أبرز الأخبارعلم وخبر

القاضي سارة الحاج توقف شخصًا إنتحل صفة المدعى عليه خلال جلسة محاكمة أمامها/علي الموسوي

المحامي المتدرّج علي الموسوي:
كانت سجّلات المحاكم ولاسيّما المعنية بالجنايات منها، تحفل “بشهود المصطبة” وهم بحسب ما يروى في أروقة المحاكم، شهود الزور الذين ينتظرون خارج قاعات المحاكم للإستعانة بهم “غبّ الطلب”، فيلبّون بسرعة قياسية ما يريده أصحاب العلاقة الراغبون والمشجّعون والمنتظرون، مقابل الإستحصال على مبلغ مالي يدفع لهم بدل أتعاب على اقترافهم شهادة الزور في وضح محاكمة علنية ووجاهية. ومنهم من كان يقع في فخّ أفعاله أمام هيئة المحكمة فتصطاده بعقوبة مناسبة، ومنهم من كان ينجو ويحققّ مراده ولا ينكشف فعله الجرمي ويدلي بمعلوماته “المؤكّدة” و”الصائبة” و”الموثوقة” بعد تحليفه اليمين وترداده من دون أن يرفّ له جفن:” أقسم بالله العظيم بأن أشهد بالحقّ، كلّ الحقّ، ولا شيء غير الحقّ”، غير آبه بأنّ الله رقيب على أقواله صحيحة كانت أم كاذبة.

وفي وضع آخر، من النادر جدًّا أن تبلغ الجرأة بشخص ما حدّ انتحال صفة مدعى عليه، فيمثل بدلًا عنه أمام المحكمة، دون أن يعي عواقب الأمور وما قد يجرّه هذا التصرّف عليه من حبس وغرامة مالية، في ما يشبه المقامرة والمغامرة في آن معًا، فقد يتمكّن من أداء دوره على أكمل وجه، وقد يسقط ويفشل في التمثيل، ولا شكّ أنّ الأمر لا يخلو من الجرأة. وهذا ما حصل بالتمام والكمال بتاريخ 14 نيسان 2026 أمام القاضي المنفرد الجزائي في زغرتا سارة الحاج خلال النظر بدعوى مقامة أمامها، غير أنّ منتحل الصفة رسب في القيام بالدور المنوط به نتيجة وعي القاضي الحاج وحنكتها وقدرتها على إدارة جلسات المحاكمة أمامها.
وفي التفاصيل الخاصة بـ“محكمة”، أنّ القاضي الحاج كانت تعقد جلساتها في الدعاوى المعروضة عليها بشكل عادي على قوس المحكمة التي ترأسها في مدينة زغرتا، إلى أن نودي على الشخص المدعى عليه بإحدى هذه الدعاوى، فتقدّم خ.خ. من القوس واثقًا من نفسه، وأبرز ما يعرّف عن هويّته إخراج قيد إفراديًا يحمل اسمه. وخلال إمعان القاضي الحاج النظر فيه،لاحظت أنّ الصورة التي ألصقت عليه غير مطابقة لشخص المدعى عليه الماثل أمامها، فساورتها الشكوك للوهلة الأولى، وسعت إلى التحقّق من هذا الإختلاف، وبادرت إلى سؤال خ.خ. عن تاريخ ميلاده، فأعطى تاريخًا مغايرًا بفارق سنتين، فزعم أنّه في العام 1994، بينما هو مدوّن في إخراج القيد بأنّه في العام 1996. وسألته عن مكان ولادته فذكر اسم بلدة لبنانية مختلفًا كلّيًا عن اسم القرية الوارد في متن إخراج القيد. لم يوفّق خ.خ. في صناعة الإخراج المناسب لورطته ولم يحفظ بديهيات ما قد يطلب منه ترداده وهو أقلّ الواجبات.
وإزاء هذه التناقضات، أيقنت الحاج أنّ الواقف أمامها ليس الشخص المدعى عليه الحقيقي، بل هو شخص آخر ينتحل صفته، ليتبيّن لها أكثر من خلال التدقيق في محضر المحاكمة أنّه سبق لهذا الشخص أن وقّع على محضر محاكمة بعدما انتحل شخصية المدعى عليه الحقيقي. ولم يكن بدّ من توقيف هذا الشخص على الفور وإحالته مخفورًا إلى مخفر زغرتا للتحقيق معه حول ملابسات فعله الجرمي.
ولم يكتف خ.خ. بما ارتكبه على قوس المحكمة، بل أراد أن يظهر المزيد من موهبته في انتحال الصفة، فأبرز لعناصر المخفر خلال التحقيق معه بطاقة هويّة شقيقه وذلك في محاولة يائسة وبائسة منه لانتحال صفة أخرى، ولكنّ فعلته لم تمرّ هذه المرّة أيضًا على الضابطة العدلية، وكشفت القناع عنه كواحد من أصحاب السوابق في هذا الميدان المزروع بالألغام، لتنتهي هذه المراسم بتوقيفه بناء على إشارة النيابة العامة الإستئنافية في الشمال.
حادثة من هذا النوع قد تتكرّر أمام محاكم أخرى وقضاة آخرين، وقد لا تحصل ثانية، مع أنّ إبراز ما يثبت هويّة الشخص الماثل أمام القضاء هو من الإجراءات الضرورية والمهمّة، ولكنّ الأهمّ يقظة القاضي وهذا ما نجحت فيه القاضي الحاج.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/4/15

*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا، وخصوصًا الوسائل الإعلامية ودور النشر والمنشورات والمكتبات الحقوقية وغير الحقوقية منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر أو النصّ، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink).
كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر أو نصّ، بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وتحديدًا منها “الفايسبوك”، و”الواتساب”، و”اكس”، و”الإنستغرام”، و”التلغرام”، أو إعادة استنساخه عن طريق الذكاء الإصطناعي (AI)، أو “ChatGPT”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر.
ويحظّر إجراء أيّ تعديل أو تحريف، حذفًا أو إضافة، في النصوص المنشورة في “محكمة” وخصوصًا تلك المتعلّقة بالأحكام والقرارات القضائية، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية أمام المرجع القضائي المختص، مع الإحتفاظ بكامل الحقوق المادية والمعنوية لإدارة مجلّة “محكمة”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!