هل تسقط الوكالة غير القابلة للعزل بمرور الزمن العشري؟/فرانسوا ضاهر
القاضي السابق والمحامي فرانسوا ضاهر:
القسم الأول: في طرح المسألة
هل أن الوكالة غير القابلة للعزل تقبل السقوط بمرور الزمن العشري عليها؟
1- إن الجواب على هذه المسألة يتطلّب الإنطلاق من القواعد الوضعية التي تشكّل النظام القانوني الذي يرعى الوكالة بكلّ فئاتها، والتي نصّت عليها أحكام قانون الموجبات والعقود من المادة 769 الى 822 ضمناً.
2- وضمن هذا الإطار، لقد نصّت المادة 808 م.ع. على الحالات التي تنتهي بها الوكالة عامةً وقد عدّدتها حصراً بسبع حالات.
1-إنتهاء العمل الذي أعطيت لأجله 2- تحقّق شرط الإلغاء أو حلول الأجل المعيّن للوكالة 3- عزل الموكل للوكيل 4- عدول الوكيل عن الوكالة 5- وفاة الموكل أو الوكيل 6- حدوث تغيير في حالة الموكل أو الوكيل يفضي إلى فقدانه الأهلية الشرعية لاستعمال حقوقه … 7- إستحالة التنفيذ الناشئة عن سبب ليس له علاقة بمشيئة الفريقين المتعاقدين.”
وقد جاء نصّ المادة 809 م.ع. ضمن هذا السياق، ليطرح حالة إضافية:
” إن الوكالة المعطاة من شخص معنوي أو شركة تنتهي بزوال هذه الشركة أو ذاك الشخص.”
اما نصّ المادة 810 م.ع. فقد تناول حق عزل الموكل لوكيله:
” للموكل أن يعزل الوكيل متى شاء.
وكلّ نص مخالف لا يعمل به سواء بالنظر الى الفريقين المتعاقدين أم بالنظر الى الغير…
غير أنه إذا كانت الوكالة منعقدة في مصلحة الوكيل أو شخص آخر فلا يحق للموكل أن يرجع عن الوكالة إلاّ برضى الفريق الذي انعقدت لأجله.”
من هنا طرحت مسألة ما إذا كانت الوكالة غير القابلة للعزل، إلاّ برضى الفريق الذي انعقدت لأجله، تقبل السقوط بمرور الزمن العشري، على قاعدة أنها عقد منشىء لحقوق متبادلة بين الموكل والوكيل.
وإن تقاعس الدائن (الوكيل) عن التذرّع بحقوقه التي أنشأها ذلك العقد، مدة عشر سنوات، من شأنه أن يسقطها عملاً بنص المادة 344 م.ع. (” تسقط الموجبات بتقاعس الدائن الذي يتخلّف عن التذرّع بحقوقه سحابة مدة من الزمان. “) معطوفة على المادتين 348 م.ع.(” لا يبتدىء حكم مرور الزمن إلاّ يوم يصبح الدين مستحق الأداء”) و349 م.ع. (” إن مرور الزمن يتمّ في الأساس بعد إنقضاء عشر سنوات”.)
3- في حين، أنّ النظام القانوني للوكالة قد نصّ صراحةً على الحالات المحدّدة التي تُسقطها كعمل قانوني وتجعلها منتهية، وليس من بينها مدة مرور الزمن العشري أو سواه على انعقادها دون إنفاذ الحقوق التي أنشأتها.
بدليل ما ورد في نص المادة 808 م.ع. التي نظّمت حالات إنتهاء الوكالة حصراً، وما ورد في الحالة الخاصة التي نصّت عليها المادة 809 م.ع..
وإنه ما لم تتحقّق إحدى حالات الإنتهاء المحدّدة حصراً، بالمادتين المذكورتين أعلاه، تبقى الوكالة قائمة وسارية المفعول ونافذة ما بين الموكل والوكيل اللذين تعاقدا حولها، بمفهوم المادة 769 م.ع..
4- كما أن إخضاع الوكالة غير القابلة للعزل المنشأة إستناداً الى حكم المادة 810 م.ع. لمرور الزمن العشري المُسقط لها وتالياً وبالتبعيّة للحقوق التي تناولتها، إنما يأتي مخالفاً للنظام القانوني الذي يرعاها، ومخالفاً تحديداً للمادتين 808 و809 م.ع. منه.
5- ما يحمل على الإستنتاج، بشكلٍ قاطع، بأن عقد الوكالة، بشكلٍ عام، هو مؤهّل لأن يمتد في الزمن الى حين تحقّق إحدى حالات الإنتهاء التي نصّت عليها المادة 808 م.ع. كما أن الوكالة غير القابلة للعزل بمفهوم المادة 810 م.ع. تكون هي بدورها غير مؤهّلة للسقوط بذاتها بمرور الزمن العشري على إنعقادها، أُسوةً بسائر الوكالات العادية المنظّمة وفقاً لأحكام عقد الوكالة. وهي لا تختلف عنها (عن هذه الأخيرة) إلاّ لناحية أنها تنطوي على تنازل الموكل عن حقّه بعزل وكيله.
القسم الثاني: في معالجة الإجتهاد للمسألة
1- غير أن غالب الإجتهاد الحديث في لبنان قد أخضع الوكالة غير القابلة للعزل لنظام قانوني إبتدعه، تمثّل بالتالي:
1/أ- إن الوكالة غير القابلة للعزل تتضمّن حقّاً شخصياً هو موضوعها (على سبيل المثال: تفويض الوكيل بتسجيل عقار الموكل على إسمه، أو بيع الموكل لعقاره لمصلحة شخص ثالث وتكليف الوكيل بتسجيله له، أوتكليف الموكل الوكيل القيام بعمل معيّن لمصلحته أو لمصلحة الشخص الثالث أو غير ذلك من الأفعال والأعمال القانونية).
1/ب- وإن هذا الحق الشخصي هو بذاته خاضع لمرور الزمن العشري. وإن سقوطه من شأنه أن يستتبع سقوط السند، أي عقد الوكالة الذي يتضمّنه، على قاعدة أن الفرع (عقد الوكالة) يتبع الأصل (الحق الشخصي).
” وإن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، في القرار رقم 6 تاريخ 13/1/2020، عالجت موجب تسجيل المبيع باعتباره موجباً شخصياً على عاتق البائع قابلاً لمرور الزمن العشري منذ تاريخ استحقاق حق طلب التسجيل. كما تناولت عقد بيع ووكالة بيع غير قابلة للعزل لم يقترنا بالتسجيل النهائي، وانتهت، في وقائع القضية، الى سقوط البيع والوكالة المرتبطة به باكتمال مرور الزمن، في ظل عدم وجود سبب لانقطاعه، كما وأسقطت الوكالة العادية المرتبطة بهما، على أساس أن ” الفرع يتبع الأصل” (منشور في مجلة العدل – العدد 3 – سنة 2023).
كما واعبتر الإجتهاد أنه إذا كان هناك تنازل وبيع ثم وكالة غير قابلة للعزل أُعطيت لتنفيذه. فإن قابلية التسجيل بإسم الشاري، كحق شخصي، تخضع لمرور الزمن العشري، وإن سقوط البيع، كتصرّف أصلي، بمرور الزمن يفضي الى سقوط الوكالة المعطاة لتنفيذه تطبيقاً لمبدأ ” الفرع يتبع الأصل”.
كما أنه إذا كان الحق الشخصي الذي كانت الوكالة أداة لتنفيذه قد سقط بمرور الزمن العشري، فلم يعد للوكالة محل قانوني لتنفِّذه، فتكون قد سقطت هي أيضاً تبعاً للأصل.
بحيث ذهب الإجتهاد الى إقامة بنائه الفكري على النحو التالي:
“إن قابلية التسجيل بإسم المشتري هي موجب شخصي على عاتق البائع فإذا سقط البيع بمرور الزمن، تسقط الوكالة المعطاة لتنفيذه على قاعدة ” أن الفرع يتبع الأصل”.
2- كما أن الإجتهاد قد ذهب الى أبعد مما تقدم: بأن قضى أنه في حال سقوط الحق الشخصي بمرور الزمن العشري، وتمّ إستخدام عقد الوكالة بعد هذا التاريخ لغاية إتمام العمل الذي هو موضوعها، يكون العمل باطلاً لأنه إستند الى عقد توكيل ساقط بسقوط الحق الشخصي الذي ينطوي عليه.
يراجع بهذا المعنى: “قرار محكمة التمييز المدنية، الغرفة التاسعة، رقم 61 تاريخ 16/10/2014 الذي تناول تنفيذ عقد بيع ممسوح تمّ إستناداً الى وكالة غير قابلة للعزل بعد إنقضاء أكثر من عشر سنوات. واعتبر أن حق المشتري في التسجيل، كحق شخصي، يخضع لمرور الزمن العشري منذ استحقاقه، وانتهى القرار الى إبطال التسجيل وإعادة العقار الى إسم الموكلة.”(منشور في مجلة العدل – الجزء 2 – سنة 2015 – ص 264).
بحيث يصحّ القول، إستناداً الى ما تقدّم، “بأن الوكالة غير القابلة للعزل لا تحصّن الحق الشخصي الذي تتضمّنه من مرور الزمن العشري. ”
وهذا الإستنتاج يتوافق ايضاً مع حكم محكمة الدرجة الأولى في بيروت، الغرفة الخامسة، رقم 133 تاريخ 2020/4/30، الذي اعتبر: ” أن الوكالة غير القابلة للعزل موضوع الدعوى قد تضمّنت تنازلاً عن الأسهم العقارية، وأن هذا التصرّف يخضع، كسائر التصرّفات القانونية، لمرور الزمن العشري”. (منشور في مجلة العدل – الجزء 3 – سنة 2021 – ص 1181).
3- اما البعض الثالث من الإجتهاد فقد اعتبر أن مرور الزمن العشري على الحق الشخصي لا يحول دون استخدام عقد الوكالة لإتمام العمل القانوني الذي هو موضوعها، ما دام أن الموكل لم يعترض عليه، فيكون قد تمّ بالصورة القانونية.
بحيث يعتبر القضاء أن مرور الزمن لا يعمل حكماً، لأنه ليس من النظام العام، بل يجب أن يتمسّك به صاحب المصلحة.
وفي قضية تناولت وكالة غير قابلة للعزل نُفِّذت بعد أكثر من عشرين سنة، عالج القضاء المسألة من زاوية حق المشتري في التسجيل على أنه حق شخصي قابل لمرور الزمن، ولكن مرور الزمن لم يُثر قبل تنفيذ الموجب. وبعد التسجيل أصبح الحق حقاً عينياً مسجلاً، وزال العيب الذي يعتري الموجب الشخصي بالتنفيذ.
وضمن هذا التوجّه، نلحظ القرار الصادر عن محكمة إستئناف جبل لبنان رقم 225 تاريخ 2018/10/9 الذي قضى بالأكثرية:
” بأنه إذا كانت الوكالة قد نُفِّذت بعد أكثر من عشرين سنة، وسُجلت الأسهم في السجل العقاري. فاعتبرت المحكمة أن مرور الزمن لم يكن قد أثير قبل التنفيذ، وبعد التسجيل إنقضى الموجب الشخصي بالتنفيذ وتحول المركز الى حق عيني مسجّل أصولاً وبالصورة الصحيحة. بحيث لم يعد بالإمكان بعد التنفيذ العودة الى الموجب الشخصي المنقضي والمطالبة بإسقاطه بمرور الزمن.”
” سيما وأن مرور الزمن لا يسري حكماً ولا ينتج مفاعيله تلقائياً. فإذا لم يتمسّك البائع به قبل تنفيذ الوكالة وحصول التسجيل، لم يعد ممكناً بعد التسجيل إسقاط الحق على أساس مرور الزمن. كما أن عدم طلب إسقاط الحق قبل تحوّله الى حق عيني مسجّل يجعل التسجيل صحيحاً.” (منشور في مجلة العدل – الجزء 3 – سنة 2019 -ص 1418).
4- واما البعض الرابع من الإجتهاد، فقد اعتبر في بعض الحالات: أن استلام المشتري العقار وإستغلاله علناً وبإستمرار وبعلم البائع يمكن ان يشكّل إقراراً مستمراً بحق المشتري، وبالتالي يؤدّي الى قطع مرور الزمن.
يشار في هذا السياق الى قرار محكمة التمييز المدنية، الغرفة التاسعة، رقم 2005/3 تاريخ 2005/2/22 ، وقرار محكمة التمييز المدنية، الغرفة الثامنة، رقم 56 تاريخ 2014/9/23 اللذان اعتبرا :
” أن إستلام أو حيازة المشتري للعقار وتصرّفه به واستعماله بصورة علنية ومستمرّة، بعلم البائع وبدون معارضته، يمكن أن يشكّل إقراراً مستمراً بحق المشتري بالتسجيل وبالتالي يقطع مرور الزمن. ”
علماً أن القرار رقم 2014/61 المشار اليه أعلاه، قد رفض إعتبار مجرد تسليم سند الملكية عند تنظيم الوكالة أو بعض الأعمال غير الدالة على إشغال العقار إعترافاً مستمراً قاطعاً لمرور الزمن.
كما أن الإجتهاد لا يتجه الى اعتبار: “أن مجرد وجود صك الوكالة غير القابلة للعزل في يد المستفيد (الوكيل) يشكّل، بذاته، إعترافاً بتجدّد حقّه الشخصي. ”
والدليل، على ما تقدّم، هو ما ورد في قرار محكمة التمييز رقم 61 تاريخ 2014/10/16 الملحوظ أعلاه، والذي: ” لم يعتبر مجرد تسليم سند الملكية عند تنظيم الوكالة حالة مستمرة من الإعتراف بالدين. فيما اعتبر، في المقابل، أن تسّلم المشتري العقار واستغلاله علناً وباستمرار بعلم البائع يمكن أن يشكّل إقراراً مستمراً يقطع مرور الزمن.”
وهذا ما يتوافق مع القرارين الصادرين عن محكمة التمييز المدنية المذكورين أعلاه: قرار محكمة التمييز المدنية، الغرفة التاسعة، رقم 2005/3 تاريخ 2005/2/22، وقرار محكمة التمييز المدنية، الغرفة الثامنة، رقم 56 تاريخ 2014/9/23.
فوجود الوكالة وحده لا يعني إعترافاً متجدّداً بالدين أو بالحق الشخصي أو بالموجب. بل إنه يقتضي توافر وقائع تنفيذ مستمرة للحق بعلم المالك، كالحيازة والإستثمار الظاهر، اللذان يشكّلان إعترافاً مستمراً. وإنه إذا كان الحق الشخصي بالتسجيل قد أصابه مرور الزمن، ولا توجد وقائع تنفيذ مستمرة تصلح لقطع المدة، فيسقط الأساس الذي كانت الوكالة تنفِّذه.
القسم الثالث: في ما يُعاب على الإجتهاد
إنه يُعاب على المنحى الإجتهادي المتقدّم تفصيله بالأسباب التالية:
أ- إنه أخضع الوكالة غير القابلة للعزل بمفهوم المادة 810 م.ع. لحالة إسقاط أو إنتهاء مستمدّة من مرور الزمن العشري على الحق الشخصي الذي تتضمّنه. وهي حالة ليست من بين الحالات التي لحظتها المادة 808 م.ع.. فيكون بذلك قد خالف حكم تلك المادة الناظمة لحالات إنتهاء الوكالة بصورة حصرية، المرتبطة بالنظام القانوني لعقد الوكالة بحدّ ذاته، كما بالنظام القانوني العام.
ب- كما أنه أخضع الوكالة غير القابلة للعزل لمدة زمنية هي موازية لمدة مرور الزمن على الحق الشخصي الذي تكتنزه،والذي هو عشر سنوات. وهذا ما يخالف نظامها القانوني القائم على إستمرارية نفاذها وسريانها، وعدم خضوعها للحالات التي نصّ عليها القانون والتي تعتبر فيها ساقطةومنتهية.
ج- إنه أَتبع مصير عقد الوكالة (كفرع) بالحق الشخصي (الأصل). دون أن يكون لهذه التراتبية أيسند قانوني أو مبرّر وضعي. علماً أنه من الأصحّ القول، أن عقد الوكالة هو الأصل وأن الحق الشخصي الذي يتضمّنه هو الفرع.
ذلك أن مجمل القواعد الوضعية التي تشكّل النظام القانوني لعقد الوكالة إنما تسهم بإتجاه إعماله دونما النظر الى الحقوق التي ينطوي عليها عقد التوكيل المذكور . ما يستفاد منه فعلياً بأن عقد الوكالة هو بذاته الأصل، وأن الحق الشخصي الذي ينطوي عليه هو الفرع، وليس العكس.
د- إن ربط مصير الوكالة غير القابلة للعزل بمصير الحق الشخصي لجهة بدء مرور الزمن عليه وإنقطاعه وإنقضائه، إنما يسقط مفاعيل عقد التوكيل بحدّ ذاته وكيفية عمله وإستخدامه لتسيير الحقوق التي تنطوي عليه، فيضحي خاضعاً في كيانه ومدى نفاذه وسريانه لذات النظام القانوني الذي يخضع له الحق الشخصي، بدلاً من أن يكون خاضعاً بذاته للنظام القانوني الذي وضعه المشرّع والذي يختصّ به.
هـ- إن الوكالة غير القابلة للعزل بمفهوم المادة 810 م.ع. تخضع للنظام القانوني العام الذي وضعه المشرّع لتنظيم نفاذها وسريانها. بحيث لا يصحّ للإجتهاد ان يبتدع لتلك الوكالة نظاماً قانونياً جديداً يخرج عن الأحكام الوضعية التي تنظّم عملها.
و- إن الوكالة غير القابلة للعزل لا تتضمّن موجباً، يقع على الموكل إتمامه لمصلحة وكيله أو مصلحة الشخص الثالث الذي إنعقدت لأجله الوكالة. بل تفويضاً منه، بصورة غير قابلة للرجوع عنها، كي يمارس الوكيل حقاً يعود له إتمامه أو تنفيذه أو صلاحيةً يعود له الإضطلاع بها لمصلحته أو لمصلحة الشخص الثالث نفسه.
وإنه، ضمن هذا الإطار، ليس من موجب على الموكل يمكن إسقاطه بمرور الزمن العشري، بل من حق أُنيط بالوكيل ممارسته حينما يشاء أو من تفويض أُعطي لهكي يقوم بعمل يعود له بالنفع أو لمصلحة شخص آخر.
ز- كما أن الوكالة العادية تحتمل مدة هي متلازمة مع تحقّق أي من حالات إنتهائها المنصوص عنها بالمادة 808 م.ع.، فإن الوكالة غير القابلة للعزل تحتمل بدورها مدة متلازمة مع مدى ممارسة الوكيل للحق الذي اكتسبه بموجبها أو مدى ممارسته للصلاحية المعطاة له للقيام بعمل معيّن هو في مصلحة شخص آخر معني بها.
ح- كما أن الوكالة غير القابلة للعزل التي غالباً ما تتضمّن تنازلاً عن حق أو تكليفاً بعمل لمصلحة الوكيل أو شخص آخر، بصورة نهائية لا رجوع عنها، فإنه لا يصح أن تنتهي وتسقط، وأن يتمّ نتيجة هذا السقوط إعادة المال أو الحق الى الموكل الذي كان قد تنازل عنه أو الى عدم إتمام العمل الذي كُلِّف به الوكيل من قبل الموكل المذكور. الأمر الذي يشكّل خرقاً لقواعد العدالة والإستقرار في العلاقات القانونية والتوازن بين الموجبات والحقوق المتبادلة.
فضلاً عن أن الوكالة غير قابلة للعزل هي بطبيعتها معدّة لتثبيت الحقوق التي تتناولها، ما يجعل الإجتهاد الذي قضى بسقوطها مخالفاً لنظامها القانوني، ومتعارضاً مع غاية التشريع الذي رمى الى الإستقرار في توزّع الحقوق، بصورة نهائية، بين فرقائها من خلال ترخيصه بإنشائها.
ط- ولا يرد على ما تقدّم، بأنه لا يصحّ أن تدوم الوكالة غير القابلة للعزل لأمد غير مسمّى. ذلك لأن الوكالة العادية هي، في الأصل، معدّة لأن تدوم لأمد غير مسمّى، وذلك حتى تتحقّق أي من حالات إنتهائها المنصوص عنها بالمادتين 808 و809 م.ع..
فضلاً عن أنها من فئة الأعمال القانونية التي شأنها تثبيت الحقوق المشمولة بها. بحيث لا يصحّ تحت علّة أمدها غير المحدّد أن يتمّ إسقاطها، لعلّة مرور الزمن العشري على إنشائها، أو لعلّة إعتبارها فرعاً للحق الشخصي الذي هو موضوعها، ما يؤدّي الى إعادة النظر، بدون أي سند قانوني، بتوزيع الحقوق التي كانت قد انطوت عليها.
ي- كما أنه إذا كانت الوكالة العادية تقوم على تفويض الموكل الى الوكيل القيام بقضية … أو بإتمام عمل أو فعل… (769 م.ع.). فتكون الوكالة غير القابلة للعزل تقوم أيضاً على تفويض الموكل الى الوكيل القيام بقضية أو بإتمام عمل أو فعل، لكن دونما إمكانية عزله مما فوِّض به، ودونما الرجوع الى الموكل بعد ذلك التفويض.
وكأنما يتمّ إستخدام مؤسسة (institution) التوكيل غير القابل للعزل (810 م.ع.) كأداة أو كوسيلة قانونية (Instrumentum) لتثبيت أو تصفية أو ترسيخ العلاقة القانونية القائمة بين الموكل والوكيل والغير المشمولين بها.
بحيث لم يعد الموكل مديناً للوكيل بأي موجب أو حق شخصي مستمد من عقد التوكيل. كما ولم يعد الوكيل، بالمقابل، مديناً لموكله بأي موجب أو حق شخصي مستمدّ من عقد التوكيل ذاته.
وبذلك تكون ” مؤسسة الوكالة غير القابلة للعزل “مؤهّلة لترتيب العلاقة القانونية بين الموكل والوكيل أو لتفويض هذا الأخير بعمل أو فعل يدخل، بصورة نهائية لا رجوع عنها، في مصلحة شخص ثالث.
ولم يعد بالتالي من مجال للقول، كما فعل غالب الاجتهاد الحديث، بأن مرور الزمن العشري على الموجب أو الحق الشخصي الذي تنطوي عليه الوكالة هو علّة لإسقاطها بالتبعيّة (par corollaire) على قاعدة أن الفرع (عقد التوكيل) يتبع الأصل (الموجب أو الحق الشخصي).
ك- كما أن نظام الوكالة غير القابلة للعزل هو معدّ لضمان الحقوق التي تتناولها، فيُثبِّتها بشكل نهائي لا رجوع عنه بين الفرقاء المشمولين بها.
بحيث لا يصحّ للقضاء أن يجتهد، بدون سند قانوني مستمد من حكم المادتين 808 و809 م.ع.، على نحو يسقط مفاعيل تلك الوكالة من زاوية سقوط الحق الشخصي الذي تتناوله بمرور الزمن العشري عليه. ذلك أن المشرّع نفسه قد أخضع تلك الوكالة لنظام قانوني متكامل مستمدّ من حكم المادة 810 م.ع. دونما الأخذ في الإعتبار الحق الشخصي الذي تنطوي عليه أو هو موضوعها.
ل- كما أنه، إذا كان لا يحق للموكل أن يرجع عن الوكالة غير القابلة للعزل إلاّ برضى الفريق الذي إنعقدت لأجله. فإنه لا يحق بالتالي للقضاء أن يرخّص للموكل بأن يتذرّع بسقوط الحق الشخصي الذي تنطوي عليه تلك الوكالة، بمرور الزمن العشري عليه، حتى يسقط مفاعيلها. ذلك أن مثل هذا التدبير أو الإجراء القضائي يوازي منح الموكل حقاً بالرجوع عنها مواربةً أو مداورةً. الأمر الذي يخالف النظام القانوني للوكالة غير القابلة للعزل الذي أرسته المادة 810 م.ع..
لذا،
تكون الوكالة غير القابلة للعزل بمفهوم المادة 810 م.ع. خاضعة للنظام القانوني العام الذي يُنظّم عمل وإنتهاء عقد الوكالة المرعي بالمواد 769 الى 822 م.ع. ضمناً. وبات يعود للإجتهاد اللبناني أن يُعيد النظر بالنظام القانوني الخاص الذي إبتدعه لتحديد مدى نفاذها وسريانها، بما يتوافق مع الأحكام الوضعية الخاصة بها ولا يتعارض معها أو يخالفها. سيما ” وأن لا إجتهاد بمعرض النص”.
كما أن إعادة تصويب الإجتهاد المبتدع والمنازع به، يشكّل مدخلاً لاستقرار وثبات وتسهيل التعاملات المجراة إستنادا الى الوكالات غير القابلة للعزل، بما يتوافق مع النصوص الوضعية الناظمة لعملها.
“محكمة” – الخميس في 2026/10/15



