قراءة دستوريّة في التحفّظ التفسيري للمجلس الدستوري اللبناني: حامي الدستور لا يخرقه/محمد مشيك
الدكتور محمد مشيك*:
أدّى أحدث قرار للمجلس الدستوري اللبناني المتعلّق بقانون العفو العام الصادر عن البرلمان اللبناني، إلى جدلٍ دستوريّ وقانونيّ غير مسبوق- وخاصة أنّه، بدلًا من إعتباره دستوريًا أو إبطاله كليًا أو جزئيًا فقط، أخذ مسار “التحفظات التفسيريّة”.
ورغم أن قضاة المجلس الدستوري ومن بعدهم الباحثين في المجال الدستوري والقانوني، حاولوا إخفاء هذا الاتجاه تحت تسمية “التعليل الفقهي/الاجتهادي”، بما يتوافق مع القضاء الدستوري الغربي، فإن استخدام هذه الوسائل في النظام الدستوري اللبناني ليس خاليًا من خطيئةٍ جوهرية: إذ إنّه يشكّل تغوّلاً مفرطًا على نصوص الدستور اللبناني الّتي حدّدت صلاحيات المجلس الدستوري اللبناني، الأمر الّذي يشكّل استملاكًا ضمنيًا لسلطة من البديهيات تعود للمشرّع؛ طالما أنّ المشرّع الدستوري اللبناني لم يعط صلاحية تفسير الدستور للمجلس الدستوري، وهو ما يرقى إلى إخلالٍ بأصالة روح الدستور، الّذي يتجسّد فيه هذا النص بشكل صريح.
فالحديث عن أنّ الجهة الّتي تمتلك صلاحيّة إبطال القانون المطعون فيه، تمتلك من خلال القياس صلاحيّة تفسيره وتلقاياً سلطة تعديله من خلال التحفظات، هو يشكّل انتهاك للدستور بحيث لا يوجد سند دستوري يعطي هذه الصلاحيّة للمجلس الدستوري اللبناني.
فالتحفظ التفسيري أو التفسير المعياري يصطدم بنصّ المادة 18 من الدستور اللبناني، والّتي نصّت على أنّ: “لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين. ولا ينشر قانون ما لم يقره مجلس النواب”. وحق التشريع الأصيل وفق الفقرة “د” من المقدمة دستور 1990، يعود للسلطة التشريعيّة، والّتي نصّت على أنّ”: الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية”.
عدم إعطاء صلاحيّة تفسير الدستور للمجلس الدستوري، من خلال تحديد صلاحياته، حسم نقاشاً تاريخياً طويلاً في لبنان، وجعل سلطة التفسير سلطة حصرية ومقيدة بالبرلمان بوصفه ممثلاً للسيادة الشعبيّة.
وبالتالي، عندما يقوم المجلس الدستوري بتفسير الدستور ليقيس عليه غموض القانون، ثم “يُعيد صياغة مدلول القانون” تحت مسمى “التحفظ التفسيري”، فإنّه ينتزع اختصاصاً لم يعطه له المشرّع الدستوري، ومنعه عنه من خلال تحديد صلاحياته بموجب النصّ. فالمادة 19 من دستور 1990 نصّت على أنّ: “ينشأ مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية. يعود حق مراجعة هذا المجلس في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين إلى كل من رئيس الجمهورية ومجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء أو إلى عشرة أعضاء من مجلس النواب، وإلى رؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً في ما يتعلق حصراً بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني. تحدد قواعد تنظيم المجلس وأصول العمل فيه وكيفية تشكيله ومراجعته بموجب قانون”. وأمّا المادة (18 من قانون إنشاء المجلس الدستوري اللبناني 1993/250) نصّت على أنّ: ” يتولّى المجلس الدستوري الرقابة على دستوريّة القوانين وسائر النّصوص الّتي لها قوّة القانون…”.
وأمّا المادة (22 من قانون إنشاء المجلس الدستوري 1993/250)، فقد حدّدت نطاق صلاحيّة عمل المجلس في معرض النّظر بدستوريّة قانون ما، حيث نصّت على أنّ: ” يعلن المجلس الدستوري في قراره إنّ القانون مطابق أو مخالف كلّياً أو جزئياً للدستور. إذا قرّر المجلس الدستوري إنّ النصّ موضوع المراجعة مشوب كلّياً أو جزئياً بعيب عدم الدستوريّة فإنّه يقضي بإبطاله كلّياً أو جزئياً بقرار معلّل يرسم حدود البطلان. إنّ النّص الّذي تقرّر بطلانه يعتبر، في حدود قرار المجلس، كأنّه لم يصدر ولا يجوز لأيّ كان التذرّع به”.
لا يُوجد نصّ إنشاء المجلس الدستور المادة (19 من دستور 1990) ، ولا في نظامه الداخلي (القانون رقم 1993/250 وتعديلاته)، أيّ مادة تعطي الصلاحيّة “بإعادة صياغة النّص”، أو “بتوجيه أوامر للمشرع”، أو حتّى “بإفراغ النص من مضمونه مع إبقائه حياً” عبر التحفظ التفسيري.
من خلال التحفّظ التفسيري يتحوّل القاضي في المجلس الدستوري اللبناني من المشرّع السّلبي (يملك حقّ الإعدام الكلّي للقانون أو بإبطال بعض مواده)، إلى مشرّع إيجابي كأنّه غرفة تشريعيّة ثانيّة تمتلك حقّ الموائمة والتقدير على إرادة المجلس النيابي، وبالتالي الاعتداء على مبدأ دستوري مهمّ وهو الفصل بين السلطات، والمقرّر في الفقرة “هـ” من مقدمة الدستور، (ه- النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها).
إن اعتراف المدافعين عن قرار المجلس الدستوري بأنّه جمع بين التحفظات “البنّاءة، التحييدية، والآمرة” في نص واحد بشأن قانون العفو العام هو بمثابة إدانة صارخة للمجلس. فالتحفظ الآمر، هو إملاء وتوجيه بالقالب والمضمون، أي فرض إرادة قضائية على السلطة التشريعية. وأمّا التحفظ التحييدي، هو إلغاء عملي لمفاعيل النص دون إبطاله رسمياً.
في موضوع قانون العفو العام وجرائم الفساد، إذا وجد المجلس الدستوري اللبناني أنّ النصّ “ملتبس” أو “يخرق الاتفاقيات الدولية ومقدمة الدستور اللبناني”، كان واجبه القانوني الذي أعطاه إياه الدستور وقانون إنشائه، هو إبطال المادة المشوبة بعيب عدم دستوريتها، وبالتالي إبطال القانون جزئياً، وإعادته إلى المجلس النيابي ليقوم بمسؤوليته. أمّا أن يقوم المجلس الدستوري بـ”تأويل النص وإزاحة بعض الجرائم وإدخال أخرى” عبر التفسير، فهو لا يفسر القانون بل يخلق نصاً جديداً لم يصوّت عليه النواب ولم تتجه إليه إرادتهم، وهذا التواء على الآلية الدستورية للتشريع، وتعدّي على صلاحيّة تعود للمجلس النيابي اللبناني. حيث نصّت المادة (16 من دستور 1990)، على أنّ: “تتولّى السّلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب”.
إنّ الاستشهاد بالقضاء الدستوري الغربي أو العربي لتبرير التحفظات التفسيرية في لبنان هو استشهاد في غير محله؛ نظراً لاختلاف البنية الدستورية وصلاحيات المحاكم.
كيف يمكن لمجلس النواب اللبناني أن يرد على قرار المجلس الدستوري واسترداد صلاحياته التشريعية والتفسيرية؟
هناك ثلاثة سيناريوهات:
الأوّل، يكون من خلال التشريع المضاد وإصدار قانون تفسيري أصيل، وفقاً للمادة 18 من الدستور. ويمكن لمجلس النواب إصدار “قانون تفسيري”، يُقر بالإغلبية المطلقة للقيام بتفسير المادة الالتباسية في قانون العفو العام. وبما أن القانون التفسيري يعود يسري من تاريخ صدور القانون الأصلي، فإنه يبطل تلقائياً وبشكل مباشر أي “تحفظ تفسيري” فرضه المجلس الدستوري.
وبذلك يتمّ توجيه رسالة مفادها أنّ السلطة التشريعية هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في تحديد المضمون المعياري للقوانين. وقد مارس المجلس النيابي هذه الصلاحيّة في عدّة مواضيع ومنها سابقة تفسير المادة 40 من الدستور، حيث نصّ النّظام الداخلي للمجلس النيابي في المادة 89 منه على أنّ: “مبدأ الحصانة النيابيّة متعلّق بالانتظام العام”. والمواد 90 و91 و92 و93 و94 و95 و96 و97 و98 من النّظام الداخلي للمجلس النيابي. حيث تناول النّظام الداخلي مواد تفسيريّة تتناول نطاق الحصانة التي يتمتّع بها النائب في البرلمان اللبناني، ومفهوم الجرائم المشهودة، ومتى يجوز ملاحقة النائب جزائياً خارج دورات الانعقاد النيابيّة.
وأمّا الثّاني، فيكون من خلال التعديل التشريعي لقانون إنشاء المجلس الدستوري (تضييق الخناق)، من خلال المادة 19 من الدستور والقانون رقم 1993/250، بإصدار قانون يستبدل أو يوضح المادة 22 من القانون 1993/250، بحيث يضاف بند صريح ينص على: يحظر على المجلس الدستوري تحت طائلة البطلان المطلق لقراراته، إيراد أي تحفظات تفسيرية أو توجيه أوامر للمشرع، ويكون ملزماً حصراً بالإبطال الكلي أو الجزئي أو رد الطعن”.
وأمّا الثّالث، فيكون عبر إعطاء المجلس الدستوري، صلاحيّة تفسير الدستور، وذلك تلافياً لإشكاليّة خرق نصوص الدستوري أو مخالفة قانون إنشاء المجلس الدستوريّ. فالغموض أو الإبهام الشديد الذي يعتري النص التشريعي لا يعالج من قبل القاضي الدستوري عبر “الترميم التفسيري”، بل يعدّ بحدّ ذاته عيباً دستورياً قائماً بذاته يسمّى “عيب الشلل المفهومي”.
إن لجوء القاضي للتحفظ التفسيري في هذه الحالة يعد غصباً لسلطة التشريع؛ لأنّ النصّ الملتبس الذي يحتاج إلى تحفظ آمر ليصبح دستورياً هو نص ميت مفهومياً، وإحياؤه بوسائل القضاء هو خرق لسيادة الأمة المتمثلة في البرلمان، حيث نصّت المادة (27 من دستور 1990) على أنّ: “عضو مجلس النواب يمثّل الأمّة جمعاء…”.
إنّ الالتزام بالدستور ومكافحة الفساد غايات نبيلة لا يختلف عليها إثنان، ولكن لا يجوز الوصول إلى غاية نبيلة عبر خرق نصّ دستوري واضح من جهة مضمونه (المادة 19 من دستور 1990)، من خلال وسائل غير دستورية. إنّ توسّع المجلس الدستوري اللبناني في استخدام “التحفظات التفسيرية” في قانون العفو العام هو هدم لمبدأ “تفويض الصلاحيات” وتجاوز للحدود التي رسمها له المشرع الدستوري. إنّ المجلس الدستوري حارس للدستور، والحارس لا يملك أن يحل محل صاحب الدار (مجلس النواب) في تفسير وتعديل القوانين والإرادة التشريعية، بل الحارس يقوم بمنع خرق الدستور فقط، لا أنّ يحلّ مكان سلطة دستوريّة تمتلك حقّ التشريع.
* أستاذ القانون الدستوري والقانون الدولي العام، كاتب وباحث أكاديمي. لديه العديد من المؤلفات والكتب البحثية الصادرة في مجالات القانون والسياسة، إلى جانب أوراق علمية مُحكّمة ومستشهد بها في تقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM) التابعة للأمم المتحدة. يركّز في طروحاته على الشؤون الدستورية، الأنظمة السياسية، والقضايا الجيوستراتيجية.
“محكمة” – الجمعة في 2026/10/16



