بداية غير مسبوقة للعام الجديد باختطاف أميركا مادورو: نعي القانون الدولي/أمين صليبا
أ.د امين عاطف صليبا:
إن ما حصل ليل 3/2 كانون الثاني 2026 باختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، وسوقهما الى الولايات المتحدة الاميركية لمحاكمته بجرائم ضد الأمن القومي وتسهيل الاتجار بالمخدرات، مسألة علينا التوقف امامها ومن دون أي انحياز للرئيس الفنزولي او دعماً له، ىبقدر ما تهدف هذه المقالة المختصرة الى نعي القانون الدولي وهيئة الامم المتحدة ومجلس الأمن، والترحم على السيدة “أليانور روزفلت” التي جهدت بالتعاون مع الدكتور شارل مالك لوضع شرعة حقوق الانسان، ليُكمّل ما ورد في ميثاق تلك الهيئة الذي جاء بالمادة الاولى منه على التشديد على سيادة الدول وعدم التعرض لها!
الذي حصل في تلك الليلة قد فاجأ الكثيرين ممن لا يزالوا مؤمنين بأن الأمم المتحدة هي حارسة النظام الدولي، لكن هناك رأي عالمي يُجمِع على انه بعد سقوط الثنائية الدولية بانهيار الاتحاد السوفياتي، لم يعد هناك أي ضمانات للدول الصغيرة والضعيفة للوقوف بوجه الجبار الأميركي!
هذا الجبار طبعاً بدأ يفرض هيمنته على دول العالم،والقضية بالنسبة الى اميركا الجنوبية ليست وليدة هذا الانهيار، بل هي قديمة حتى قبل تكوين الامم المتحدة، حيث أن مبدأ الرئيس الأميركي “جيمس مونرو” والذي عُرِفَ بـ”مبدأ مونرو” وُضِعَ منذ عام 1823، وكان واضحاً لجهة منع الدول الاوروبية التدخل في الاميركيتين لا سيما الجنوبية وأن تحصر دورها في الدول التي كانت مستعمرة من قبلها، وقد لخّصت دراسة أعدّتها جامعة اكسفورد عام 2019 بأن عدد تدخلات الولايات المتحدة في اميركا الجنوبية ما بين عام 1898 و1994 بلغت 41 تدخلاً بينها 17 عشر تدخلاً مباشراً لتغيير الانظمة في تلك الدول.
هذا التوسع لم يكن ليحصل لو لم يطلب الرئيس”تيودور روزفلت” عام 1904 تفعيل مبدأ “مونرو”. طبعاً لن يتسع المجال لتفصيل تلك التدخلات وهي متعدّدة بدءاً من “بنما” الى دول اخرى في اميركا اللاتينية، حيث يذكر المخضرمون أزمة الصواريخ الكوبية في مطلع ستينات القرن الماضي، وكيف عاش العالم لمدة 10 ايام في الخوف من خطر اندلاع حرب نووية بين الجبارين بسبب تلك الصواريخ السوفياتية التي اراد “خروتشوف” زرعها يومها في كوبا.
ومن العودة الى التاريخ والى سخرية إتهام “مادورو” بالمخدرات، نستذكر واياكم فضيحة المقدم “اوليفر نورث” التي عُرِفت بفضيحة (ايران – كونترا غيت) ومعه رئيس الامن القومي في ولاية الرئيس “ريغان” عام 1986، والتي نُلخّصها بالآتي: يومها ارادت الادارة الاميركية الاطاحة بالنظام القائم في “نيكارغوا” كونه لا يسير في فلكها، فقامت بتمويل “ثوار الكونترا” المناوئين للنظام والذين كانوا يتخذون من”الهندوراس” منطلقاً لعملياتهم!
العجب ليس في هذا الدعم، بل بالاسلوب الذي طبقته الادارة الاميركية لتحقيق غاية مزدوجة، حيث تأمن المال من كارتيلات المخدرات لشراء اسلحة لتزويد “ايران” يومها في حربها ضد العراق، لأن القانون الاميركي يومها كان يُحظِّر بيع الاسلحة الى ايران في ذلك الوقت بعد أزمة الرهائن الاميركيين في سفارة الولايات المتحدة الاميركية في طهران!!،
والثمن الذي قُبِضَ من بيع تلك الاسلحة لايران تم تحويله الى ثوار الكونترا، لتزخيم الحرب الاهلية التي كانت قد بدأت في نيكارغوا منذ 1981 وتم إسقاط النظام عام 1990.
بعد هذه العجالة ومبدأ “مونرو” الذي يُحدّد الاسترايجية الاميركية تجاه دول اميركا اللاتينية، والذي عمره تجاوز قرنين من الزمن والتاريخ الحافل للولايات المتحدة في تغيير الانظمة السياسية المناوئة لها في اميركا اللاتينية، هل هناك من يتعجب أزاء تصرفها اليوم مع الرئيس الفنزويلي، وفنزويلا كما هو معروف ثالث دولة في العالم بإحتياط ثروتها النفطية؟
ومن تابع المؤتمر الصحفي للرئيس الاميركي ووزير خارجيته يُدرك بأن التدخل له اهداف إقتصادية وسياسية في آن معاً، وهي رسالة للعالم اجمع؟
وما تهديد الرئيس الكولومبي من قبل الرئيس ترامب في نهاية المؤتمر، إلاّ رسالة موجهة الى كولومبيا ايضاً ومن له اذنان فليسمع، طالما ان النظام الدولي وقانونه في سبات عميق، ليكن الله بعون الدول الضعيفة!!!
“محكمة” – الأحد في 2026/1/4



