أبحاث ودراسات

حول نوماد فيزا أو تأشيرة الرحّال الرقميّ في لبنان/سيرج إيليا

المحامي سيرج نسيب إيليا (رئيس قسم الأبحاث (Head of research department) لدى SALAMAS Law Firm):
بحسب الموقع الإلكترونيّ n26.com، يتمّ تعريف تأشيرة الرحّال الرقميّ، أو «نوماد فيزا» (Nomad Visa)، بأنّها نوعٌ خاصّ من التأشيرة تقدّمه بعض البلدان، لكي تمنح الأشخاص المجال في العيش والعمل من بُعد داخل حدود بلدٍ معيّن وخلال فترةٍ زمنيّة معيّنة. وغالباً ما يشار إليها في بعض البلدان، كمثل الإمارات العربيّة المتّحدة، بإسم «تأشيرة العمل من بُعد» (remote work visa)، أو حتّى بإسم «تأشيرة العامل الحرّ» (freelancer visa).
بعباراتٍ أخرى، إن تأشيرة الرحّال الرقميّ هي عبارة عن تصريح يعطي الأشخاص الأجانب كامل الحقّ في العمل داخل البلدان عدا عن البلد الذي يحملون جنسيّته أو حيث عملهم و/أو ربّ عملهم، مع إمكانيّة السفر والإقامة في أماكن مختلفة، بالإضافة إلى استخدام الحاسوب المحمول والاتّصال بالإنترنت بغية القيام بالمسؤوليّات المهنيّة من أيّ مكانٍ في العالم.
وإذاك، تشكّل تأشيرة الرحّال الرقميّ أداةً مثاليّة لمراعاة احتياجات العمّال البعيدين والمستقلّين والمهنيّين، وروّاد الأعمال وطلّاب الجامعات والشركات الناشئة في أيّ مكان، ممّا يسمح لهم بمواكبة التزاماتهم المهنيّة. وبهذه الطريقة، يتاح للناس العمل لدى شركاتٍ أجنبيّة والحفاظ على ارتباطهم بأصحاب العمل في الخارج، وفي الوقت نفسه اكتشاف التنوّع الثقافيّ والجغرافيّ لبلدٍ آخر، إنّما من دون أن يوفّر ذلك الجنسيّة أو الإقامة الدائمة.
تُعَدُّ كرواتيا من بين الدول التي تقدّم حاليّاً تأشيرة الرحّال الرقميّ. إذ أدخل قانونُ الأجانب، الذي دخل حيّز التنفيذ في الأوّل من كانون الثاني ٢٠٢١، مفهومَ الرحّالة الرقميّين في التشريع الكرواتيّ، فجعل البلاد من أوائل الدول الأوروبيّة التي اعترفت بفوائد الترحال الرقميّ، وخاصّةً بعد جائحة كورونا التي جعلت المزيد من البلدان (كمثل إسبانيا، وإيطاليا، والإمارات العربيّة المتّحدة، وسريلانكا، وجنوب أفريقيا، والمكسيك والأرجنتين وغيرها…) تتأقلم مع الظاهرة الرقميّة بغية جذب عددٍ متزايدٍ من العمّال ذوي المهارات العالية، الذين سمحت لهم التطوّرات التكنولوجيّة بالعمل والسعي وراء الفرص خارج بلدانهم الأصليّة.
أما لبنان فهو من الدول التي حتّى الآن لا تمنح تأشيرة الرحّال الرقميّ، وليس لديه قانونٌ خاصّ ينظّم هذا الأمر. ففي الواقع، واعتباراً من العام ٢٠١٥، تصلح التأشيرات السياحيّة في لبنان لمدّة شهرٍ واحدٍ، ثمّ يتمّ تمديدها لمدّة شهرَيْن آخرَين، ممّا يجعلها لمدّة ثلاثة أشهرٍ في المجمل. وفي ما يتعلّق بالرحّالة الرقميّين، إن الحلّ الأمثل هو مغادرة البلاد إلى قبرص كلّ ثلاثة أشهرٍ والعودة مع تأشيرةٍ جديدة، وهذا ما يثير علامة استفهام. وما لا يحسن الأمور هو مشكلة بطء الإنترنت وارتفاع أسعاره، في حين أن هناك دولاً أخرى – وذلك وفقاً لمؤشّر الرحّالة الرقميّين (Digital Nomad Index) الوارد في دليل Visaguide.world – حقّقت نتائج عالية في عوامل عدّة كمثل الضرائب، وفترات الإعفاء من الضريبة، وتكاليف المعيشة، والرعاية الصحيّة، وحتّى سرعة الإنترنت.
ما الذي يمكن فعله حيال ذلك؟ هل يمكننا إدخال تأشيرة الرحّال الرقميّ في التشريع اللّبنانيّ؟ الجواب هو نعم، يمكننا تقديم اقتراح قانون يشرّع تأشيرة الرحّال الرقميّ وينظّمها، وذلك عبر اتّخاذ كنموذج قانون الأجانب الكرواتيّ المذكور أعلاه. ومن الأمثلة على ذلك:
– يمكننا اعتماد تعريف الرحّال الرقميّ كما ورد في المادة الثالثة، فقرتها 43/1، من القانون الكرواتيّ، التي نصّت على أن الرحّال الرقميّ هو مواطنٌ من إحدى البلدان الثالثة – أيّ أنّه شخصٌ ليس من مواطني المنطقة الاقتصاديّة الأوروبيّة أو الاتّحاد السويسريّ –، وهو يعمل أو يؤدّي عملاً من خلال تكنولوجيا الاتّصالات لصالح إحدى الشركات أو لصالح شركته الخاصّة به وغير المسجّلة في جمهوريّة كرواتيا، ولا يقوم بأعمال أو يقدّم خدمات لأيّ صاحب عمل داخل الأراضي الكرواتيّة. أما في لبنان، فيمكننا تحديث التعريف، فنجعله كما يلي:
«إن الرحّال الرقميّ هو الشخص الأجنبيّ غير اللّبنانيّ الذي يعمل أو يؤدّي عملاً بواسطة تكنولوجيا الاتّصالات لصالح إحدى الشركات غير المسجّلة في الجمهوريّة اللّبنانيّة، أو لصالح شركةٍ خاصّة به غير مسجلّة في الجمهوريّة اللّبنانيّة، ولا يقوم بأعمال أو يؤدّي خدمات لأصحاب العمل داخل الأراضي اللّبنانيّة.»
– يمكننا منح الرحّالة الرقميّين إقامةً مؤقّتة لمدّة سنة كما هو منصوص عليه في المادة ٥٧، فقرتها 11/1، من قانون الأجانب الكرواتيّ، ممّا يسمح للرحّالة الرقميّين بالإقامة والعمل.
ولكنّ القانون الكرواتيّ المذكور ينصّ أيضاً على عدم إمكانيّة تمديد هذه الإقامة المؤقّتة، ممّا يعني أنّه ينبغي على الشخص الذي مُنِحَ تصريح الرحّال الرقميّ أن يغادر كرواتيا بعد انتهاء صلاحيّة هذا التصريح، على أن يعود إلى البلاد بعد انتهاء صلاحيّة الإقامة الرقميّة. بعباراتٍ أخرى، يمكن للرحّالة الرقميّين العودة إلى كرواتيا من دون أيّ قيد على عدد الطلبات المتتالية للحصول على تصريح الرحّال الرقميّ، وذلك طالما يتمّ احترام قاعدة «فترة التوقّف» بين إقامتين لمدّة ستّة أشهر، فلا يقيم خلالها الرحّال الرقميّ في كرواتيا.
أما في لبنان، فيمكن للقانون المقترح حول تأشيرة الرحّال الرقميّ تخطّي هذه القاعدة عبر إمكانيّة تمديد الإقامة المؤقّتة لمدّةٍ تصل إلى سنةٍ أخرى أو أكثر، وذلك بحسب طبيعة عمل الرحّال الرقميّ ومدّته وجميع المتطلّبات والالتزامات التي يفرضها هذا العمل.
– في حال كان لدى الرحّال الرقميّ عائلة ترغب في مرافقته، تمنح كرواتيا أفراد العائلة إقامةً مؤقتة على أراضيها بشكلٍ كامل، وذلك بدءاً من الأفراد المباشرين (أي أقرب الأقارب، كمثل الأطفال) وصولاً إلى الشركاء المتساكنين (أيّ غير المتزوّجين). فلما لا نطبّق القاعدة ذاتها حتّى في بلدٍ محافظ على مثال لبنان؟
– في ما يتعلّق بالضرائب، أدخل قانون الأجانب الكرواتيّ بعض التعديلات على قانون ضريبة الدخل الصادر في ٢٠ آذار ٢٠٢٠. ومن هذه التعديلات، ما يشمل إعفاء الرحّالة الرقميّين من دفع الضريبة على المدخول الذي يكسبونه من عملهم داخل كرواتيا، وإعفاءهم أيضاً من دفع الاشتراكات للتأمين الصحيّ ولتأمين المعاش. بعباراتٍ أخرى، بما أن الرحّالة الرقميّين يعملون لصالح شركة غير مسجّلة في كرواتيا، فإن أحكام قانون ضريبة الدخل المعدّلة تعفي مدخولهم من الضرائب والاشتراكات، وهذا ما يجب تطبيقه في لبنان.
– وفي ما يتعلّق بالمستندات المطلوبة للتقدّم بطلب الحصول على تصريح الرحّال الرقميّ، إنّها ما يلي:
* نسخة عن وثيقة سفر صالحة.
* نسخة عن عقد العمل أو عقد الخدمة المبرم مع صاحب العمل الأجنبيّ.
* نسخة عن التأمين الصحيّ خلال الفترة الزمنيّة التي يعتزم فيها الشخص البقاء في كرواتيا.
* نسخة عن السجلّ العدليّ.
* نسخة عن جواز السفر.
* نسخة عن بطاقة الهويّة.
* نسخة عن الراتب المطابق للمعايير: في كرواتيا، إن المبلغ المطلوب على أساسٍ شهريّ للرحّالة الرقميّين هو ٣،٣٠٧.٥٠ يورو كحدٍّ أدنى – ممّا يعادل ٣٠٧،٥٦٢،٦٥٨.٩٢ ليرة لبنانيّة، أو حوالي ٣،٤٠٠ دولار أميركيّ –، و٣٩،٦٩٠ يورو كحدٍّ أقصى – ممّا يعادل ٣،٦٩٠،٧٥١،٩٠٧.٠١ ليرة لبنانيّة، أو حوالي ٤١،٤٠٠ دولار أميركيّ –، ويمكن إثبات ذلك عبر كشف حسابٍ مصرفيّ.
أما في لبنان، فكان الحدّ الأدنى الرسميّ للأجور يبلغ ٦٧٥،٠٠٠ ليرة لبنانيّة – ممّا يعادل ٧.٥ دولار أميركيّ –، ثمّ أقرّت حكومة نوّاف سلام مؤخّراً رفعه، فأصبح يوازي ٢٨ مليون ليرة (٣١٢ دولار أميركيّ). وعلى ضوء معدّل التضخّم الحاليّ، يمكن ضربه بـ٧ حتّى يصل إلى ١٩٦،٠٠٠،٠٠٠ ل.ل. (٢،١٧٧ د.أ.). وفي ما يتعلّق باقتراح مشروع قانون ينظّم تأشيرة الرحّال الرقميّ، يمكننا إدراج مادة تنصّ على ألّا يتجاوز المبلغ المطلوب على أساسٍ شهريّ للرحّالة الرقميّين أربعين مرّة الحدّ الأدنى الرسميّ للأجور، ممّا يجعله يعادل ٤٠ x ٢٨،٠٠٠،٠٠٠ = ١،١٢٠،٠٠٠،٠٠٠ ل.ل.، أيّ ١٢،٤٤٤ د.أ.
– أخيراً وليس آخراً، وفي ما يتعلّق بمشكلة بطء الإنترنت في لبنان، يمكننا أن نقترح منع تدخّل هيئة أوجيرو في خدمات الإنترنت، والسماح لشركاتٍ أحدث دخول السوق وتعزيز المنافسة – خاصّةً وأن تأشيرة الرحّال الرقميّ تتطلّب اتّصالاً ثابتاً بالإنترنت –، لأن مثل هذه الخطوة من شأنها تعزيز الاستثمارات في القطاع وعروض الخدمات.
مع أخذ كلّ هذه البنود وغيرها بالاعتبار، نأمل أن تتمّ الموافقة على صدور مشروع قانون ينظّم تأشيرة الرحّال الرقميّ وتطبيقه في أقرب وقتٍ ممكنٍ، وذلك بهدف توفير مستقبلٍ اقتصاديّ أفضل، ونظراً للإمكانات والفوائد الكاملة التي يجلبها الرحّالة الرقميّين للاقتصاد المحلّي. ونأمل أيضاً ألّا يصبح مشروع القانون المذكور «حبراً على ورق» كما هي الحالة مع العديد من مشاريع القوانين في لبنان.
المصادر (في الإنكليزيّة)

– “What is a digital nomad visa?”, article published on August 22nd, 2023, on the website n26.com.
– “How to Get Dubai Work Visa in 2025”, article published on December 24th, 2024, on the website www.trikonet.com.
– “Digital Nomad Visas: Redefining Remote Work Opportunities”, article updated on December 8th, 2024, and published on the Harley Law Group’s website (harleylawcorporation.com).
– “Countries Offering Visas for Digital Nomads – Requirements and Eligibility Criteria”, article published on the website visaguide.world.
– Juršetić & Partners (a Croatian law firm), “Everything you ever wanted to know about digital nomads and their (legal) status in Croatia”, article published on January 30th, 2025, on the website www.lexology.com.
– Adil Gherib, “Ultimate Digital Nomad Guide to Lebanon”, article published on June 2nd, 2015, on the website medium.com.
– “LIMS Exclusive: a solution to Internet outages in Lebanon”, article published on June 30th, 2023, on the website limslb.com.

“محكمة” – الخميس في 2025/7/10

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!