جرائم السوق السوداء في لبنان: الطوابع نموذجًا لتفكّك الإدارة العامة/ نور جمال الدين
نور تيسير جمال الدين (باحثة قانونية حائزة على الماجستير في القانون العام):
في ظلّ الانهيار الاقتصادي الحادّ الذي يضرب لبنان منذ العام ٢٠١٩ ، أثيرت أزمة الطوابع المالية منذ العام ٢٠٢١ وتفاقمت بشكل خطير سنة ٢٠٢٤، إذ تحوّل الطابع المالي – وهو وثيقة رسمية إلزامية لإنجاز المعاملات الإدارية و القضائية – إلى سلعة نادرة تُباع في السوق السوداء بأسعار مضاعفة.
فقد فقدت المؤسسات الرسمية الطوابع المالية من مكاتبها ، ما اضطر المواطنين إلى شرائها من السوق السوداء بأسعار تتجاوز أحياناً عشرة أضعاف قيمتها الاسمية.
وطبقاً لتقرير ديوان المحاسبة ، فقد سُرّب عشرة ملايين طابع “معدّ للتلف” من مطابع الجيش إلى السوق السوداء عبر موظفين (بما في ذلك أفراد في المؤسسة العسكرية)، الأمر الذي تسبب بتوقف الطبع نحو ثلاثة أشهر.
وتُعدّ الطوابع المالية وسيلة رسمية لتحصيل رسوم الدولة على المعاملات والعقود والمستندات ، وقد نظّمها المرسوم الاشتراعي رقم ٦٧ تاريخ 1967/8/5 (وتعديلاته) المتعلق بفرض رسم الطابع المالي.
وبحسب المادة ٦ من هذا المرسوم: “لا يجوز بيع الطوابع الا من قبل الدولة أو من وكلاء مرخص لهم رسمياً، و يُعد كل بيع أو تداول للطوابع خارج هذه القنوات مخالفة للقانون. ”
وبالتالي، فإنّ أيّ عملية بيع تتم خارج الإطار الرسمي تعتبر غير قانونية وقد تشكّل جريمة و قد يُعرض الفاعل للملاحقة.
فمن جهة أولى ، ينتهك هذا الفعل المرسوم الاشتراعي رقم 1967/67 الذي قصّر بيع الطوابع على الدولة ووكلائها الشرعيين، ما يجعل أي تداول غير قانوني خاضعاً للملاحقة.
ومن جهة ثانية ، يُعد بيع الطابع في السوق السوداء نوعاً من الاحتكار واستغلال الحاجة، يخالف أحكام قانون حماية المستهلك (المرسوم رقم 1983/73)، الذي يُعاقب من يحتكر أو يرفع أسعار السلع الأساسية.
إضافة الى جريمة الاحتكار ، ففي حال تم التلاعب بالطوابع (مثلاً تزويرها أو إعادة استخدامها) ، تنطبق عليها أحكام المواد ٤٥٠ وما يليها من قانون العقوبات اللبناني.
إضافة أنّه يندرج بيع الطوابع بأسعار خيالية ضمن جرائم الاستغلال و “الربا المقنّع” ، خاصة حين تُفرض هذه الأسعار على مواطن مضطر لاستكمال ملف رسمي.
وبالتالي ، يمكن القول إن بيع الطوابع في السوق السوداء يُعدّ جريمة موصوفة تستوجب الملاحقة الجزائية وفقاً لعدّة نصوص قانونية، حيث يلعب القضاء، وبشكل خاص النيابة العامة المالية ، دوراً محورياً في ملاحقة جرائم السوق السوداء المتعلقة بالطوابع.
فالنيابة العامة تملك صلاحية تحريك الدعوى العامة عند توفّر معلومات أو بلاغات عن مخالفات، ويمكنها اتخاذ تدابير فورية ، مثل:
• دهم المحال التي يُشتبه بتورّطها.
• مصادرة الطوابع والوثائق.
• توقيف الأشخاص المتورطين.
• إصدار قرارات إقفال احترازي.
كما يمكن للنيابة إحالة الملف إلى قاضي التحقيق أو المحكمة الجزائية المختصة لبت الجريمة بحسب توصيفها ، سواء كانت تزويراً ، احتكاراً ، أو مخالفة للأنظمة الإدارية.
ومن الضروري أن يتم هذا الدور في إطار من الشفافية والصرامة ، لردع التفلّت واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة، حيث تؤدي هذه الظاهرة إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة ، وتكريس اللامساواة أمام القانون ، إذ يصبح الحصول على خدمة عامة مرتبطاً بقدرة الفرد على شراء الطابع بأسعار مضاعفة.
ولا بدّ للحد من هذه الظاهرة من تشديد للرقابة على مراكز البيع المعتمدة ، وتفعيل دور هيئة التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية لضبط المخالفات، إضافة إلى أنّه من الأفضل إطلاق نظام الطابع الالكتروني، كما فعلت العديد من الدول مثل الأردن ، وإلغاء الطابع الورقي تدريجياً واستبداله بالمدفوعات الالكترونية الرسمية ، فضلا عن تطبيق العقوبات الجزائية بصرامة والتشهير القضائي بالمخالفين ضمن حدود القانون.
إنّ ما يحصل اليوم في السوق السوداء للطوابع المالية ليس مجرّد خلل في سلسلة التوزيع ، بل هو جريمة قانونية تضرب أسس الشرعية الإدارية وتُقوّض دولة القانون.
إنّ أزمة الطوابع لا تنفصل عن أزمة أعمق تضرب قلب المؤسسات: فساد بنيوي، غياب المساءلة ، وتحلل في الضوابط الإدارية.
لم تعد السوق السوداء مجرّد نشاط غير قانوني ، بل أصبحت منظومة موازية تنافس الدولة في وظائفها وتستولي على مواردها، وبالتالي ، فإن مواجهة هذه الجريمة لا تكون فقط عبر الملاحقات القانونية ، بل عبر إعادة بناء الدولة من أساسها: دولة قادرة ، شفافة ، وراعية لحقوق مواطنيها لا عبءاً عليهم.
فهل نبدأ من ورقة الطابع لنستعيد الدولة؟ أم نترك السوق السوداء تبتلع ما تبقّى من الشرعية؟!
* المراجع:
• قانون العقوبات اللبناني.
• قانون حماية المستهلك 1983/73.
• المرسوم الاشتراعي 1967/67.
“محكمة” – الاثنين في 2025/8/4



