علم وخبر

المقاومة من القضايا المصيرية التي يخرج التقرير بشأنها عن اختصاص مجلس الوزراء/عصام اسماعيل

د. عصام نعمة إسماعيل:
لا أحد يشكّك بأن للمقاومة في لبنان جمهوراً وازناً يدعمها ويُساندها ويؤمن بمشروعيتها المستمدة من وثيقة الوفاق الوطني ذاتها التي ميّزت بين المقاومة والميليشيا حيث كان واضحاً هذا التمييز في التفسير الوارد في محاضر مجلس النواب، فهذه الوثيقة أقرّها مجلس النواب بتاريخ 1989/10/22 وبعدها بنحو الشهر اجتمع ذات المجلس في جلسة 1989/11/26 المخصصة لمناقشة البيان الوزاري لحكومة د. سليم الحص الذي ورد فيه أن الحكومة .. لن تألو جهداً ولن تدخر وسعاً في العمل على تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب والبقاع الغربي بكل الوسائل المتاحة ولا سيما دعم المقاومة الباسلة.
وفي هذه الجلسة أدلى النائب زاهر الخطيب بما يأتي حول المقاومة:” حسمنا في الطائف حقائق ومن هذه الحقائق، توضيح الوجود الصهيوني كوجود احتلال وواجب دعم المقاومة التي سمعنا كما ورد في سياق البيان الوزاري إستعداداً من الحكومة لدعمها بصفتها الاسلوب الرئيسي للتحرير…”.
ثمّ تتالت بيانات تأييد المقاومة في مجلس الوزراء والنواب بدءاً من البيان الوزاري لحكومة دولة الرئيس عمر كرامي الذي ورد فيه: “التأكيد على حق الشعب اللبناني في المقاومة الوطنية المشروعة استنادا الى شرعة الامم المتحدة”، ولقد منحها مجلس النواب الثقة في جلسته بتاريخ 1991/1/9 على أساس هذا البيان المتضمن دعماً للمقاومة.
إذن، فإن وثيقة الوفاق الوطني أقرت بوجود المقاومة للاحتلال الاسرائيلي وميّزتها عن ميليشات الحرب، ولهذا لا يصحّ عند الحديث عن حصر السلاح وسحبه من المقاومة أن تسند الحكومة قرارها إلى وثيقة الوفاق الوطني، أو يصار إلى تزييف الحقائق التاريخية والادعاء بأن نزع سلاح الميليشات إنما يشمل أيضاً نزع سلاح المقاومة. فهذا ادعاء في غير محّله واسناد غير موفّق.
وحيث إنّه كما سبق وأسلفنا بأن استمرارية هذه المقاومة كان بعناية واضعي وثيقة الوفاق الوطني وكانت المقاومة حاصلة على تأييد مجلس النواب وقوى وجمهور وزان من الشعب اللبناني يرى بأن استمراريتها مرهونة باستمرار الاحتلال أو بجهوزية الدولة للدفاع عن مواطنيها.
من هذه الوجهة لم يكن ممكناً التعاطي مع المقاومة على أنها شأن تنفيذي يمكن لمجلس الوزراء أن يتصدى له، بل هي من القضايا المصيرية، لأن التخلي عن المقاومة في هذه الظروف يعني تعريض مواطنين لأخطار جدّية محدقة بهم، أو في حال اصرار الحكومة على تنفيذ قرارها بالقوة يعني الدخول في صراعٍ داخلي لا أحد يعرف نتائجه أو إلى أين يمكن أن يؤدي.
إلا أن هذه الحكومة التي تزعم أنها تسعى إلى تطبيق وثيقة الوفاق الوطني في مسألة حصر السلاح، يبدو أنها لم تقرأ هذه الوثيقة جيداً، فهذه الوثيقة قد أخرجت من صلاحيتها النظر في القضايا المصيرية، ولقد أحسن واضعو الطائف ذلك لعلمهم أن الحكومة قد لا تكون مؤهلة للنظر في القضايا الكبرى، لهذا قررت عدم منح صلاحية التقرير بشأنها إلى مجلس الوزراء، بل نصّت صراحة على أنه يدخل ضمن صلاحية مجلس الشيوخ البتّ في القضايا المصيرية، وقد أدرجت هذه الفقرة في متن المادة 22 من الدستور اللبناني:” مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية”.
ولما كانت قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بحصر السلاح والمتخذة في جلستي 5 و7 آب 2025 وما قد يصدر لاحقاً من قرارات تطبيقية لهذين القرارين، هي في ظاهرها قرارات بريئة ترمي إلى حصر السلاح بيد الدولة، وفي مضمونهما هي مشروع خطير إما قد يؤدي إلى تسهيل عدوان خارجي على الجمهور المؤيد للمقاومة، أو إلى صدام داخلي لا أحد يتكهّن الحدود التي يمكن أن يصل إليها، بحيث تكون قرارات مجلس الوزراء في مضمونها قضية مصيرية تتصل بمسألة مهددة الكيان اللبناني كلّه.
وبهذا المعنى، فإنّ هذه القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء لا تتعدى كونها توصيات غير ملزمة لا أكثر، وعلى الحكومة رفع تقريرها وتوصياتها إلى مجلس الشيوخ للبتّ بها بصفته المرجع الدستوري المناط به حصراً النظر في القضايا المصيرية، وحيث إنّ هذا المجلس لم يتشكّل حتى تاريخه، فإن الصلاحية تعود إلى مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية الأصيلة المنبثقة مباشرة عن الشعب والمناط به دستورياً صلاحية التشريع في كافة الميادين.
“محكمة” – السبت في 2025/9/6

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!