حين ينقلبُ السحر على الساحر: الوعي الذي أيقظه العدوان… الخليج نموذجاً… اللهم ارزقنا مثله في لبنان!/محمد وسام المرتضى
الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى:
في حسابات الحروب، يراهن المعتدي دائماً على أنَّ القوّة المفرطة قادرة على إخضاع الخصوم وإرغام الشعوب على الرضوخ للوقائع التي تُفرض بالنار. غير أنَّ التجربة الجارية اليوم في العدوان على إيران ولبنان قلبت السحر على الساحر، وكشفت وجهاً آخر للمعادلة: نهوضُ وعيٍ سياسي جديد لدى دول المنطقة حول طبيعة ما يُراد لها.
فما يجري اليوم لم يعد يُقرأ فقط على أنّه جولة قتال جديدة، بل بدأ يُنظر إليه، في كثيرٍ من التحليلات والمواقف الخليجية، باعتباره جزءاً من مسار أوسع يرمي إلى إغراق دول المنطقة في الفوضى وإضعافها لتعبيد الطريق أمام مشروع التوسّع والهيمنة الإسرائيلي في الشرق الأوسط.
وقد عبّر عن هذا الإدراك عددٌ من الشخصيات الخليجية البارزة، والمسؤولين الحاليين والسابقين. فقد حذّر رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم من أن ما يجري في المنطقة يتجاوز مجرد مواجهات عسكرية عابرة وأضاف أنّ “إسرائيل تريد جرّنا إلى الحرب وبمجرد دخولنا فيها ستنسحب الولايات المتحدة الأميركية منها لتتحوّل إلى تاجر سلاح يبيع للطرفين، وتُستنزف مواردنا لإسقاط الطرفين. بمجرد سقوط الطرفين يكون من السهل تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”.
وكذلك أعلن بالأمس الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي:” لا نريد ان ننجر الى حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل”.
وفي السياق نفسه، قدّم السفير السعودي السابق في الولايات المتحدة الأميركية الأمير تركي الفيصل قراءة سياسية واضحة، حذّر فيها من أن السياسات القائمة على القوّة وتجاهل حقوق الشعوب لا يمكن أن تنتج استقراراً، وأكّد أنّ ما يجري يُشكّل جزءاً من مشروع إسرائيلي توسّعي يسعى لإضعاف الدول العربية وفرض الهيمنة على المنطقة، مع محاولة لاحتلال أجزاء من الأراضي العربية لتعويض خسائرها في الحرب الإقليمية.
ومن السعودية أيضاً حذّر الإعلامي داوود الشريان من أن الهدف هو إضافة وقود للتحريض المذهبي في الإقليم، وأضاف أن “المتغطّي بالأميركان عريان”.
ومن السعودية كذلك كان موقفٌ لافت للإعلامي سعيد العنزي الذي جاهر بالقول:” الحلّ الوحيد هو طرد القواعد الاميركية من الخليج فوراً، أميركا تذبحنا لصالح إسرائيل”.
ومن الكويت، ذهب المفكر والكاتب السياسي الدكتور عبد الله النفيسي إلى تشخيصٍ صريحٍ ، معتبراً أن ما يجري في المنطقة يصبُّ في مسارٍ يؤدّي إلى تفتيت إيران والدول العربية في آن وإضعافها كلها، بما يسمح لإسرائيل أن تتحوّل إلى المهيمن على الشرق الأوسط.
كما ألمح وزير الخارجية العُماني الحالي بدر بن حمد البوسعيدي إلى أنَّ المعركة معركة إسرائيل والأخيرة منعت التسوية التي كانت آتية من خلال المفاوضات وهي تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة.
أمّا من الإمارات فقد كان لافتاً أنّ رجل الأعمال خلف الحبتور، المعروف أصلاً بتأييده المطلق للتطبيع مع إسرائيل، أصدر موقفاً لاذعاً ضدّها معتبراً أنها تسير في تنفيذ أجندتها التوسّعية فى المنطقة، وأضاف، في تصريحٍ آخر صادم، أنَّ مليارات دُفعت مؤخراً من الخليج لدعم ما يسمّى بمجلس السلام العالمي من أجل غزّة وتساءل: هل ذهبت هذه المليارات لتمويل الحرب الحالية؟ كما قال: “إذا كان ترامب والسيناتور غراهام مستعدين للمخاطرة ببلدهم وبأرواح الأمريكيين من أجل مصالح إسرائيل، فهذا خيارهم هم، أما نحن فلن نفعل الشيء نفسه” لافتاً بذلك إلى أنّ الولايات المتحدة تخوض حرباً لمصلحة إسرائيل على حساب المنطقة وشعوبها.
ويأتي موقف تركيا ليؤكّد صحّة ما خلُص إليه الوعي الخليجي: فقد حذّر رئيسها رجب طيّب إردوغان ووزير خارجيته حاقان فيدان من خطر الفوضى التي تسعى إسرائيل إلى إثارتها لإضعاف الدول العربية، تمهيداً لمشروعها في التوسّع والهيمنة، وصولاً إلى ما يُعرف بإسرائيل الكبرى، وأكّدا أن استمرار هذه الحرب يضع المنطقة واستقرارها وسيادة دولها على المحك.
هذه المواقف، على اختلاف مواقع أصحابها، تتقاطع عند فكرة أساسية: أن ما يجري ليس مجرد عدوان عسكري عابر، بل مشروع إسرائيلي يسعى لتفكيك المنطقة والتوسّع على حساب دولها وفرض الهيمنة عليها، وأن استمرار الفوضى سيزيد من هشاشة الدول العربية، ومن بينها لبنان الذي لا يخفى على عاقل أنّه المعرّض أكثر من غيره لأن يتكبّد خسائر كبيرة في الجغرافيا، إنْ لم يكن في المصير، إذا ما قُيّض -لا قدّر الله- لهذا المشروع النجاح.
فهل نتّعظ كلبنانيين ونستيقظ من سباتنا ونعي حجم الخطر الذي يحاك لنا؟ أم نبقى غافلين ملتهين بتعميق خلافاتنا الداخلية التي تخدم العدو الذي لا سبيل إلى مواجهته، والصمود في وجهه، وإجهاض مشاريعه، إلاّ بالوعي والوحدة وصون الجيش والتمسّك بالمقدّرات والثبات وعدم الخنوع؟
اللهّم أعنّا على أنفسنا وألهمنا الوعي…واحمِ لبنان!
“محكمة” – الاثنين في 2026/3/30



