في مدرسة الريح… أنا انسان واقف/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
إني غبار….
ذرّة تهيم في مهبّ العواصف، لا تملك من أمرها شيئًا، ولا تستقرّ إلا على حافة الوجع… أنا انسان ،هذا الكائن الواقف بين تراب الأرض وريح السماء، أسير بخطى متعبة في عاصفةٍ لا ترحم.
كلّما حسبتُ أنني ثبتُّ، بعثرتني الرياح.
كلّما ظننتُ أنّني أمسكتُ بيد الأمان، أفلتتني الصدفة، وعبثت بي الأقدار.
أنا من غبار… هشٌّ كالأحلام، شفيفٌ كالأمل، تتقاذفني رياح الحياة .
كم تستهويني الأرض لأكون منها، وكم تغريني السماء لألحق بها… وأنا بينهما، كحبة رملٍ تائهة، لا أنا ارتويتُ من الطمأنينة، ولا أنا استسلمتُ للضياع.
أحمل في قلبي بقايا حكايات، وفي يدي شظايا أحلام مكسورة.
والعاصفة أقوى…
والريح لا تكفّ…
والدنيا تمضي بي …
لكن، يا للعجب… مع كلّ هبة ريح، كنت أتعلم كيف أتماسك…
ومع كلّ طعنة ريح، كنت أكتشف أنني، رغم هشاشتي، لا أذوب…
أنا انسان، غبارٌ عنيد يمشي في عاصفة الحياة، لا يهزم، بل يتشكّل، يتلوّن، يتعلّم كيف يرقص مع الريح بدل أن يسقط أمامها.
لستُ وحدي من غبار…
كلنا غبار.
لكن وحدهم الذين يعترفون بذلك، هم الذين يعرفون كيف يمشون في العاصفة، مرفوعي الرأس، ولو كانت الريح تعصف في عروقهم.
وأنا، غبار في مهبّ العاصفة، صرت أفهم أن الإنسان لا يُقاس بصلابته، بل بقدرته على التماسك وهو يتفتّت.
ليست الحياة ساحة انتصار، بل ميدان صمود.
نحن لا نربحها… نحن نمرّ فيها، كما يمرّ الغبار في الضوء، يلمع لحظة، ثم يواصل الرقص في الهواء.
أدركتُ أخيرًا…
أن العاصفة ليست عدوّي، بل مُعلّمي.
والريح ليست خصمي، بل منحتني سرّ التوازن…
أنا من غبار، نعم…
لكنني غبار يعرف كيف يعبر العاصفة دون أن يختفي.
في النهاية، الغبار هو ما يرسم خطوط الشمس في الهواء.
“محكمة” – الجمعة في 2025/7/18



