، وليس هناك من رسول إلّا وأعلن لقومه أنّه مصدّق لمن سبقهن مكمّل لدعوته الإلهية التوحيدية. وفي هذا يقول السيد المسيح عليه السلام وفق ما ورد في إنجيل متى “لا تظنوا اني جئت لأنقض الناموس أو الانبياء .ما جئت لانقض بل لأكمل…”.
وفي القرآن الكريم جاء في سورة المائدة “وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ”(المائدة:46)، وهكذا كل الانبياء والرسل، فلا تناقض بين أنبياء الله ورسله، بل كل يكمل الآخر ويصدق ما بين يديه ممن سبقه.
إنّ القرآن الكريم هو منبع الدين يقارب بين المسلمين وأهل الكتاب حتّى يظنّ المتأمّل فيه أنّهم منهم لا يختلفون عنه إلّا في بعض أحكام قليلة كما ورد على لسان الشيخ الإمام محمد عبده ؛
أمّا المفكّر جمال الدين الأفغاني، فيعتبر أنّ الكتب السماوية المنزلة على الرسل لا بدّ وأن تكون متفقة في القصد والغاية، ولا يصحّ التباين في جوهرها، ولا أن تخالف بعضها بعضًا، وأنّ ما نراه من إختلاف أهل الأديان هو صنع رجال الدين وما انفعهم إذا صلحوا ..وما أضرهم إذا فسدوا!
إنّ الاحترام الكامل والتعاون بين المسلمين والمسيحيين أسّس في بناء صرح حضارة إنسانية عظيمة أنقذت البشرية من ظلمات الجهل والتعصّب والتزمّت والتطرّف والغلو.
إنّ الشواهد التاريخية لا تحصى؛ وعلى نهج السلف الصالح نوصي بحماية الأديرة ودور العبادة المسيحية ومن فيها من رهبان ومصلين.
نذكّر هنا بما كتبه الخليفة الثاني الفاروق الى عمرو بن العاص “يعوج المسجد ولا يعوج الحق” ليهدم مسجدًا أقامه وليعيد بناء بيت لإمرأة مسيحية مكانه.
إنّ المسلمين والمسيحيين شاركوا معًا في تحرير أراضينا من الاحتلال الأجنبي وانصهروا في إطار حضاري واحد وقد تحوّلوا معًا إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
وهكذا بقيت وتكاثرت المذاهب المسيحية مع المسلمين منذ عدّة مئات من السنين، ولم تحدث إنقسامات أو فتن أو مشاحنات طائفية بين مسلم ومسيحي عبر تاريخهم الواحد إلّا ويد الأجنبي كانت تشوّه وتحرّض وتخرب وتعمل للوقيعة كوسيلة للسيطرة على الإثنين معًا. وما من مرة تنبّه المسلمون والمسيحيون إلى هذه اليد العابثة إلّا وتوحّدوا في مواجهتها قديمًا وحديثًا.
* أقدم ثلاثة أردنيين يوم الجمعة الواقع فيه 23 تشرين الأوّل 2026، على إطلاق النار على كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية “حمود” في محافظة الكرك أثناء مراسم جنازة، ممّا أدّى إلى مقتل تسعة أشخاص وإصابة 40 آخرين بجروح.
“محكمة” – الاثنين في 2026/10/26

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!