أبرز الأخبارعلم وخبرميديا

قصّة”ابتكار” المادة 340 وصوّان خالف القانون بتجميد تحقيقات المرفأ والتنحّي وارد/علي الموسوي

كتب علي الموسوي:
لم يعرف السبب الحقيقي لإصرار القاضي فادي صوّان على تجميد التحقيق العدلي في ملفّ انفجار مرفأ بيروت بعكس ما تنصّ عليه المادة 340 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الصريحة والواضحة في تحديد آلية طلب نقل الدعوى من مرجع قضائي إلى مرجع قضائي آخر في حال وافقت الغرفة السادسة لمحكمة التمييز الجزائية على الطلب المرفوع إليها من الوزيرين السابقين النائبين غازي زعيتر وعلي حسن خليل.
فالفقرة السادسة والأخيرة من المادة المذكورة تتحدّث بشفافية تامة عن أنّ تقديم الإستدعاء لا يوقف السير في الدعوى إلاّ في حال اتخذت محكمة التمييز قراراً بذلك إلى حين الفصل نهائياً في طلب زعيتر وخليل، الأمر الذي لم يحصل لغاية الآن خصوصاً وأنّ إجراءات تبليغ طلب النقل لكلّ الفرقاء والأطراف في الدعوى لم تكتمل، وهي تحتاج إلى وقت لا بأس به كونها لا تقتصر على القاضي صوّان والمحامي العام التمييزي القاضي غسّان الخوري ونقابة المحامين في بيروت التي تمثّل نحو 700 من المواطنين المدعين شخصياً، بل تطال كلّ من قدّم شكوى اتخذ فيها صفة الإدعاء الشخصي في قضيّة الإنفجار المزلزل في مرفأ بيروت، وهو رقم ليس بالهيّن معرفة عناوينه لكي يتمّ تبليغه وإبداء رأيه في طلب النقل وإنْ كان الفرقاء في الدعوى يميلون بشكل طبيعي وانسيابي لضفّة المحقّق العدلي.
وبالتالي، فإنّ صوان بتجميده التحقيق العدلي فترة زمنية مفتوحة غير محدّدة من دون وجود ما يلزمه باتخاذ هذه الخطوة، يكون قد زاد مخالفة قانونية إلى سجّله القضائي.
وللمادة 340 أ.م.ج. قصّة صغيرة بمدلولات كثيرة ترويها “محكمة” نقلاً عن مصادر مطلعة عايشت فترة ولادتها وناضلت من أجل عدم إيرادها بهذا الشكل في قانون أصول المحاكمات الجزائية في العام 2001 لما تحمله من تبعات على مسار العمل القضائي الجزائي.
فالحديث عن نقل الدعوى من قاضي تحقيق إلى قاض آخر ومن محكمة إلى أخرى ورد في قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم الصادر في العام 1948 وتعديلاته المجراة لغاية العام 1993، وحملت أرقام المواد الواقعة بين 418 و423، ولكن ليس بالطريقة نفسها التي حصلت في التعديل الأخير في العام 2001 حيث صارت أوسع وأكثر شمولية بتفاصيلها وزيدت عليها عبارات دقيقة لم تكن مألوفة من قبل.
وكان يستعان عند تقديم طلب نقل دعوى بقانون أصول المحاكمات المدنية وهو قانون عام يمكن الإستدلال به وتطبيقه في الأمور الجزائية التي لها قانون أصول خاص. وبمجرّد تقديم طلب نقل الدعوى المدنية يقف السير بالمحاكمة بحسب منطوق المادة 119 أ.م.م.
وبحسب المصادر المطلعة في حديث مع “محكمة”، فإنّ المادة 340 أضيفت إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد في العام 2001 بطلب وإصرار من النائب العام التمييزي آنذاك القاضي عدنان عضوم للتخفيف من ضمانة المتقاضين وبهدف حصول تشدّد أكبر في مسائل التحقيق وعدم تعليق التحقيق وتعطيله، بل المثابرة على إنجازه حتّى الأخير وبالسرعة المطلوبة. ونجح عضوم في تحقيق مبتغاه، بينما كان الفشل مصير معارضيه ورافضي التعديل الجديد.
ولذا، فإنّ صوّان إجتهد بتجميد التعليق بخلاف نصّ المادة 340 أ.م.ج. وبعكس الغاية المتوخّاة منها، فهي أضيفت لئلاّ يتوقّف التحقيق، بينما صوّان ارتأى السير بغير الوجهة الحقيقية للقانون وتحديداً لهذه المادة المثيرة للجدل والتي “دُلّلت” و”غُنّجت”، بينما لم يعامل طلب ردّ القاضي وتنحيته مثلها، فظلّ خارج “أسرة” قانون أصول المحاكمات الجزائية، وضمن حضن المادة 120 ولغاية المادة 130 من قانون أصول المحاكمات المدنية.
لماذا الحجّار؟
وليس صحيحاً ما يتردّد في وسائل إعلامية وعلى ألسن صحافيين من أنّ القاضي صوّان يتوجّس خيفة من وضع القاضي جمال الحجّار يده على طلب النقل كونه إبن بلدة شحيم الشوفية وهي مسقط رأس النائب العام التمييزي القاضي غسّان عويدات الذي سبق له أن تنحّى عن ملفّ انفجار المرفأ بسبب صلة القرابة التي تجمعه بصهره زوج أخته النائب غازي زعيتر وذلك عملاً بما تفرضه المادتان 120 و121 من قانون أصول المحاكمات المدنية وهو قانون عام واجب التنفيذ.
فالغرفة السادسة لمحكمة التمييز الجزائية مولجة بحسب جدول توزيع الأعمال على محاكم التمييز والمعمول به منذ سنوات عديدة، بالنظر في طلبات نقل الدعوى، وطلبات نقض قرارات القضاء العسكري بحيث تتحوّل إلى هيئة اتهامية، بالإضافة إلى طلبات تمييز الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات والقرارات الصادرة عن محاكم الإستئناف الجزائية في محافظات البقاع والجنوب والشمال.
وكان يرأس هذه الغرفة القاضي جوزف سماحة إلى أن أحيل على التقاعد في 28 شباط 2020، وحال تعثّر صدور التشكيلات القضائية دون تعيين رئيس جديد. وقد ورد اسم القاضي رندى كفوري في متن مرسوم التشكيلات الذي وضعته السلطة السياسية في أدراج النسيان. وهذا ما دفع بالرئيس الأوّل لمحاكم التمييز القاضي سهيل عبود إلى تكليف القاضي صقر صقر لتسيير أعمال هذه المحكمة بصورة مؤقّتة، غير أنّ صقر ما لبث أن ترك هذه المهمّة لانشغاله بمحكمة التمييز العسكرية الناظرة في دعاوى الجنح التي يرأسها، فاستقرّ رأي عبود على تكليف القاضيين سهير الحركة وجمال الحجّار وهما يرأسان على التوالي، الغرفتين الثالثة والسابعة في محكمة التمييز الجزائية، لتسيير الغرفة السادسة فيتولّى رئاستها كلّ واحد منهما شهراً واحداً.
وصودف أن ادعى القاضي فادي صوّان على زعيتر وخليل في 10 كانون الأوّل 2020 وقُدّم طلب نقل الدعوى للإرتياب المشروع في 16 كانون الأوّل 2020، أيّ خلال فترة ترؤس القاضي الحجّار للغرفة السادسة في شهر كانون الأوّل 2020، وبالتالي فالأمور تجري بشكل طبيعي وعادي، وليس هناك من مصيدة أو فخّ أو توجّس أو ما شابه من العبارات التي استعملت عن غير ذي حقّ.
تدخّل مجلس القضاء
وفي حال وافقت محكمة التمييز الجزائية على طلب نقل الدعوى، فليس من حقّ مجلس القضاء الأعلى الإعتراض وإعلان الرفض بداعي حصول ضغوطات سياسية أجبرت المحكمة على إبعاد صوّان عن متابعة النظر في ملفّ تفجير المرفأ، كما ينشر في بعض وسائل الإعلام، ذلك أنّه لا يحقّ لمجلس القضاء التدخّل في ما تصدره المحاكم من أحكام وقرارات إلاّ إذا قُدّمت له إثباتات حسيّة عن وجود تدخّلات وميل نحو جهة معيّنة وهو ما يخرج أصلاً عن مبدأ إحقاق الحقّ ورسالة العدالة الحقّة، فيحيل الملفّ على هيئة التفتيش القضائي للمساءلة.
محقّقان عدليان أصلي ورديف
أمّا بشأن مقولة عدم جواز نقل الدعوى من المحقّق العدلي في ظلّ عدم وجود محقّق آخر، وبالتالي وجوب الإبقاء عليه، فهي هرطقة قانونية لا تستقيم والعدالة الحقيقية، ذلك أنّه لا يمكن الإبقاء عليه طالما أنّ شروط الإرتياب المشروع متوافرة حتّى ولو لم تأخذ بها محكمة التمييز الجزائية، ويكون البديل بتعيين محقّق عدلي بالطريقة نفسها التي عيّن فيها المحقّق العدلي صوّان، فيقترح وزير العدل الإسم والشخص المناسب ويجب أن يلقى موافقة مجلس القضاء الأعلى الإلزامية.
وجرت العادة في الماضي وعند تعيين محقّقين عدليين أن يتمّ التنسيق بين الوزير والمجلس، ولا يحصل خلاف و”شدّ حبال” كما تمظهر للإعلام عند تعيين محقّق عدلي في انفجار مرفأ بيروت، فـ”طار” اسم سامر يونس وطارق بيطار لـ”يحطّ” اسم فادي صوّان.
ويفترض أن يجري في المستقبل تعيين محقّقيْن عدليين إثنين الأوّل أصيل والثاني رديف عند اللجوء الإضطراري لتعيين محقّق عدلي في أيّ جريمة تقتضي الإحالة على المجلس العدلي وذلك لتجنّب توقّف التحقيق مؤقّتاً في حال تقديم طلب نقل للإرتياب المشروع، أو في حال موت الأصيل، أو إصابته بمرض يصبح معه عاجزاً عن إكمال مهامه، أو في حال طالت فترة الإصابة بالمرض والنقاهة والحاجة للراحة، فيكون الرديف موجوداً ويكمل ما سبق لزميله أن قام به وأنجزه من دون أن يعلّق أو يجمّد التحقيق.
التنحّي
وإذا ما وجد القاضي صوّان نفسه أمام خيار التنحّي الطوعي، حتّى ولو لم تأخذ محكمة التمييز الجزائية بالأسباب المدلى بها عن الإرتياب المشروع في طلب النقل المقدّم من الوزيرين السابقين النائبين غازي زعيتر وعلي حسن خليل، فلن يكون أوّل محقّق عدلي يُقدم على هذه الخطوة في تاريخ القضاء اللبناني، إذ إنّ هناك قضاة سبق لهم أن فعلوها مثل الراحل القاضي سهيل عبد الصمد(1938-2019) في ملفّ إخفاء الإمام السيّد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمّد يعقوب والصحافي عبّاس بدر الدين وتمّ تعيين محقّق عدلي مكانه هو الراحل القاضي سميح الحاج(1947-2014)، ومثل القاضيين جورج رزق ورفول بستاني في جريمة قتل المسؤولين في حزب الكتائب في زحلة نصري ماروني وسليم عاصي، وآلت دفّة التحقيق في نهاية المطاف إلى القاضي فادي العنيسي بتعيينه محقّقاً عدلياً جديداً.
“محكمة” – الثلاثاء في 2020/12/22
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!