علم وخبر

ماذا لو ناقشنا “الاستراتيجية الوطنية للدفاع” بدلاً من قرار “حصرية السلاح”؟/جاد طعمه

المحامي الدكتور جاد طعمه:
لفتني عنوان طالعته في مجلة “محكمة” “نقرأ النص بعقل وحكمة (رد على رد الدكتور رئيف خوري)” للدكتور عصام إسماعيل أستاذ مادة القانون الدستوري، وهو من الباحثين الكبار، تمامًا كما الدكتور رئيف خوري الذي هو بدوره أستاذ المادة نفسها، لأعاين أن هذا النقاش العلمي الغنيّ الذي انطلق من مقالة الدكتور عصام اسماعيل بعنوان “المقاومة من القضايا المصيرية التي يخرج التقرير بشأنها عن اختصاص مجلس الوزراء” في شهر أيلول المنصرم، والتي علّق عليها الدكتور رئيف خوري مؤخراً وجاء الرد على الرد.
إنّ هذا النقاش الدستوري بمختلف وجهات نظره يعكس بحقيقته الأسباب التي ترخي بظلالها على المجتمع اللبناني بأسره وتتأثر فيها الطبقة السياسية اللبنانية للبناء على التناقضات القائمة بدلاً من محاولة التوصل الى حلول مشتركة تصب في خانة المصلحة الوطنية العليا.
وقد أثار هذا النقاش العلمي شهيتي لأدلي بدلوي في هذا الموضوع ليس من منطلق البحث الأكاديمي الذي لديه شروط وقواعد أصولية لا بد من مراعاتها، بل انطلاقاً من تقديم فكرة صالحة لاطلاق ورشة عمل “سياسية قانونية”، من شأنها تجنيب الداخل اللبناني مزيدًا من الأزمات والتوترات عبر تقديم اطار لمختلف المفاهيم والرؤى المجتمعية السائدة، وحرصًا على السعي لتحويل الجدل العقيم من سؤال “من له الحق بامتلاك السلاح؟” إلى مشروع وطني جامع حول “كيف نحمي لبنان عبر بناء الجسور؟”.
الاشكاليات الدستورية
1- إشكالية التفسير التاريخي لوثيقة الوفاق الوطني أي اتفاقية الطائف بشأن المقاومة في لبنان مقابل اعتماد النص الدستوري الواضح والصريح المذكور في المادة 65 من الدستور الذي يمنح مجلس الوزراء اللبناني صلاحية البت في القضايا المصيرية والأمنية.
2- إشكالية الطبيعة القانونية للبيانات الوزارية الصادرة عن عدة حكومات في لبنان في مرحلة ما بعد التسعينات الى الأمس القريب، فهل هذه البيانات كانت مجرد تصريحات سياسية ظرفية نالت على أساسها الحكومات اللبنانية الثقة من المجلس النيابي أم أنها تشكل إقرارًا دستوريًا ملزمًا بشرعية المقاومة ووجوب دعمها وتبنيها طالما أن الاحتلال قائم وطالما أن الاعتداءات مستمرة.
3- إشكالية السلطة صاحبة الصلاحية لاتخاذ القرارات المتعلقة بـ “المقاومة وسلاحها”، فهل هذه القضية تخضع لأحكام المادة 65 من الدستور اللبناني على اعتبارها من القضايا المصيرية أم أنها طبقًا لنص المادة 22 من الدستور تبقى خاضعة إلى قرار مجلس الشيوخ الذي لم يتم إنشاؤه حتى اللحظة نتيجة التقاعس النيابي الذي يرتقي الى مرتبة الاهمال المتمادي والمقصود لطبقة سياسية لا مصلحة لها بوجود مجلس نواب منتخب على أساس وطني ودون مراعاة للتوزيع الطائفي.
4- إشكالية تحديد مفهوم “المصلحة الوطنية العليا” في لبنان في ظل وجود واقع بالغ التعقيد، فكيف يكون على المجتمع اللبناني التعامل مع التناقض القائم ما بين “مبدأ السيادة” الذي يفترض معه إحتكار الدولة للسلاح و”مبدأ الدفاع عن النفس” الذي يجعل مسألة مقاومة الاحتلال أمرًا مشروعًا لا سيما في ظل إستمرار الاحتلال الصهيوني لمناطق لبنانية عدة والذي يقابله عجز واضح من الدولة اللبنانية عن تأمين الردع العسكري من جهة والردع الدبلوماسي من جهة أخرى من خلال رميّ الحمل على “لجنة الميكانيسم” وهي نتاج اتفاقية وقف اطلاق النار التي وافقت عليها الأطراف الداخلية اللبنانية في 26 تشرين الثاني 2024 (أي رئيس مجلس النواب الذي فاوض – أصحاب القرار في المقاومة – الحكومة اللبنانية) وواقع الدور الذي يلعبه الوسيط الأميركي، والذي يُنظر إليه من قبل شريحة واسعة من اللبنانيين على أنه طرف منحاز في الصراع وليس وسيطاً محايداً، حيث إنّ سجل تدخلاته غالباً ما يتماهى مع الاحتياجات الأمنية للكيان الإسرائيلي دون اغفال الاستفزازت المتعمدة للوسطاء المتمثلة على شاكلة سلاسل أو أساور أو عبر مواقف تم التعبير عنها من خلال تصريحات اعلامية تخرج عن إطار اللياقات الأدبية لأي مبعوث دبلوماسي.
الواقعية المجتمعية
ان هذه الاشكاليات الأربع تلخص الكثير من الجدل القائم بين الجمهور اللبناني العريض وتبدو انعكاسات آثارها واضحة على مواقف مختلف القوى السياسية، فمن جهة “السيادي” الذي يريد هيبة الدولة مناديًا بحصرية السلاح يتغاضى عن الخروقات اليومية الحاصلة بما يجعله في حالة تناقض مع الذات والمبدأ الذي ينادي به، ومن جهة أخرى “المقاوم” الذي يريد تكريس حق الدفاع عن النفس والعمل المقاوم يتنكر لواقع موافقة المقاومة نفسها وحليفها على بنود “اتفاقية وقف اطلاق النار” والالتزام التام بها من طرف واحد ما بات انعكاسًا لحقيقة عسكرية مفادها اختلال كبير في موازين القوى وفقدان قوة الردع لدى المقاومة ما يجعل المواجهة في ظل العجز التام مجرد عملية “انتحار عسكري” وفيها تضحية بمصلحة البيئة الحاضنة التي لطالما كانت وستبقى أمينة على المقاومة كخيار دون أن تتبنى بالضرورة النهج السياسي الذي يجعل العمل المقاوم ورقة سياسية في يد دول أخرى ادّعت يوماً حلفها وتعاضدها وأثبتت الوقائع أنها حين يجد الجد بأنها تتعامل مع الموضوع كما تتعامل الدول في مقاربة مصلحتها أولًا وآخرًا دون اكتراث لحجم الدمار أو عدد الضحايا أو هوية من يتم تصفيتهم مهما علت مراتبهم.
ان مسألة “استعادة الدولة” من خلال اتخاذ القرار بـ “حصرية السلاح” والرهان على الدبلوماسية حصرًا في ظل الخلل الواضح بالتوازن العسكري والهشاشة الدبلوماسية، مسائل معقدة وتحتاج الى نقاشات وحوارات بعقول باردة غير متوافرة في الداخل اللبناني، لأنّ التوتّر لا زال قائمًا ولأنّ النية غائبة، وهذا مرّده إلى صراعات قائمة من منطلقات طائفية بحت، وكأن الأمر بات تصفية حسابات ما بين طائفة شعرت لفترة طويلة بالكبت والقمع مقابل طائفة شعرت طويلًا بفائض القوة والقدرة على فرض ما تريد، وجاءت حرب 2024 لتعيد خلط الأوراق في ما يتعلق بميزان القوى الداخلي والكل يعلم أنه مهما بلغت السطوة الداخلية فلا بد للطوائف اللبنانية من أن تراعي خصوصيات بعضها بعضاً، فالحقّ إنْ لبس ثوب الطائفية صار باطلاً، والباطل إنْ ليس ثوب الطائفية يصبح حقاً وفقاً للاحتقان الجماهيري الذي تتأثر به النخب المثقفة ذات الخلفية الطائفية والتي لا يمكن عزل مشاعرها الخاصة في أي مقاربة علمية وموضوعية تسعى لتكريسها، وهي إشكالية واقعية مجتمعية لا يجب التنكر لها لأنها الأساس في تشخيص أي علاج مستدام للأزمات في لبنان، فصاحب فائض القوى لا يمكنه أن يكون “غالباً” بالمطلق، وصاحب القوة الضعيفة لا يمكنه أن يكون “مغلوبا”.
وانتقالًا بالنقاش الموضوعي الى مستوى أعلى بدرجة، هناك تساؤل مشروع حول ما الذي يريده المجتمع اللبناني حقاً، فهل الشعب اللبناني يريد في هذه المرحلة من تاريخ لبنان اتخاذ الحكومة القرار بـ “حصرية السلاح” بيد الدولة سعياً من أجل تحقيق “الاستقرار الداخلي” ما ينعكس راحة على الواقع الاقتصادي الصعب وهل تقارب الحكومة اللبنانية الأمور من هذه الزاوية التي فيها مصلحة لبنانية بحتة، أم أن القرار المتعلق بـ “حصرية السلاح” في ظل ضغوط دولية مكثفة يُنظر إليها على أنها تخدم أولويات الكيان الإسرائيلي. وهذا يخلق إشكالية شرعية حرجة لأي قرار تتخذه الحكومة حتى لو تزامن ظاهرياً مع مطالب داخلية، لأنه سيُقرأ في الإطار العام للتبعية للخارج ويُفقد ثقة شريحة كبيرة من الشعب. وهل يمكننا في يوم من الأيام الاقرار بأن الأمرين قائمان معاً، وان كان الأمر كذلك فما الذي يمنع حكومة لبنان من التوّجه الى الشعب اللبناني لمصارحتها بأننا مقابل الخضوع للضغوط نتجه لتحقيق المصلحة الوطنية الاقتصادية المتمثلة بكذا وكذا، أليس من شأن المصارحة مع الناس قلب الكثير من المعادلات ما عدا إن كانت الحكومة اللبنانية تعلم مسبقا أن الوعود ما هي إلا وعوداً وأنها تريد تمرير الوقت وتنفيذ الأجندة الخارجية المطلوبة منها بأقل الأضرار الممكنة، علما أن الوضع السائد حاليا في لبنان هو الضرر الأكبر بعينه، فسوريا حسمت خيارها وتتقدم نحو الازدهار ،أما لبنان فلا زال منذ تشرين الثاني 2024 يراوح مكانه ولا وضوح في الاتجاه التي تسير به الدولة عدا انتظار الحرب المدمرة في الشهر القادم على وقع استمرار الاغتيالات والانتهاكات والعدوان ومنع أهالي 65 بلدة جنوبية من العودة الى قراهم المدمرة مع استحداث دور غريب للجنة “الميكانيسم” التي تعطي توجيهات للجيش اللبناني و”اليونيفيل” على ضوء الأوامر الصادرة عن جيش العدو تحت طائلة تعرض المنازل المدنية لغارات وتسويتها أرضًا بحجة اخفاء السلاح فيها، فإن لم يكن فيها، ففي مصارفها الصحية، وهذه المشهدية تمثل إفراغاً فعلياً لدور الجيش الوطني من مضمونه السيادي وتحويل دوره من حام للحدود إلى طرف في ترتيب أمني مفروض تتحكم فيه حسابات القوة الخارجية.
هنا ندخل الى عنوان آخر هو مدى قدرة الجيش اللبناني في ظل الواقع الأمني والعسكري المعروف منا جميعًا دون ممارسة طقوس الانكار الى القيام بالمهام التي نريد اسنادها اليه بالدفاع عن لبنان بشكل عام وأرض الجنوب وأهله على وجه الخصوص. هل “الجيش اللبناني” قادر على استلام هذه المهام ليكون هو القوة العسكرية الوحيدة التي تواجه عمليات “الاعتداءات والانتهاكات” اليومية عبر رد حازم وحاسم يجعل اللبنانيين راضين عن انتشاره حتى الحدود اللبنانية وفي قرى المواجهة، وما الذي سيقوم به الجيش اللبناني ان استمر الاحتلال والعدوان وقرر الأهالي من أصحاب الأرض انشاء “مقاومة شعبية” لاسترداد أراضيهم دون أن يكون لمقاومتهم أي صلات خارجية بل دوافع بحت وطنية ناتجة عن الدفاع عن الأرض والوطن ومواجهة المحتل بما تيّسر من قدرات فردية؟
هذه التفاصيل التي تطرح تباعاً بشكل جدي تجعلنا نصل الى وجوب التوّصل الى “عقد اجتماعي جديد” وصياغة خطة لبنانية وطنية داخلية، هدفها جمع اللبنانيين على “رؤية واحدة مشتركة” حول كيفية الحفاظ على السيادة الوطنية ووضع خطة دفاع وطني بما يحفظ قوة الردع اللبناني للاعتداءات التي تحتاج لتكتسب القوة الى الوحدة الوطنية التي تحتاج بدورها الى بناء الثقة بين جميع اللبنانيين المنتمين الى مختلف الطوائف.
معايير استنباط الحلول
ان حل جميع هذه المعضلات الاجتماعية والاشكاليات الدستورية المعقدة، تحتاج الى مقاربة متعددة الأبعاد، وهناك قدرة على إيجاد إطار للتقييم ووضع معايير لحل الخلافات القائمة لأنّه لا بد من الاقرار جماعيًا بأن من يدعي امتلاكه الحل السحري هو مجرد شخص موهوم أو مأزوم، ويمكن الانطلاق من أمور عدة للتوصل الى الخلاصات والبناء على المشتركات في ما لو توافرت النية الصادقة للمّ الشمل والحد من الانقسام العامودي لوجهات نظر مختلف فئات الشعب اللبناني، التي تحمل جميعها الكثير من الصحة حتى لو كانت متناقضة وهي انعكاس للخصوصية اللبنانية بأبهى تجلياتها، وهناك معايير عدّة لا بدّ لأيّ مقترح حل من أن يراعيها منها:
– “ميثاق العيش المشترك” المذكور في الفقرة “ي” من الدستور اللبناني، فلتحقيق الهدف الوطني لا يمكن أن يطغى أي قرار أحادي الجانب يرفضه مُكّون أساسي من الشعب اللبناني ومن شأنه تعريض السلم الأهلي للخطر، لأن هكذا قرار أحادي هو قرار “غير ميثاقي” وبالتالي “غير شرعي” دستورياً. لكن هذا الأمر يحتاج الى مواصفات يحملها المتناقشون تشمل الصدق والمصارحة، وهي مواصفات قد لا يكون أعضاء النادي السياسي اللبناني يتمتعون بها لارتباط معظمهم بأجندات خارجية تتناقض في ما بينها، فالأمر الوحيد الذي يمكن أن يجمع أبناء لبنان هو “المصلحة الوطنية” متى تم استمدادها من الواقع الداخلي اللبناني حصراً.
– المواءمة بين الشرعية والمشروعية، ذلك أن “الشرعية القانونية” تعني الامتثال التام للنصوص في حين أن “المشروعية السياسية والاجتماعية” توجب أن يلاقي أي قرار القبول الشعبي والقدرة على تحقيق الإنجازات الأمنية والعسكرية، وأي تجاهل للمشروعية التاريخية للمقاومة والأداء البطولي لشبابها في الدفاع عن أرض لبنان سيخلق فراغًا واحتقانًا خطيرًا، وطبعًا الاقرار ببطولات أفراد المقاومة تستخلص من مواجهتهم للعدوّ الصهيوني حصرا دون الخوض في تقييم الأدوار الإقليمية للقوى الحليفة، وحصر النظر في شرعية العمل المقاوم على أدائه في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، باعتبار ذلك الأساس الوحيد الذي يحظى بإجماع وطني.
– منع التزاحم بين المبادئ المتعارف عليها في القانون الدولي، فبعض المبادئ لا بد من أن تتكامل في ما بينها لا أن تتصارع لتنتج أزمات، وعلى رأس هذه المبادئ مبدأ “سيادة الدولة” الذي يفرض أن تكون أدوات الدفاع بما فيها السلاح خاضعة لإرادة الدولة واستراتيجيتها الموحدة ومبدأ “الحق في الدفاع عن النفس” من خلال العمل المقاوم الذي يعتبر عملاً قانونيا مشروعا في حال عجز القوى الشرعية للدولة، وهذا الجدال محسوم على مستوى القواعد الآمرة في القانون الدولي لمصلحة “الحق في الدفاع عن النفس” في حال وجود فجوة عسكرية تؤدي لعدم تحقيق العدالة وعجز الدولة عن حماية أرضها وشعبها.
الخلاصة
ان الاطلالة على الرأي العام للقول بأن هناك توجيهًا عمليًا لفرض الحل الشافي، يفرض دائمًا الاقرار بأن قرار نزع سلاح المقاومة في ظل الاحتلال المستمر وعجز الدولة لا يمكن أن يكون قرارًا أحادي الجانب، والمقاومة التي لطالما ميّزت نفسها وسلاحها عن الميليشيات لا يمكنها أن تواجه وتتحدى الدولة بمنطق ميليشيوي اليوم، وإلا فإنّها تكون بخطابها وأدائها قد انحرفت عن الشرعية الوطنية التي بررت وجودها، وبالتالي فإنّ الخطابات عالية السقف التي تتحدى ارادة كافة المكونات اللبنانية التي بدورها لا تراعي خصوصيات أهل المقاومة ستكون بمثابة الأوتوستراد السريع والعريض نحو هاوية الاقتتال الداخلي الذي تعارضه الدول الخارجية حتى الآن، في حين أن الداخل اللبناني يبدي أنه مستعد له بالكامل والاحتقان الشعبي التي تمارسه مختلف الأطراف هو خير دليل.
إنّ الآلية الناجعة والمطلوبة تحتاج الى ورشة توافقية وطنية عمادها وركنها الركين الصدق والمصارحة وعدم المبالغة ولا الاستعلاء من أجل الخروج اللائق للجميع نحو وضع “إستراتيجية دفاعية وطنية موحدة” تُحدد دور الجيش الوطني والمقاومة في مرحلة انتقالية، وهذا الأمر يفترض معالجة جذرية لعجز الدولة اللبنانية (السياسي، العسكري والمالي) وهي أزمات أنتجتها الطبقة السياسية في لبنان التي تحاول دائمًا الالتفاف على أي استحقاق دستوري لتأمين استمرارية أعضاء نفس الفريق الذي يهيمن على المشهد السياسي، كل ذلك بهدف تمكين الدولة من القيام بواجباتها. مع اشتراط تزامن أي ترتيب أمني داخلي بتحقيق التحرير الكامل للأراضي وإنهاء التهديد الإسرائيلي المباشر بضمانات دولية حقيقية تؤمن آلية الردع الفعالة.
إن الدعوة الى الحوار الوطني يستدعي الانتقال جماعياً من السجالات العقيمة حول “شرعية السلاح” إلى حوار حول كيفية تأمين “السيادة الحقيقية” للدولة اللبنانية في إطار عقد اجتماعي جديد يحفظ لبنان ويتوّحد الشعب اللبناني حوله لأن أي مسار آخر يغفل هذه الأبعاد يكون معيوباً في ميثاقيته ومشروعيته ويؤدي الى تعميق الأزمة بدلاً من حلها.
وأستذكر أننا في منبر الوحدة الوطنية القوة الثالثة، لطالما استمعنا من الرئيس الراحل سليم الحص الذي لطالما كتب في جريدة “السفير” عن هذا الموضوع، وكان حريصًا على وجوب انتقال النقاش الرسمي الجدي لوضع مبادئ “استراتيجية الدفاع الوطني” لتأمين ظروف نجاحها في السياق اللبناني، فلا أحد في لبنان يبقى منتصرًا ان قرر تحدي الآخر المختلف أو الاستعلاء عليه، ومن الوصايا التي كان الرئيس الحص ينقلها لنا، وجوب مراعاة التكامل الوظيفي بين الجيش الوطني والمقاومة اللبنانية على أساس الكفاءة والاختصاص مع مراعاة الواقع الجغرافي والتوقيت، كما اعتماد مبدأ الوحدة في القيادة والسيطرة بحيث تخضع كافة الآليات التي يتم الاتفاق عليها لقيادة مشتركة تمثل ارادة الدولة اللبنانية مع احترام استقلالية كل مكّون ضمن المهام الموكلة اليه، أيضاً وجوب اعتماد الردع المتدرج الذي يبدأ دبلوماسيًا دومًا دون اهمال لخيار الردع العسكري والأهمّ هو أن تحظى الاستراتيجية على الشرعية المجتمعية أي القبول الشعبي العابر لجميع الطوائف، مع الحفاظ على القرار الوطني المستقل الذي يحفظ للبنان علاقاته الاقليمية والدولية لا سيما مع الدول العربية.
هذه الدعوة يمكن لفخامة رئيس الجمهورية الدعوة إليها، إنطلاقًا من دوره الوطني وموقعه الدستوري على أن تتم رعايتها أيضًا من قبل رئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء. أما المتحاورون فيمكن أن يكونوا أعضاء وازنين في الكتل النيابية أو حتى رؤساء الكتل أنفسهم القادرين على الحل والربط بمؤازرة من نواب يختارونهم وخبراء دستوريين وعسكريين والهدف التوصل الى “مشروع استراتيجية للدفاع الوطني”، بعد توحيد الرؤية وتحديد الاشكاليات الدستورية التي تسبّب الانقسام، ومن ثمّ الانتقال الى مرحلة التفاوض حول مفهوم “الدفاع المشروع” من ضمن مؤسسات الدولة والخروج على جميع الوسطاء الدوليين بخطاب لبناني موّحد حول الرؤية للحل بدلاً من استماع الوسطاء الى أفكار شتى يتم استغلالها لتعميق الجراح اللبنانية ونقل حقيقة الخلافات وعمقها الى العدو، وهذا كله يحتاج الى ميثاق شرف بين مختلف الأفرقاء على وجوب وقف التراشقات الاعلامية والخطابات التصعيدية التي توحي بعودة المتاريس والحرب الأهلية.
الخطوة العملية الأولى تبدأ باعتراف متواضع وموضوعي من جميع الأطراف بأنها تمتلك جزءاً من الحقيقة لكن “حصرية الحقيقة” في قضية مصيرية كهذه هي وهم خطير. أما “حصرية المسؤولية” عن حماية لبنان فهي واجبهم الجماعي الذي يتطلب الشجاعة لبدء هذا الحوار الآن ومن دون أي تأخير أو إذن مسبق.
دعونا جميعاً نحمل شعلة لبنانية تتخذ شعاراً جامعاً لتحقيق هذا المسار: من معضلة “حصرية السلاح” التي تفرقنا، إلى “حصرية المسؤولية الوطنية” التي توحدنا، وصولاً إلى “سيادة القرار” التي تحمينا وتحمي مستقبل الوطن.
“محكمة” – الاثنين في 2025/12/22

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!