كيف نُحقّق إستقلالية السلطة القضائية في لبنان؟/أمين صليبا
أ.د أمين عاطف صليبا (باحث في القانون الدستوري):
الهدف واضح يتجلّى من خلال وضع قانون السلطة القضائية يؤكد على هذه الإستقلالية، ولنتصارح من دون أي تورية، بأن مجلس القضاء الأعلى الذي يحاول الخروج من عنق زجاجة عدم الإستقلالية بسبب القانون المُطبّق حالياً، والذي رغم مشروع تعديله الذي لا يزال يدور في حلقة مفرغة منذ 1972 – اكثر من نصف قرن – والسبب ان السلطة التنفيذية لا تُريد تحرير هذه السلطة من قبضتها وذلك بموافقة ضمنية من السلطة التشريعية حيث ان السلطتين مفصولتان دستورياً وفق مبدأ فصل السلطات، لكن على ارض الواقع – خاصة في لبنان، هما سلطة واحدة تخدم مصالح الطرفين،أمّا حقوق المواطن وحرياته فآخر الأهتمامات.
لن اُطيل الشرح كون المعنيين بإستقلالية السلطة القضائية هم كثر ومطالبهم ومواقفهم تُنشر هنا وهناك، بدءاً من نادي القضاة ومن غالبية القضاة الصامتين والذين يحافظون على إستقلاليتهم وعلى عدالة احكامهم.
الكلام كثير عن مدى تزعزع كيان هذه السلطة وعدم ثقة المواطن بغالبيتها،ومن الانصاف القول ان هناك قسماً من السلطة السياسية غير راضٍ عن ما آلت اليه نسبة لا بأس بها من السلطة القضائية لجهة تخليها عن إحقاق الحق وتأمين العدالة.
من دون عدالة لا يمكن للسلطة ان تستمر، لأن إستمراريتها تقوم على ثقة الشعب بها! فأين هذه الثقة، مما نسمعه ونقرأه عما يدور في الكواليس من عقبات لإنجاز التشكيلات القضائية! مع تقديري للرئيس سهيل عبود واعضاء مجلس القضاء الأعلى (غالبيتهم اصدقاء) نرى ان السلطة القضائية لا تزال مُقيدة وفق نص القانون بتدخل السلطة التنفيذية في مفاصل صلاحياتها الأساسية وفي طليعتها التشكيلات!
القاضي هو الوحيد من ينطبق عليه نص الدستور القائل: “بأن النائب يُمثّل الأمة جمعاء” لأنه عندما يُصدِر احكامه لا يمكن ان تكون نابعة عن خلفية مذهبية او مناطقية، بل تصدر وفق اسس العدالة التي يُحدّدها القانون.
في الماضي كان الرئيس شمعون يقول:”اذا اردت معرفة ماذا سيحصل في لبنان راقب ماذا يحصل في العراق” طبعاً هذه مقولة سياسية لكن نقتبسها من زاوية اخرى، لتطبيقها في ما يتعلق بإستقلالية السلطة القضائية وفق ما ينص عليه قانون مجلس القضاء الأعلى في العراق رقم 45 لسنة 2017، الذي منح هذا المجلس الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والاداري، ويمثله رئيسه.
لن ادخل في تفاصيل هذا القانون لكن أشير الى انه بموجب هذا القانون،اصبحت السلطة القضائية في العراق سلطة مستقّلة بكل ما للكلمة من معنى،وهي الوحيدة في عالمنا العربي(1) وسأكتفي بثلاث فقرات فقط من المادة 3 من هذا القانون:
المادة 3 يتولى مجلس القضاء الأعلى المهام الآتية:
-……….
رابعاً: ترشيح رئيس محكمة التمييز الاتحادية وقضاتها ورئيس هيئة الاشراف القضائي وارسال الترشيحات الى مجلس النواب للموافقة عليها.
سابعاً:ترقية القضاة في المحاكم الاتحادية ونقلهم وانتدابهم…. وفقاً للقانون.
حادي عشر: عقد الاتفاقيات القضائية ومتابعة تنفيذها بالتنسيق مع وزارة العدل.
هذه الصلاحيات الواردة اعلاه تختصر فكرة ومبدأ كيف يكون القضاء مستقلاً،عندما لا يوجد أي دور للسلطة التنفيذية،سوى انها بعد موافقة البرلمان وإختياره الأسم من بين المرشحين الذين اقترحتهم السلطة القضائية،العمل على إصدار مراسيم التعيين من قبل رئيس الجمهورية!
وللتأكيد على هذه الاستقلالية، نحتكم ايضاً الى قانون الادعاء العام (النائب العام التمييزي) رقم 49 لسنة 2017، نجد ان اختيار الاسم لمنصب هذا الموقع الهام، يقع على عاتق مجلس القضاء الأعلى وبموافقة مجلس النواب على احد المرشحين.
كما ان قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدّل والمعمول به وفق احكام القانونين اعلاه، يؤكد على ان القاضي الذي يُنتدب الى وظيفة إدارية بعد موافقته وموافقة مجلس القضاء الأعلى لا يُعاد الى القضاء إلاّ بشروط دقيقة وحصرية تتعلق بالمركز الذي كان يشغله!!!!
لن اتوسع في الشرح إذ المقارنة قد تطول وكلها تؤكد ان إستقلالية السلطة القضائية في العراق غير المسبوقة في عالمنا العربي، قد تشكّل حُلمَ كل من يتوق الى سلطة قضائية مستقلة في لبنان، لكي لا يُصاب التواقون الى إستقلالية فاعلة للسلطة القضائية في لبنان بمقولة “هذا حصرم رأيته في حلب”؟؟؟؟
لكن ربما الأجيال القادمة تتمكن من التحرُّر من عقد المذهبية والمناطقية والتبعية السياسية، لكي تُعتق السلطة القضائية من هيمنة السلطة السياسية!! لأن لبنان لن يُحقّق دولة عادلة إلا من خلال سلطة قضائية مستقلة على امل ان تكون الاستقلالية قريبة مما هو مُطبّق في العراق حالياً!!
1- للمزيد عن معرفة هذه الاستقلالية المطبقة في العراق في ما خص السلطة القضائية، لطفاً مراجعة كتاب:”استقلالية السلطة القضائية بين النظرية والتطبيق تأليف القاضي الدكتور فائق زيدان والاستاذ الدكتور امين صليبا –دار الوارث للطباعة والنشر 2023.
“محكمة” – السبت في 2025/7/19



