مقالات

حين يسقط الجدار ولا تتحرّك الدولة.. مبنى السجّل التجاري في بعبدا شاهدٌ على الفشل والإهمال/عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
من مشهد لم نعد نستغربه، تتكرّر فصول الإهمال في أبسط مظاهر الدولة حتّى غدا المواطن اللبناني يعيش على حافة الإنهيار المادي والمعنوي، كما تعيش مؤسّساته على حافة السقوط في كل إتجاه.
فها هو مبنى السجّل التجاري في بعبدا ومعه دوائر التنفيذ والعمل والمحكمة العقارية، يقفل أبوابه بوجه المتقاضين والمحامين منذ خمسة أشهر ونيّف بعد أن أثبتت التقارير الفنّية أنّه آيل للسقوط ويشكّل خطراً على السلامة العامة. توقّف العمل فتعطّلت الملفّات وتجمّدت الحقوق. وبينما تتعالى الصرخة من الداخل يخيّم الصمت على من بيدهم القرار للأسف.
قبل أيّام تدخلت وزارة المالية في محاولة لتقييم الإنعكاسات المالية والإدارية بعد أن اتسع نطاق الشلل في المبنى وامتد أثره الى معاملات الشركات والأفراد. لكنّ التدخّل وإنْ بدا رسمياً، لم يترجم إلى أي حلّ ملموس. فالمكان لا يزال مقفلاً، والموظّفون مشرّدون بين المكاتب، والمتقاضون ينتظرون بقلق مصير ملفاتهم، وكأنّ العدالة أغلقت بالأقفال الحديدية نفسها التي تغلق بوابة المبنى المتصدع.
لقد صار هذا المشهد مرآة لفشل مزمن في إدارة المرافق العامة حيث تدار الأزمات بالوعود، وترحل الحلول من عهد إلى عهد، دون خطّة إنقاذ أو تحمّل للمسؤولية.
فمن الناحية القانونية، تتحمّل السلطات المختصة وزارة العدل، ومحافظة جبل لبنان، والجهات الإنشائية المعنية المسؤولية المباشرة عن تأمين سلامة المرفق العام وإستمراريته.
بيد أنّ القاعدة المستقرّة في الفقه الإداري اللبناني تقضي بأنّ المرفق العام يجب أن يستمرّ بانتظام واطراد، وأيّ توقّف غير مبرّر يعدّ إخلالاً بواجب المرفق ومسؤولية الدولة عن الضرر الناتج.
لكن، أين نحن من ذلك؟
لقد تعطلت دوائر التنفيذ، وتوقفت التسجيلات التجارية والعقارية ومحكمة العمل، وضاعت المهل القانونية بين انتظار ووعود، فيما المواطن لم يخسر وقته فحسب، بل خسر ثقته بالقضاء والإدارة على حد سواء، وأصبح الضرر اليوم ليس هندسياً فقط، بل ضرر معنوي يمس العدالة نفسها.
والسؤال هنا، كيف نطلب من المواطن أن يحترم القانون وهو يرى الإدارات نفسها تخرق أبسط قواعد الواجب؟ وكيف نحدّثه عن العهد الجديد والشفافية والمساءلة، فيما لا أحد يسأل عن مبنى يهدد سلامة العاملين والمراجعين، ولا من يجرؤ على إعلان خريطة طريق واضحة للترميم أو للنقل المؤقّت؟
إنّ ما يحدث ليس حادثاً عرضياً، بل تقصير متعمّد وتراخٍ مؤسف في إدارة الازمة.
بات معلوماً ومنذ صدور قرار الإخلاء في 2025/6/3 لم توضع خطة زمنية واضحة ولم يؤمّن مبنى بديل، ولم تعلن لجنة محايدة لتقدير حجم الخطر وتكلفة الترميم. وهكذا بقيت العدالة معلّقة بين الأرض والسماء لا تجد جداراً تستند إليه. المطلوب اليوم ليس بياناً أو وعداً جديداً، بل قرار جريء من وزير العدل بتكليف لجنة فنية مستقلّة تعلن تقريرها بشفافية، وتضع جدولاً زمنياً لإعادة فتح الدوائر أو نقلها مؤقتاً إلى مكان آمن.
كما يطلب من مجلس الوزراء ووزارة المالية تخصيص الإعتمادات اللازمة فوراً دون مماطلة لأنّ كلفة الإهمال أخطر من كلفة الترميم، ولأنّ العدالة حين تتوقّف، تسقط الدولة من أساسها.
صفوة القول، ليس سقوط الجدران في بعبدا هو الخطر الحقيقي، بل سقوط الإحساس بالمسؤولية. وإذا لم تتحرّك الحكومة سريعاً لإنقاذ هذا المرفق، فإنّ التاريخ سيسجّل ليس فقط إنهيار مبنى، بل إنهيار ضمير عام نسي أنّ المواطن هو صاحب الحقّ الأوّل والأخير.
“محكمة” – السبت في 2025/10/25

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!