مقالات

مسار الحظّ قبل أن نولد/ أنطونيو الهاشم

انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقًا):
منذ اللحظة الأولى التي تلتقي فيها خليتان مجهولتان في عتمة الرحم، يبدأ الحظّ عمله الصامت. لا يطرق بابًا، ولا يرفع راية، بل يتسلّل كما يتسلّل الضوء إلى غرفة مغلقة، فيصنع مصيرًا قبل أن نعرف معنى المصير. جنينٌ يتكوّن، لا لأنه أراد، ولا لأن أحدًا استشاره، بل لأن سلسلة طويلة من الصدف الدقيقة قرّرت أن يكون هو، لا غيره، هو القادم إلى هذه الحياة.
أيّ حظٍّ هذا الذي يختار زمن الميلاد، ومكانه، ولغة الأم، ونبرة صوتها، ودفءَ يديها أو قسوتهما؟ أيّ حظٍّ هذا الذي يوزّع الأجنة على خرائط العالم كما تُوزَّع أوراق اللعب، فيولد أحدهم في وطنٍ آمن، وآخر في قلب الحرب، أحدهم في بيتٍ يفيض بالكتب، وآخر في بيتٍ لا يعرف سوى الصراخ؟ قبل أن نتعلّم المشي، نكون قد قطعنا نصف الطريق الذي لم نختره.
ثم تأتي تركيبة الدماغ… هذه المعجزة الهشّة. تركيبة عصبية معقّدة، تُصاغ هي الأخرى بلغة الحظ. عدد الوصلات، حساسية العصب، سرعة الاستجابة، قابلية القلق أو الطمأنينة، الميل إلى الحلم أو الخوف… كلّها تُمنح كما تُمنح الهدايا غير المتساوية. هناك من يولد ودماغه مستعدٌّ للمواجهة، كأن الحياة درّبته سرًّا قبل أن تبدأ، وهناك من يولد ودماغه مفتوحٌ على الألم، يلتقط الوجع كما تلتقط الرئة هواءً ملوّثًا.
نقول لاحقًا: “كن قويًّا”.
لكننا لا نسأل: قويًّا بأيّ أدوات؟
نقول: “تجاوز”.
ولا نسأل: تجاوز بماذا؟ وبأيّ ذاكرة؟ وبأيّ جهازٍ عصبيٍّ أنهكته الصدمات قبل أن يفهم اسمها؟
الحظّ لا يصنع الأبطال فقط، بل يصنع هشاشتهم أيضًا. يصنع من بعض الناس مقاتلين بالفطرة، ومن بعضهم قلوبًا عارية. وليس في الأمر عدلٌ ، بل توزيعٌ أعمى، كأن الحياة نفسها تلقي النرد ثم تمضي.
ومع ذلك، لا ينتهي دور الإنسان عند الحظ. هنا، في هذه المساحة الضيّقة بين ما أُعطي لنا وما نصنعه، يولد المعنى. فليس كل من وُلد محظوظًا صار إنسانًا عظيمًا، وليس كل من وُلد مثقلاً بالخسارات بقي أسيرها. لكن الفارق دائمًا أصعب مما نحبّ الاعتراف به. الجهد ليس متساويًا، والألم ليس متساويًا، والطريق ليس بطولٍ واحد.
الإنسان الذي نجح، قد يكون اجتهد، نعم، لكنه أيضًا نجا.
والإنسان الذي تعثّر، قد يكون حاول، لكنه وُلد بأثقالٍ لا تُرى.
حين نفهم الحظّ على هذا النحو، نصبح أكثر رحمة. نقلّل من قسوة الأحكام، ونكفّ عن اختزال البشر في نتائجهم. نفهم أن الأخلاق نفسها، والشجاعة، وحتى الصبر، لها جذورٌ بيولوجية ونفسية تشكّلت قبل الوعي. فنحن لا نبدأ الحياة من خطٍّ واحد، بل من نقاط بداية متباعدة إلى حدٍّ كبير.
الحظّ ليس عذرًا، لكنه تفسير.
وليس حكمًا نهائيًا، لكنه خلفية المشهد كلّه.
وربما إنسانيّتنا الحقيقية تبدأ حين نعترف بذلك ، أنّ نجاحنا ليس فضلنا وحدنا، وأنّ فشل غيرنا ليس خطيئته وحده. وأنّ الحياة، في جوهرها، ليست امتحانًا عادلاً، بل تجربة غير متكافئة، نُطالب فيها جميعًا بالإجابة، كلٌّ بلغته وأسلوبه وبما أُتيح له.
من رحم الصدفة نخرج، وعلى حافة الصدفة نعيش، وبينهما نحاول، فقط نحاول ،أن نصنع من الحظّ معنى، ومن الألم فهمًا، ومن التفاوت رحمة.
“محكمة” – الخميس في 2025/12/18

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!