علم وخبر
قراءة في قانون العفو العام:هل هو معالجة للأسباب أم للنتائج؟ وما هي الحلول المقترحة؟/ حسين خشفة
الدكتور حسين خشفة (أستاذ جامعي):
العقوبة هي جزاء يقرره المشرع تبعًا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وتهدف الى معاقبة المجرم (الردع الخاص) للومه على ما قام به تجاه الضحية والمجتمع، والعمل على إصلاحه من جهة، وتوجيه رسالة لكافة أفراد المجتمع كوسيلة تحذيرية لهم (الردع العام)، خاصة لذوي الاستعداد الجرمي، من جهة أخرى. ويجب أن تؤمن التوازن بين حق المجتمع بالأمن وحق الأفراد بالعدالة، وفقًا لما جاء به علم الإجرام العقاب.
والعفو العام هو إجراء قانوني يقوم بمحو بعض الجرائم بشكل كلّي، أي أنه يسقط الصفة الجرمية عن بعض الجرائم، ويؤدّي إلى وقف الملاحقات الجزائية والأحكام التي صدرت وشطبها عن السجل العدلي. فهو وسيلة تلجأ إليها الدول من ضمن سياسة جزائية متكاملة في ظروف معينة واستثنائية، غالبًا ما تكون اجتماعية أو مصالحة وطنية. ويهدف إلى تحقيق الأمن الاجتماعي والاستقرار في البلد. والعفو العام يصدر بقانون عن السلطة التشريعية، وهذا يعني بأنه صادر عن الشعب ولمصلحته بواسطة وكلائه النواب (هكذا يُفترض أن يكون)، فلا بدّ من أن يتمتّع ببعض الصفات وأهمّها:
• أن يقوم على مبدأ الاستثناء لا القاعدة وفي ظروف إستثنائية معينة ومحددة.
• أن يتميّز بالوضوح والدقّة بشأن الجرائم المشمولة فيه أو المستثناة منه، فلا مواد غامضة ولا عبارات فضفاضة قد تؤدي إلى التناقض في تنفيذه.
• ألّا يشمل الجرائم الخطيرة كالتي تمسّ الكرامة الإنسانية والأمن الاجتماعي وجرائم الإرهاب والقتل وجرائم ضد الإنسانية.
• أن يقوم على مبدأ المساواة وأن يراعي مبدأ العدالة والإنصاف، فيطبق على من تتوفر الشروط عنده بعيدًا من الاعتبارات السياسية أو الطائفية أو الحزبية. فالتشريع الجزائي يكون مزيفًا عندما يُفصّل على قياس مجرم محدّد، وهذا ما يفقده المشروعية القانونية والأخلاقية ويكرس الشعور بالظلم.
• أن يكون في سياق سياسة جزائية كاملة ومتكاملة تتضمن بنودًا إصلاحية تحقق العدالة وتضمن حقوق الضحايا.
وبالعودة إلى اقتراح القانون المزمع اقراره، فإنّنا نكاد نراه لا يتمتّع بالحدّ الأدنى من هذه المزايا. حيث إنّ الأسباب الموجبة كما وردت لاقتراحه، تلخّصت بإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة من خلال معالجة الخلل الناجم عن التأخير المزمن في إصدار الأحكام الجزائية وآثار ذلك على جوهر العدالة ومقاصدها. وجرى تفصيل ذلك على الشكل التالي:
• وجود أزمة إنسانية بسبب احتجاز الموقوفين والسجناء لفترات تتجاوز المهلة القانونية المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.
• مراكمة الملفات القضائية وتباطؤ صدور الأحكام لأسباب عديدة (لم يتم ذكرها في اقتراح القانون).
• تأخير مفرط في إصدار الأحكام.
• مشكلة عدم سوق الموقوفين إلى جلسات المحاكمة.
• الاكتظاظ وسوء أوضاع أماكن التوقيف والسجون.
• قانون العفو ليس بديلًا عن الإصلاح القضائي ومعالجة الاختلالات البنيوية التي تستوجب سياسة عامة شاملة.
• ضرورة أن يترافق إقرار قانون العفو العام مع إجراءات من قبل السلطة التنفيذية كتفعيل المحاكمات وإصلاح أوضاع السجون وأماكن التوقيف وإعادة تأهيلها وفق معايير إنسانية وقانونية ضمن خطّة زمنية محددة.
هنا يأتي السؤال: ما هو برنامج الحكومة في هذا المجال؟ وهل وضَعت سياسة جزائية متكاملة لكي لا يصل الحال مجدّدًا إلى ما وصل اليه، سيما وأن العفو العام تكرر في لبنان 12 مرة منذ الاستقلال ولغاية تاريخه؟ وهل تمت أو أُجريت دراسة الآثار الاجتماعية والأمنية المترتبة عن الإفراج عن المحكومين وسقوط الملاحقات القضائية؟ وهل اتُخذت الإجراءات اللازمة لكي لا تزيد معدلات الجريمة بعد هذا القانون؟
إنّ احتجاز الموقوفين والسجناء لفترات طويلة وتراكم الملفات القضائية الذي يؤدي إلى تباطؤ في إصدار الأحكام ومشكلة الإكتظاظ، لها أسبابها ولا بد من معالجة هذه الأسباب، وذلك يمكن من خلال:
• توزيع القضاة في المحاكم والدوائر القضائية وتحديد ساعات العمل.
• إصلاح البنى التحتية اللازمة في قصور العدل والمحاكم.
• رفع قيمة الرواتب لكافة العاملين في القطاع العام لاسيما القضاة والمساعدين القضائيين وأفراد المؤسسات الأمنية.
• حل مشكلة تعذر سوق الموقوفين إلى جلسات المحاكمة، وذلك من خلال تأمين العديد اللازم والآليات الضرورية لهذه المهمة الهامّة.
• تحسين حالة المؤسسات العقابية والسجون، والعمل على بناء سجون جديدة تتمتّع بالمواصفات اللازمة لمقتضيات الإصلاح وحقوق الإنسان.
• تعديل المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، من خلال وضع مُدد زمنية للجرائم المستثناة في النص الحالي تتناسب مع تلك الجرائم، بحيث يصبح بالإمكان الإفراج عن كل الموقوفين في حال انقضاء المدة المحددة لكل جريمة.
• العمل على حل مشكلة الاكتظاظ من خلال اعتماد حلول غير تقليدية (من خارج الصندوق)، وهي معتمدة في عدة دول، كبدائل جزائية للعقوبات المانعة للحرية (الحبس) القصيرة والمتوسطة المدة، سيما وأن لهذه العقوبات سلبيات عديدة، منها تزايد معدلات التكرار وضرورة إيجاد مؤسسات عقابية أكثر، والتأثير السلبي على الوضعين النفسي والاجتماعي للسجين في السجن وعند خروجه. علمًا أن بعض هذه البدائل منصوص عليها في التشريع اللبناني والبعض الآخر يتطلّب تشريعًا لذلك، وهذا هو المطلوب لتلافي الوقوع في نفس المشاكل والعودة إلى إصدار قانون للعفو العام مجدّدًا. وأن اعتماد مثل هذه البدائل يجنّب المحكومين بهذه العقوبات مساوئ تنفيذ عقوبات الحبس القصير والمتوسّط المدّة من خلال عدم تعريضهم لمساوئ الاختلاط بالمجرمين الأكثر خطورة. كما أنّه لا محلّ للإصلاح في هذه العقوبات قصيرة المدّة نظرًا لقصر المدة بحد ذاتها. وقد أشار الى هذه البدائل وكتب عنها عدد كبير من الفقهاء ورجال القانون أبرزهم العلّامة القاضي المرحوم سمير عاليه.
وفي ما يلي، البدائل التي نصّ عليها التشريع اللبناني والتي يمكن تفعيلها والعمل بها:
• الغرامة الجزائية، وهي إلزام المحكوم عليه بدفع مبلغ نقدي مقرر في الحكم، لمصلحة خزينة الدولة. (المواد 53، 61، 64، 254 و255 عقوبات).
• وقف تنفيذ العقوبة، وتعني تعليق عقوبة الحبس على شرط واقف خلال فترة معيّنة يحدّدها القانون. (المواد من 169 الى 172 عقوبات).
• العفو الخاص والذي يصدر بمرسوم عن رئيس الجمهورية. (المواد 152، 153 و154 عقوبات).
• العمل الاجتماعي، وهي تكليف المحكوم عليه بأداء عمل مجاني لصالح المجتمع في إحدى المؤسسات العامة او الجمعيات المجانية المحددة رسميًا، وهو ما نص عليه القانون اللبناني رقم 2019/138.
البدائل الأخرى التي لم ينصّ عليها القانون اللبناني وهي:
• الاختبار القضائي Probation، أو الوضع تحت التجربه Mis a l’epreuve، وهو عبارة عن نظام عقابي لفئة من المجرمين ويهدف إلى عدم إدخالهم السجن وفرض بعض القيود والالتزامات عليهم، والخضوع للإشراف القضائي. وهو معمول به في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية أخرى. وقد أخذ به المشرع اللبناني في قانون حماية الأحداث المخالفين للقانون رقم 2002/422 (المواد 8، 5 و10) وفي قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف رقم 98/673 (المواد 193/197).
• التدريب على المواطنة، وهي إلزام بعض المحكوم عليهم بالقيام بالتدريب لمدة معينة لتذكيره بقيم الدولة كالتسامح واحترام الكرامة الإنسانية، وهو معمول به في فرنسا.
• تأجيل النطق بالعقوبة في بعض الجرائم الخفيفة مقابل التعهّد بحسن السلوك. وهو معمول به في عدة دول منها فرنسا والكويت.
• المتابعة الاجتماعية القضائية La suivie socio-judiciaire، وهو ما يطبّق حاليًا فقط على جرائم تعاطي المخدرات بموجب القانون رقم 1998/673 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف وذلك من خلال إجراء تشريع يعمم هذه المراقبة على جرائم بسيطة أخرى. وهو معمول به في دول عدة منها فرنسا.
• الحبس المنزلي أو المراقبة الالكترونية للتنفيذ خارج السجن، وهو ما يعرف بمصطلح “الأسورة الإلكترونية أو السوار الإلكتروني”. وهي وسيلة تكنولوجية تعتمد على تقنية GPS، يتم من خلالها إلزام المحكوم عليه بالإقامة في منزله في المواعيد التي يحددها ويراقبها قاضي تنفيذ العقوبات بدل تنفيذ عقوبات الحبس التي لا تتجاوز مدتها السنة. وهذا معمول به في عدة دول كفرنسا وانكلترا والولايات المتحدة الأميركية.
وفي الختام، فإن العفو كما العدل من أسماء الله الحسنى. فإذا كان لا بدّ من إصدار قانونٍ للعفو، فلا بد من أن يكون عادلًا بجميع أبعاده، بين الجناة من جهة، فلا أفضلية لأحد على آخر إلّا بمعيار الإنصاف للأمن الاجتماعي والمصلحة الوطنية، ومع الضحايا من جهة أخرى، فلا يجوز أن ترتكب الجريمة بحقهم مرتين.
وعليه، يجب أن يكون قانون العفو خطوة من ضمن سلسلة خطوات في إستراتيجية السياسية الجزائية المتكاملة، وأن يكون استثناءً لا قاعدة، وأن يجمع بين مقتضيات الرحمة ومتطلبات العدالة ويؤمن الحماية المجتمعية. كما يجب أن يتمتع بالوضوح والعدالة والمساواة والإنصاف واحترام حقوق الضحايا ولا يضرّ بالمصلحة العامة، فنكون أمام قانون ينسجم مع مبادئ دولة القانون وحقوق الإنسان ويحقق خطوة باتجاه الاستقرار الاجتماعي في الظروف الاستثنائية وليس وسيلة للإفلات من العقاب.
“محكمة” – الخميس في 2026/5/28



