سبعون عاماً من قوانين الإيجارات الاستثنائية: من التمديد القسري إلى التمديد المقنّع ووصول الأمور إلى خواتيمها/شربل شرفان
المحامي شربل شرفان:
(قراءة قانونيّة موجزة في ضوء قانون الإيجارات الصادر عام ٢٠١٤ وتعديله بالقانون رقم 2017/2،
وقرار المجلس الدستوري رقم 2014/6، وما استقرّ عليه الفقه والاجتهاد)
المقدّمة
تنطوي هذه القراءة القانونيّة على قضيةٍ تتجاوز في أبعادها حدودَ النزاع الفردي لتلامس جوهرَ العدالة التشريعية في لبنان: قضية فئةٍ من المواطنين هم مالكو العقارات المبنية، ائتمنوا الدولةَ على حقّهم فأودعوه نصوصَ الدستور وأحكامَ القانون، فإذا بالمشرع، على مدى سبعة عقودٍ متعاقبة، يصادر منفعةَ هذا الحقّ مصادرةً فعليةً مقنّعة، تحت ستار «الظروف الاستثنائية» التي ما لبثت أن استحالت قاعدةً دائمة، حتى غدا الاستثناء أصلاً والأصل استثناءً، وحتى بات المالك في وطنه غريباً عن ملكه، يؤدّي أعباءه ولا يقطف ثماره، ويحمل تكاليفه ولا ينال منافعه.
وليس مرمى هذه القراءة القانونيّة النَّيْلَ من المستأجرين القدامى بوصفهم أفراداً، ولا إنكارَ ما للحق في السكن من قيمةٍ اجتماعيةٍ سامية؛ إنما مرماها بيانُ أنّ الموجب الاجتماعي بتأمين السكن هو موجبٌ يقع على عاتق الدولة والمجتمع بأسره، بمقتضى مقدمة الدستور التي تعهّدت العدالةَ الاجتماعية والمساواةَ في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، لا على عاتق فئةٍ بعينها من الأفراد اختارها المشرع كبش فداءٍ وحمّلها وحدها، دون سائر المكلّفين، كلفةَ سياسةٍ إسكانيةٍ عجزت الدولة عن النهوض بها بشكل فعلي ومستقرّ. فكان أن أُثريَت فئةٌ على حساب فئة، بلا سببٍ مشروع، وبقوة القانون نفسه الذي وُجد أصلاً ليحمي الحقوق لا ليصادرها.
وسنعرض في ما يأتي، بالتسلسل المنهجي، للسرد التاريخي للتشريعات الاستثنائية منذ مطلع الأربعينيات، ثم لموازنةٍ دقيقةٍ بين ما جناه المستأجر القديم وما خسره المالك، فلقانون الإيجارات الصادر عام ٢٠١٤ وفلسفته التحريرية، فلقرار المجلس الدستوري رقم 2014/6 بقراءةٍ تحليليةٍ مفصّلة، فللقانون رقم 2017/2 وما انطوى عليه من تمديدٍ مقنّعٍ لثلاث سنواتٍ إضافية بشيءٍ من الخديعة التشريعية، فلمسألة صندوق المساعدات والمادة السادسة عشرة ونظرية الموجب المستحيل، ثم لما استقرّ عليه الفقه والاجتهاد، وصولاً إلى الخلاصة الختامية.
القسم الأول: في السرد التاريخي — سبعون عاماً من الاستثناء الذي تحوّل إلى قاعدة
أولاً: نشأة التشريع الاستثنائي وظرفيّته
نشأ التشريع الاستثنائي للإيجارات في لبنان في ظروف الحرب العالمية الثانية وما رافقها من أزمة سكنٍ خانقة وندرةٍ في المساكن وغلاءٍ فاحش، فتدخّل المشرّع يومذاك بتدابير ظرفيةٍ قوامها أمران: تمديد عقود الإيجار قانوناً رغماً عن إرادة المؤجّر، وتجميد بدلات الإيجار أو تقييد زياداتها. وكان مفهوماً، بل مسلَّماً، أنّ هذه التدابير استثنائيةٌ موقتة تزول بزوال ظرفها، عملاً بالقاعدة الأصولية الراسخة: «ما جاز لعذرٍ بطل بزواله»، وبالمبدأ القانوني القاضي بأنّ التشريع الاستثنائي يُفسَّر تفسيراً ضيّقاً ولا يُتوسَّع فيه ولا يُقاس عليه.
غير أنّ الذي حصل كان نقيض ذلك تماماً: فقد تعاقبت منذ مطلع الأربعينيات عشراتُ القوانين والمراسيم الاشتراعية التي مدّدت العقود ومدّدت التمديد، جيلاً بعد جيل، حتى ورث الأبناء عقودَ آبائهم وورث الأحفاد عقودَ أجدادهم، وحتى صار في لبنان عقدُ إيجارٍ يُبرم لسنةٍ واحدة فيمتدّ بقوة القانون نصف قرنٍ ونيّفاً، من غير أن يملك المالك حياله حولاً ولا طَولاً.
ثانياً: العام ١٩٩٢ وتكريس الازدواجية
جاء القانون رقم 92/160 تاريخ 1992/7/22 ليكرّس ازدواجيةً صارخة في النظام القانوني الواحد: فالعقود المبرمة بعد نفاذه أُطلقت من عقالها وأُخضعت لمبدأ سلطان الإرادة وقانون الموجبات والعقود، فيما بقيت العقود السابقة له — وهي المعروفة بعقود «الإيجارات القديمة» — أسيرةَ التمديد القانوني والبدلات المجمّدة، مع زياداتٍ دوريةٍ هزيلة لم تلحق يوماً بركب الواقع وغلاء المعيشة والتضخّم… وتوالت بعده قوانين التمديد المتلاحقة حتى انقضى مفعول آخرها مع نهاية العام ٢٠١٢، فدخلت البلاد في فراغٍ تشريعيٍّ دام حتى صدور قانون العام ٢٠١٤، وبقيت العقود القديمة، بحكم الأمر الواقع والاجتهاد، ممدّدةً على حالها.
وهكذا نشأ في لبنان، على مدى سبعين عاماً، نظامان متوازيان للإجارة: مستأجرٌ «جديد» يؤدي بدلاً حراً يوازي القيمة التأجيرية الفعلية والبدل الرائج، ومستأجرٌ «قديم» يقيم في المأجور عينِه أو في مثيله ببدلٍ رمزيٍّ قد لا يبلغ جزءاً من مئة جزءٍ من بدل المثل، والفارق بينهما يتحمّله شخصٌ واحد لا غير: المالك.
ثالثاً: انهيار النقد وتحوّل البدلات إلى أرقامٍ رمزية
وزاد الطينَ بلّةً انهيارُ النقد الوطني في ثمانينيات القرن الماضي، إذ تهاوت قيمة الليرة اللبنانية إلى أدنى مستوياتها، فإذا بالبدلات التي كانت يوم إبرام العقود تمثّل مورداً معقولاً ومردوداً عادلاً على رأس المال العقاري، تستحيل مبالغَ رمزيةً لا تفي بثمن صيانة المصعد ولا برسم البلدية، وإذا بالمالك يؤدّي على عقاره من الضرائب والرسوم والتكاليف ما يفوق أحياناً مجموعَ ما يقبضه من بدلاته، فانقلبت الملكية من مصدر ثروةٍ إلى مصدر عبء، ومن حقٍّ مصونٍ إلى تكليفٍ مؤبَّد. ثم تكرّرت المأساة عينها بعد انهيار العام ٢٠١٩، فبات التاريخ يعيد نفسه على حساب الفئة المظلومة ذاتها.
القسم الثاني: في اختلال التوازن العقدي — ما جناه المستأجر وما خسره المالك
أولاً: ما جناه المستأجر القديم
لقد أفاد المستأجر القديم من التشريعات الاستثنائية فوائد جسيمة يندر أن يجود بمثلها تشريعٌ في العالم، نجملها بالآتي:
١. أمنٌ سكنيٌّ شبه مؤبَّد: فالتمديد القانوني المتواصل حوّل عقد الإيجار — وهو بطبيعته عقدٌ زمنيٌّ موقّت — إلى ما يشبه حقّاً عينياً دائماً على ملك الغير، من غير أن يؤدّي المستأجر مقابل هذا الحق ثمناً يذكر.
٢. انتقال الإجارة إلى الورثة: إذ أجازت التشريعات الاستثنائية استمرار الإجارة لمصلحة الزوج والأولاد والأقارب المقيمين مع المستأجر، فانتقل «الحق» من جيلٍ إلى جيل، وصار الامتياز الاستثنائي إرثاً عائلياً يُتوارث كما تُتوارث الأملاك، مع فارقٍ جوهري: أنّ المُورَّث هنا هو ملك الغير.
٣. بدلاتٌ رمزية متآكلة: فقد بقيت البدلات مجمّدةً أو خاضعةً لزياداتٍ قانونيةٍ دوريةٍ متواضعة لم تواكب يوماً غلاء المعيشة ولا تدهور النقد، حتى غدت في كثيرٍ من الحالات أدنى من ثمن اشتراك المولّد الكهربائي في الشهر الواحد، فأقام المستأجر عقوداً طويلة في مساكن تقع أحياناً في أرقى الأحياء ببدلاتٍ لا تُذكر.
٤. إثراءٌ غير مباشر على حساب المالك: إذ إنّ الفارق بين بدل المثل والبدل المدفوع طوال هذه العقود يمثّل بحساب بسيط قيمةً اقتصاديةً ضخمة انتقلت، سنةً بعد سنة، من ذمة المالك إلى ذمة المستأجر بقوة القانون، وهو ما يشكّل في جوهره إثراءً بلا سببٍ مشروعٍ فرضه المشرّع فرضاً وحال دون ردّه.
ثانياً: ما خسره المالك
وفي المقابل، تكبّد المالك خسائر فادحة تنوء بحملها الجبال، نوجزها بالآتي:
١. مصادرة عنصر الاستثمار في الملكية: فالملكية، كما استقرّ الفقه، تقوم على عناصر ثلاثة: الاستعمال والاستثمار والتصرف. وقد جرّدت التشريعات الاستثنائية المالكَ من عنصر الاستثمار تجريداً كاملاً، إذ حالت بينه وبين تأجير ملكه بقيمته الحقيقية، ومن عنصر الاستعمال، إذ حالت بينه وبين استرداد مأجوره للسكن فيه إلا ضمن شروطٍ تعجيزية ولقاء دفع تعويض لا يجب أن يسدّد قانوناً إلاً للمتضرّر إلاّ أنّ المشرّع عكس الآية فأصبح هذا التعويض يُدفع للمستفيد، فلم يبقَ للمالك من ملكيته إلا اسمها ورسمها وأعباؤها.
٢. تقييد التصرف وانهيار القيمة التداولية: فالعقار «المسكون» بمستأجرٍ قديم يُباع في السوق — إن وجد من يشتريه — بجزءٍ يسيرٍ من قيمته الحقيقية، لأنّ المشتري يعلم أنه يشتري ملكيةً مثقلةً بإشغالٍ شبه مؤبَّدٍ ببدلٍ رمزي، فتحوّل التمديد القانوني عملياً إلى نزعٍ للملكية من غير تعويض، خلافاً للمادة ١٥ من الدستور التي توجب أن يكون نزع الملكية لأسباب المنفعة العامة وفي الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضٍ عادل.
٣. تحمّل الأعباء دون المنافع: فقد بقي المالك ملزماً بموجبات الصيانة الرئيسية، وبأداء الضرائب والرسوم البلدية والتكاليف المترتبة على العقار، فيما البدل الذي يقبضه لا يغطي جزءاً يسيراً منها، فاجتمع عليه الغُرمُ كلُّه وذهب الغُنمُ كلُّه إلى سواه، في مخالفةٍ فاضحةٍ للقاعدة العادلة: «الغُنم بالغُرم».
٤. شروط استردادٍ تعجيزية وتعويضاتٌ باهظة: فحتى في الحالات الحصرية التي أجاز فيها المشرّع الاسترداد — كالضرورة العائلية أو الهدم لإعادة البناء — قيّده بشروطٍ مرهقة وأثقله بتعويضاتٍ جسيمةٍ يؤدّيها المالك للمستأجر لقاء استرداد ملكه هو، وكأنّ المالك يشتري عقاره من مستأجره شراءً ثانياً بعدما اشتراه أول مرةٍ بماله وعرق جبينه.
٥. الحرمان عبر الأجيال: فثمة مالكون وُلدوا وشاخوا وماتوا وعقاراتهم ممدَّدةٌ بحكم القانون، لم يسكنوها يوماً ولم يقبضوا عنها بدلاً يُعتدّ به، وورّثوا أولادهم النزاع بدل الملك، والدعوى بدل الثمرة، والمظلومية بدل الحق.
ثالثاً: في التكييف الدستوري لهذا الاختلال
إنّ ما تقدّم لا يشكّل مجرّد اختلالٍ في التوازن العقدي، بل يرقى إلى مخالفةٍ دستوريةٍ مركّبة: مخالفة المادة ١٥ من الدستور التي تجعل الملكية في حمى القانون؛ ومخالفة الفقرة (و) من مقدمة الدستور التي تعتمد النظام الاقتصادي الحر الذي يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة؛ ومخالفة مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة المستفاد من المادة السابعة من الدستور، إذ حُمِّلت فئةٌ واحدة من المواطنين كلفةَ سياسةٍ اجتماعيةٍ عامة كان يجب أن يتوزّع عبؤها على المجتمع بأسره عبر المال العام؛ فضلاً عن مخالفة المادة ١٧ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان — الملتزم به لبنان في مقدمة دستوره — التي تنصّ على أنّ لكل شخصٍ حقّ التملّك وأنه لا يجوز تجريد أحدٍ من ملكه تعسّفاً.
القسم الثالث: في قانون الإيجارات الصادر عام ٢٠١٤ — فلسفة العودة إلى الشرعة العامة
أولاً: في صدوره ونفاذه
بعد طول انتظارٍ ومخاضٍ تشريعيٍّ عسير، أقرّ مجلس النواب بتاريخ 2014/4/1 قانون الإيجارات الجديد الناظم للعلاقات التأجيريّة السكنية المعقودة قبل 1992/7/23، ونُشر هذا القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 2014/6/28، على أن يصبح نافذاً بعد ستة أشهرٍ من نشره، أي اعتباراً من 2014/12/28. وقد أثيرت يومذاك ضجّةٌ حول نشره، اتُّخذت لاحقاً ذريعةً للتشكيك في نفاذه، فأعيد نشره بتاريخ 2014/5/9.
ثانياً: في فلسفته وأحكامه الجوهرية
قام هذا القانون على فلسفةٍ إصلاحيةٍ واضحة قوامها إنهاء حقبة التمديد القانوني القسري والعودة التدريجية المنظّمة إلى الشرعة العامة ومبدأ سلطان الإرادة، وذلك عبر منظومةٍ متكاملة من الأحكام:
١. مرحلة انتقالية محدّدة سلفاً: إذ تمتدّ العقود الخاضعة له مدةَ تسع سنواتٍ من تاريخ نفاذه، تنقضي بانقضائها العلاقة التأجيرية حكماً ويستعيد المالك مأجوره، فتكون نهاية التمديد معلومةً محدّدةً لا مفتوحةً على المجهول كما كانت طوال سبعين عاماً.
٢. بدل المثل والزيادات التدريجية: إذ اعتمد القانون بدلَ المثل محتسباً على أساس نسبةٍ مئوية من القيمة البيعية للمأجور، على أن يبلغه المستأجر تدريجاً: بزيادةٍ سنويةٍ توازي خمسة عشر بالمئة من الفارق بين بدل المثل والبدل المعمول به في كلٍّ من السنوات الأربع الأولى، وعشرين بالمئة من هذا الفارق في كلٍّ من السنتين الخامسة والسادسة، بحيث يكتمل بدل المثل مع نهاية السنة السادسة ويستمرّ أداؤه في السنوات الثلاث الأخيرة، مراعاةً لوضع المستأجر وتمكيناً له من التكيّف.
٣. صندوق مساعدة المستأجرين: إذ أنشأ القانون حساباً خاصاً تتحمّل الدولة عبره الزياداتِ عن المستأجرين ذوي الدخل المحدود كلياً أو جزئياً، في نقلةٍ نوعيةٍ تعيد الموجب الاجتماعي إلى نصابه الصحيح: من كاهل المالك الفرد إلى كاهل الجماعة ممثّلةً بالدولة. كما أجاز للمستأجر المستفيد من تقديمات هذا الحساب الاستمرارَ في الإشغال حتى اثنتي عشرة سنة، وفق شروطٍ محدّدة.
٤. لجان الناظرة بتطبيق أحكام الزيادات على بدلات الإيجار: إذ أنشأت المادتان السابعة والثالثة عشرة منه لجاناً خُوّلت تحديد بدل المثل عند الاختلاف والبتّ في طلبات الاستفادة من الحساب المذكور.
وبذلك يكون المشرّع قد وازن بين إنصاف المالك بعد سبعين عاماً من الغبن، ورعاية المستأجر المستحق عبر المال العام، فجاء القانون في فلسفته تصحيحاً متأخراً لوضعٍ شاذٍّ ما كان يجوز أن يستمرّ.
القسم الرابع: في قرار المجلس الدستوري رقم 2014/6 — قراءة تحليلية مفصّلة
أولاً: في وقائع الطعن
لم يكد القانون يُنشر حتى تقدّم عددٌ من النواب بمراجعة طعنٍ أمام المجلس الدستوري طالبين إبطاله كلياً أو جزئياً، بداعي مخالفته مبدأ المساواة والحق في السكن والعدالة الاجتماعية. فأصدر المجلس الدستوري قراره الرقم 2014/6 تاريخ 2014/6/8، وهو قرارٌ مفصليٌّ في تاريخ القضاء الدستوري اللبناني، أرسى مبادئ جوهرية تشكّل حجر الزاوية في هذه القراءة القانونيّة، ذلك أنّ قرارات المجلس الدستوري تتمتع، سنداً للمادة ١٣ من قانون إنشائه رقم 93/250، بقوة القضية المحكوم بها وهي ملزمةٌ لجميع السلطات العامة وللمراجع القضائية والإدارية كافة.
ثانياً: في المبادئ الدستورية التي كرّسها القرار
١. دستورية فلسفة القانون وردّ طلب الإبطال الكلي: فقد ردّ المجلس الدستوري طلب إبطال القانون برمّته، مؤكداً أنّ إنهاء التمديد القانوني والعودة إلى التوازن التعاقدي لا يخالفان الدستور، بل إنّ في القانون تصحيحاً لوضعٍ استثنائيٍّ طال أمده. وهذا القرار من المجلس هو بمثابة شهادة براءةٍ دستورية لفلسفة التحرير، وشهادة إدانةٍ ضمنية لسبعة عقودٍ من التمديد القسري.
٢. تكريس الحماية الدستورية لحق الملكية: فقد شدّد المجلس على أنّ الملكية حقٌّ دستوريٌّ مصونٌ بالمادة ١٥ من الدستور وبمقدمته وبالمواثيق الدولية الملتزم بها لبنان، وفي طليعتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأنّ حماية الملكية تشمل عناصرها كافة، وأنّ التدابير التي تنال من حق المالك في استثمار ملكه لا تستقيم إلا إذا كانت استثنائيةً موقتةً تمليها ظروفٌ قاهرة وتزول بزوالها. وفي هذا القرار إقرارٌ قضائيٌّ دستوريٌّ صريح بأنّ استدامة التمديد على النحو الذي جرى طوال سبعين عاماً تتعارض مع الدستور.
٣. الموازنة بين الحق في السكن وحق الملكية: فقد أقرّ المجلس بأنّ للحق في السكن قيمةً دستوريةً مستمدةً من مقدمة الدستور ومن التزامات لبنان الدولية، غير أنه قرن ذلك بمبدأٍ بالغ الأهمية: أنّ إعمال هذا الحق يقع على عاتق الدولة عبر سياساتها العامة ومواردها، ولا يجوز أن يتحقق عبر إدامة التضحية بحقوق فئةٍ من المواطنين، لأنّ الموازنة بين حقّين دستوريين لا تعني إهدار أحدهما لحساب الآخر، بل التوفيق بينهما ضمن ضوابط التناسب.
٤. مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة: فقد لحظ المجلس أنّ معالجة الأوضاع الاجتماعية للمستأجرين تكون عبر آلياتٍ تتحمّلها الجماعة — ومنها الحساب الخاص لمساعدة المستأجرين — لا عبر تحميل المالكين منفردين هذا العبء، وفي ذلك تبنٍّ واضح لمبدأ المساواة في تحمّل الأعباء العامة الذي طالما هدرته التشريعات الاستثنائية. وهذا ظهر في العبارة الشهيرة التي وردت في إحدى حيثيّاته ما حرفيّته «وحيث أن المساواة تعني أن لا تستفيد جماعة من منفعة مبالغ فيها، وان تتعرض جماعة أخرى لضرر مبالغ فيه»
ثالثاً: في الإبطال الجزئي
في المقابل، أبطل المجلس الدستوري المادتين السابعة والثالثة عشرة والفقرة “ب-4” من المادة الثامنة عشرة من القانون وهما المادتان المنشئتان للجان الموكول إليها تحديد بدل المثل والبتّ في طلبات الاستفادة من الحساب الخاص، وعلّة الإبطال أنّ هذه اللجان أُسندت إليها صلاحياتٌ ذات طابعٍ قضائي وأُخرجت منازعاتٌ حقوقيةٌ بطبيعتها من ولاية القضاء العدلي صاحب الولاية العامة، بما يمسّ الضمانات الدستورية للتقاضي لناحية مبدأ التقاضي على درجتين، إذ أنّ النصّ قبل إبطاله، يجعل من قراراتها مبرمة وغير خاضعة لأيّ طريق من طرق المراجعة .
رابعاً: في مفاعيل الإبطال الجزئي والسجال الذي أثاره
أثار هذا الإبطال الجزئي سجالاً فقهياً حاداً حول مصير القانون: فذهب اتجاهٌ أول — تبنّاه أنصار المستأجرين — إلى أنّ هذا الإبطال الجزئي أفقد القانون ركناً جوهرياً من أركان تطبيقه، هو آلية تحديد بدل المثل وآلية الاستفادة من الحساب الخاص، فغدا القانون معلَّق التنفيذ أو غير قابلٍ للتطبيق أصلاً. وذهب اتجاهٌ ثانٍ — هو الأرجح فقهاً واجتهاداً استناداً إلى نصوص قانوني إنشاء المجلس الدستوري ونظامه الداخلي— إلى أنّ الإبطال الجزئي لا يطال إلا النصوص المبطَلة دون سواها، وأنّ القانون بقي قائماً نافذاً بسائر أحكامه، ومنها المهل والزيادات وانتهاء التمديد، وأنّ زوال اللجان يعيد الاختصاص بطبيعة الحال إلى القضاء العدلي صاحب الولاية الشاملة، الذي يتولّى تحديد بدل المثل بالخبرة وفق القواعد العامة، إذ لا يُتصوَّر أن يؤدي إبطال لجانٍ استثنائية — أُبطلت أصلاً لأنها اغتصبت ولاية القضاء — إلى تعطيل القانون بدلاً من إعادة الولاية إلى صاحبها الشرعي.
والمفارقة المؤلمة أنّ قراراً دستورياً صدر لحماية ضمانات التقاضي، جرى توظيفه لدى فريقٍ من المستأجرين ذريعةً لتعطيل القانون بأكمله وإدامة الأمر الواقع، فانقلب القرار الحامي للدستور، في الاستعمال السيئ له، أداةَ تمديدٍ إضافيٍّ بحكم الواقع دام من العام ٢٠١٤ حتى العام ٢٠١٧، وهذه أولى حلقات المظلومية الجديدة التي أعقبت صدور قانونٍ جاء أصلاً لرفع المظلومية القديمة.
خامساً: في القيمة الإلزامية لمبادئ القرار
إنّ ما أرساه المجلس الدستوري في قراره المذكور من مبادئ — حرمة الملكية، وظرفية التشريع الاستثنائي، ووجوب انتهاء التمديد، وإناطة العبء الاجتماعي بالدولة — ليست اجتهاداتٍ فقهيةً قابلةً للأخذ والرد، بل قواعد ذات قيمةٍ دستوريةٍ ملزمةٍ لجميع السلطات، بما فيها السلطة التشريعيّة ذاتها. ويترتب على ذلك نتيجةٌ منطقيةٌ حاسمة: أنّ كل تمديدٍ لاحقٍ للعلاقات التأجيرية القديمة، صريحاً كان أم مقنّعاً، بنصٍّ ظاهرٍ أم بتفسيرٍ ملتوٍ، إنما يقع في مخالفةٍ موصوفةٍ للمبادئ التي قطع بها المجلس الدستوري، وهذا هو المعيار الذي يجب أن يُقاس عليه القانون رقم 2017/2 وما أثاره من سجال، وهو ما ننتقل إليه.
القسم الخامس: في القانون رقم 2017/2 والتمديد المقنّع — الخديعة التشريعية
أولاً: في صدور القانون وظاهر غايته
بتاريخ 2017/2/28 صدر القانون رقم 2017/2 تحت عنوان «تعديل قانون الإيجارات» الصادر عام ٢٠١٤، وكانت غايته المعلنة سدَّ الثغرة الناجمة عن قرار المجلس الدستوري، فأعاد صياغة المواد التي أبطلت وذلك بتنظيم اللجان على نحوٍ يرفع العيب الدستوري وأعاد تنظيم أحكام الحساب الخاص لمساعدة المستأجرين، وأعاد نشر القانون معدَّلاً. فلو وقف الأمر عند هذا الحد لكان التعديل عملاً تشريعياً تصحيحياً محموداً.
ثانياً: في التمديد المقنّع — تشريح الخديعة
غير أنّ الذي حصل فعلاً تجاوز التصحيح إلى ما نسمّيه، بدقة الوصف القانوني لا بمبالغة الخصومة، «التمديد المقنّع»: ذلك أنّ إعادة نشر القانون بكامله عام ٢٠١٧ فتحت الباب أمام القول بأنّ المهلة الانتقالية البالغة تسع سنوات تسري من تاريخ نفاذ القانون رقم 2017/2، أي من 2017/2/28، لا من تاريخ نفاذ قانون العام ٢٠١٤ في 2017/12/28، فينتقل أجل انتهاء التمديد من 2023/12/28 إلى 2026/2/28، ويظفر المستأجر القديم بما يقارب ثلاث سنواتٍ إضافية من الإشغال، من دون أن يجرؤ المشرّع على النصّ صراحةً على تمديدٍ جديد يتحمّل تبعته السياسية والدستورية.
وهنا مكمن الخديعة التشريعية: فالمشرّع لم يقل «أمدّد ثلاث سنوات» — لأنه يعلم أنّ نصاً كهذا يصطدم مباشرةً بالمبادئ التي أرساها المجلس الدستوري في قراره رقم 2014/6 ويعرّضه لطعنٍ محتوم — وإنما توسّل تقنية «إعادة نشر» القانون برمّته ليبلغ النتيجة عينها من طريقٍ ملتوٍ، فجاء التمديد تمديداً بنتيجته، مقنّعاً بصيغته، محقِّقاً للمستأجر ما عجز النص الصريح عن منحه، ومكبِّداً المالك خسارةً جديدةً تضاف إلى ركام سبعين عاماً من الخسائر: ثلاث سنواتٍ أخرى من الإشغال ببدلاتٍ دون بدل المثل، ومن تأجيل استرداد الملك، ومن إطالة أمد المظلومية.
ثالثاً: في تفنيد التفسير الممدِّد — الحجج القانونية
الدفع ببطلان التفسير القائل بسريان المهل من العام ٢٠١٧، وذلك للأسباب القانونية الآتية:
١. من حيث طبيعة القانون المعدِّل: إنّ القانون رقم 2017/2 نصّ في عنوانه وفي متنه على أنه قانون «تعديلي»، والقاعدة المستقرة في أصول التشريع أنّ النص المعدِّل يندمج في النص المعدَّل ويكوّن معه وحدةً تشريعيةً واحدة، فلا ينشئ قانوناً جديداً ولا يستأنف المهل التي بدأ سريانها في ظل النص الأصلي، إلا إذا نصّ على ذلك صراحةً، ولا نصّ. فالتعديل يطال ما عدّله فحسب ويبقى ما عداه، ومنه نقطة انطلاق المهلة الانتقالية، محكوماً بالقانون الأصلي النافذ منذ 2014/12/28.
٢. من حيث نية المشرّع: إنّ المشرّع لو أراد إعادة فتح المهل لقالها بعبارةٍ صريحة، وهو الذي يعلم أنّ المهل من النظام الجوهري للقانون ومن أخطر أحكامه أثراً. وسكوته عن النص على استئناف المهل، مع نصّه الصريح على أنّ عمله «تعديل»، قرينةٌ قاطعة على انصراف إرادته إلى إبقاء المهلة سائرةً من مبدئها الأصلي. ومن المبادئ الراسخة أنّ «إعمال النص خيرٌ من إهماله» وأنّ التفسير الذي يحفظ للتعديل معناه التصحيحي أولى من التفسير الذي يقلبه تشريعاً مستقلاً جديداً خلافاً لعنوانه ومضمونه.
٣. من حيث قواعد تفسير النصوص الاستثنائية: إنّ التمديد القانوني استثناءٌ صارخ على القواعد العامة وعلى مبدأ سلطان الإرادة وعلى حق الملكية الدستوري، والاستثناء — كما استقرّ عليه الاجتهاد استقراراً لا رجعة عنه — يُفسَّر تفسيراً ضيقاً، ولا يُتوسَّع فيه، ولا يُقاس عليه، وعند الشك يُحمل على النطاق الأضيق مدىً وأمداً. فإذا تنازع التفسيران — أحدهما ينهي التمديد في ٢٠٢٣ والآخر يمدّه إلى ٢٠٢٦ — وجب ترجيح أضيقهما حكماً، أي أسبقهما انتهاءً، لأنه الأوفق بطبيعة النص الاستثنائية والأقرب إلى العودة للشرعة العامة التي هي الأصل.
٤. من حيث موجب التقيّد بقرار المجلس الدستوري: إنّ التفسير الممدِّد يجعل القانون رقم 2017/2 متضمناً تمديداً جديداً لثلاث سنوات، وهو ما يضعه في مواجهةٍ مباشرة مع المبادئ الملزمة التي أرساها قرار المجلس الدستوري رقم 2014/6 لجهة ظرفية الاستثناء ووجوب انتهائه وحرمة الملكية. والقاعدة أنه إذا احتمل النص تفسيرين، أحدهما يوافق الدستور والآخر يخالفه، وجب حمله على التفسير الموافق للدستور. فالتفسير المضيِّق — سريان المهل من ٢٠١٤ — هو وحده الذي ينجّي القانون من شبهة عدم الدستورية، والتفسير الممدِّد يورده موردها.
٥. من حيث قاعدة عدم الإفادة من الخطأ: إنّ الفترة الفاصلة بين القانونين لم تكن فراغاً تسبّب به المالك، بل نتاج تقاعس الدولة عن تشكيل اللجان وتفعيل الحساب الخاص، ونتاج توظيف قرار الإبطال الجزئي لتعطيل التطبيق. ومن غير المقبول قانوناً ولا أخلاقاً أن يُكافأ من استفاد من التعطيل بثلاث سنواتٍ إضافية، وأن يُعاقب المالك — وهو البريء من التعطيل — بحرمانه من ملكه مدةً أطول، إذ «لا يجوز لأحدٍ أن يفيد من خطئه» ولا من خطأ الغير على حساب مَن لا يد له فيه.
رابعاً: في الاجتهاد المتضارب (سابقاً) حول نقطة انطلاق المهل
لقد انقسم الاجتهاد اللبناني آنذاك حيال هذه المسألة انقساماً حاداً:
الاتجاه الأول، ويقضي بسريان المهلة من تاريخ نفاذ قانون العام ٢٠١٤ في 2014/12/28، تأسيساً على أنّ القانون رقم 2017/2 مجرّد قانونٍ تعديلي لا ينشئ مهلاً جديدة، وأنّ قرار المجلس الدستوري لم يبطل إلا مادتين وفقرة في مادة أخرى ولم يمسّ نفاذ القانون ولا مهله، وأنّ التفسير المخالف يؤدي إلى تمديدٍ مقنّعٍ يخالف المبادئ الدستورية. وقد كرّست هذا الاتجاه أحكامٌ وقراراتٌ صادرة عن محاكم ودوائر متعددة.
والاتجاه الثاني، ويقضي بسريانها من تاريخ نفاذ القانون رقم 2017/2 في 2017/2/28، تأسيساً على أنّ إعادة نشر القانون بكامله تجعل منه المرجع الناظم الوحيد للعلاقة، وما نصت عليه المادة 15 المعدّلة في فقرتها الأولى بأنّ التمديد «من تاريخ نفاذ هذا القانون» والتي تمّ تفسيرها بشكل حرفي دون الأخذ بنيّة المشرّع وروح القانون ودون النظر لقواعد التفسير الصحيحة للقوانين.
ونلفت إلى أنّ هذا التضارب الاجتهادي كان ثمرة الصياغة الملتبسة المتعمَّدة للقانون رقم 2017/2، فالمشرّع الذي يترك نقطة انطلاق أخطر مهلةٍ في القانون نهباً للتأويل، بعدما كان النص الأصلي واضحاً كل الوضوح، إنما يمارس ما يصحّ تسميته «الغموض التشريعي المقصود» الذي يحقّق التمديد بيد القضاء المنقسم ما لم يجرؤ على تحقيقه بيد التشريع الصريح، ويقذف بالمالكين إلى سنواتٍ من التقاضي حول مسألةٍ كان حسمُها بكلمةٍ واحدة في متناول المشرّع.
إلاّ أنّ هذا التباين في آراء القضاة أصبح اليوم من التاريخ بعد انقضاء السنوات التسع التمديديّة وفقاً لأحكام القانون 2017/2 بعد استقرار الاجتهاد على اعتناق الرأي الثاني.
القسم السادس: في الحساب الخاص لمساعدة المستأجرين والمادة السادسة عشرة
أولاً: تقاعس الدولة المتمادي
لقد جعل المشرّع من الحساب الخاص لمساعدة المستأجرين ذوي الدخل المحدود حجرَ الرحى في التوازن الذي أقامه: فهو الذي ينقل العبء الاجتماعي من المالك إلى الدولة، وهو الذي تُناط به استفادة المستأجر المستحق من الزيادات المدعومة ومن إمكان الاستمرار في الإشغال حتى اثنتي عشرة سنة. غير أنّ هذا الحساب الذي أنشئ فعلاً ودخل حيّز التطبيق بصدور المرسوم رقم 2019/5700 تاريخ 2019/10/3 والذي جرى تمويله بالاعتمادات التي رُصدت له في الموازنات العامة اعتباراً من العام 2017 ولغاية تاريخه، بقي مجمّداً بفعل عدم بدء اللجان الناظرة بتطبيق الزيادات على بدلات الإيجار علمها، ولم تُصرف تقديماته وتُدفع للمالكين عن المستأجرين المستحقين الإفادة الفعلية منه وعاد العبء بحكم الواقع إلى حيث كان طوال سبعين عاماً: إلى كاهل المالك وحده.
ثانياً: في المادة السادسة عشرة وشروطها — القراءة العطفيّة لا التخييرية
وقد دار سجالٌ “مستجد” حول شروط المادة السادسة عشرة المتصلة بأوضاع المستأجرين وحقوقهم في التمديد الإضافي والاستفادة من التقديمات وارتباطها بالمادتين الثامنة والحادية عشرة: أتُقرأ هذه الشروط قراءةً عطفيّةً توجب اجتماعها، أم قراءةً تخييريةً يكفي معها تحقّق أحدها؟ ونحن ندفع بوجوب القراءة العطفيّة الضيّقة، لأنّ الحكم المطلوب تطبيقه — التمديد الإضافي والدعم — هو نفسه حكمٌ استثنائي داخل قانونٍ استثنائي، فيخضع من باب أولى لقاعدة التفسير الضيق، ولأنّ التخيير يفضي إلى تناقض بين النصوص القانونيّة ويُخالف أحكامها الواضحة والصريحة، وإلى إطالة أمد الإشغال على حساب المالك.
ثالثاً: في نظرية الموجب المستحيل وتطبيقها
ذهب فريق من المستأجرين إلى التذرّع بعدم “تفعيل” الحساب الخاص للمطالبة بتعليق المهل أو بإطالة الإشغال إلى اثنتي عشرة سنة أو بالامتناع عن أداء الزيادات، وكأنّ تقاعس الدولة يُنشئ للمستأجر حقاً على المالك. وهذا قلبٌ للمنطق القانوني رأساً على عقب، نردّ عليه بنظرية الموجب المستحيل وبقواعد المسؤولية:
١. إنّ استفادة المستأجر من تقديمات الحساب موجبٌ يقع على عاتق الدولة لا على عاتق المالك، فإذا استحال تنفيذه بفعل تقاعسها، فإنّ الاستحالة تُرتّب آثارها في العلاقة بين المستأجر والدولة — تعويضاً ومسؤوليةً أمام المرجع المختص — ولا تنعكس بحالٍ على المركز القانوني للمالك الذي هو أجنبيٌّ كل الأجنبية عن هذا الموجب، إذ لا يُسأل المرء عن موجب غيره ولا يُحرم حقَّه جزاءَ تقصيرٍ لم يقترفه.
٢. إنّ القول بتعليق المهل على “تفعيل” الحساب يجعل انتهاء التمديد رهناً بمشيئة الإدارة وإهمالها، أي يعيدنا عملياً إلى التمديد المفتوح غير المحدود الذي أدانه المجلس الدستوري، ويسلّم مصير حقٍّ دستوري — هو الملكية — إلى تقاعسٍ إداريٍّ قد يدوم عقوداً، وهذا عبثٌ تشريعيٌّ لا يستقيم.
٣. إنّ المستأجر “المتضرر” – أو الذي يعتبر نفسه متضرّراً- من عدم “التفعيل” يملك سبل المراجعة في مواجهة الدولة للمطالبة بحقوقه وبالتعويض عن تقصيرها، فهذا هو طريقه القانوني السليم، لا مصادرة ملك الغير سنواتٍ إضافية، إذ لا يُبنى حقٌّ على إخلالٍ، ولا تُقام رعايةٌ اجتماعيةٌ على أنقاض حقٍّ دستوريٍّ لفردٍ بريء.
4. إنّ الخسارة الفعليّة والواقعيّة الناجمة عن عدم “تفعيل” الحساب قد انصرفت بكاملها إلى المالك، إذ حُرم من قبض الفارق بين بدل المثل وبدل الإيجار الذي كان معمولاً به قبل نفاذ القانون، وهو الفارق الذي أناط المشرّع بالدولة التزام تسديده للمستأجر المستفيد من المساهمة. وفي المقابل، لم يرتّب عدم “تفعيل” الحساب أي ضرر مماثل للمستأجر، بل على العكس، فقد استمرّ في الانتفاع بالمأجور منذ العام 2014 ولغاية تاريخه بما يشبه المجّان، واستفاد من الحماية الاستثنائية التي أقرّها له القانون، من دون أن يسدّد الزيادات القانونية التي فرضها القانون الجديد، الأمر الذي مكّنه من الجمع بين الاستمرار في إشغال المأجور والإعفاء من الأعباء الماليّة التي ربطها المشرّع بهذا الإشغال.
ومن ثمّ، يتبيّن بصورة جليّة أنّ المستأجر ظلّ متمتّعاً بكامل الحماية القانونيّة التي أرادها له المشرّع، في حين جُرّد المالك من الضمانات التي قرّرها القانون لمصلحته، وفي مقدّمها حقّه في استيفاء الزيادات القانونية أو قبض الفارق من الدولة عند توافر شروط مساهمتها، فوقع وحده ضحيّة تجميد الصندوق وعدم بدء عمل اللجان تنفيذاً أحكام القانون، وتحمّل النتائج المالية المترتبة على هذا التجميد، خلافاً للغاية التي ابتغاها المشرّع من تحقيق التوازن بين مصالح الطرفين.
القسم السابع: فيما استقرّ عليه الفقه والاجتهاد من مبادئ ناظمة
تأييداً لكل ما تقدم، نعرض لجملة المبادئ التي استقرّ عليها الفقه والاجتهاد، وطنياً ومقارناً، والتي تشكّل السند المتين لهذه القراءة القانونيّة:
١. العقد شريعة المتعاقدين: عملاً بالمادة ٢٢١ من قانون الموجبات والعقود، فالأصل أنّ مضمون العقود ومدَدها من صنع إرادة عاقديها، وكل تدخّلٍ تشريعيٍّ في هذه الإرادة استثناءٌ يقدَّر بقدَره زماناً وموضوعاً، ويزول بزوال موجبه.
٢. التفسير الضيق للنصوص الاستثنائية: وهي قاعدةٌ رسّخها اجتهاد محكمة التمييز اللبنانية رسوخاً لا يقبل الجدل والتي أصبحت من المسلّمات القانونيّة، ومقتضاها أنّ نصوص التمديد القانوني، بوصفها خروجاً على الشرعة العامة، لا يُتوسَّع في تفسيرها ولا في نطاق تطبيقها الشخصي أو الزمني، وأنّ الشك يُفسَّر ضدّ الاستثناء ولمصلحة العودة إلى القاعدة العامة.
٣. حرمة الملكية بوصفها حقاً دستورياً: كما كرّسها قرار المجلس الدستوري رقم 2014/6 المفصَّل أعلاه، وقراراتٌ دستوريةٌ سابقة أكدت أنّ الملكية من الحقوق التي تتمتع بالحماية الدستورية وأنّ القيود عليها تخضع لرقابة الضرورة والتناسب.
٤. الاجتهاد المقارن — قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: وله قيمةٌ استئناسيةٌ رفيعة، وأبرز شواهده الحكم الصادر عن الغرفة الكبرى في قضية هوتن–تشابسكا ضد بولونيا عام ٢٠٠٦، حيث قضت المحكمة بأنّ نظاماً لتحديد بدلات الإيجار يفرض على المالكين بدلاتٍ لا تغطي حتى كلفة صيانة العقار، ويستمر عقوداً، يشكّل إخلالاً بالتوازن العادل بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد، وانتهاكاً لحق الملكية المصون بالمادة الأولى من البروتوكول الأول الملحق بالاتفاقية الأوروبية، وأنّ الكلفة الاجتماعية لسياسة الإسكان يجب أن يتحمّلها المجتمع لا فئة المالكين وحدها. وهو عين المنطق الذي تقوم عليه قراءتنا القانونيّة الحاضرة، وعين المبدأ الذي تبنّاه المجلس الدستوري.
٥. مبدأ الأمان التشريعي والثقة المشروعة: وقد بات من المبادئ ذات القيمة الدستورية في الاجتهاد المقارن وفي اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني، ومقتضاه ألا يخدع المشرّع المخاطبين بأحكامه، وألا يقوّض بتشريعٍ لاحقٍ مراكز ومهلاً رتّبها تشريعٌ سابق رتّب عليها أصحابُها أوضاعَهم. فالمالك الذي نظّم شؤونه على أساس انتهاء التمديد بانقضاء تسع سنواتٍ من نهاية العام ٢٠١٤، ثم فوجئ بتفسيرٍ ينقل الأجل إلى العام ٢٠٢٦، هو ضحيةٌ نموذجية لانتهاك الأمان التشريعي.
٦. حظر الإثراء بلا سبب: عملاً بالمبادئ العامة المكرّسة في قانون الموجبات والعقود، فإنّ استئثار المستأجر عقوداً طويلة بمنفعةٍ تفوق أضعافاً ما يؤديه من بدل، على حساب افتقار المالك المقابل، هو إثراءٌ على حساب الغير ما كان ليقوم لولا الإكراه التشريعي، وارتفاعُ هذا الإكراه واجبٌ يمليه رجوعُ الحق إلى نصابه.
القسم الثامن: في الخلاصة
سبعون عاماً والمالك يقرع أبواب العدالة، قيل له في الأربعينيات إنها ظروف حربٍ عابرة، فصبر؛ وقيل له في الخمسينيات والستينيات إنها أزمة سكنٍ طارئة، فصبر؛ وقيل له بعد العام ١٩٩٢ إنّ التحرير آتٍ لا محالة، فصبر؛ وجاء قانون العام ٢٠١٤ فحسب أنّ الفرج قد لاح بمهلةٍ محددةٍ تنتهي في 2023/12/28، فإذا بقرار الإبطال الجزئي يوظَّف لتعطيل القانون، وإذا بقانون العام ٢٠١٧ يعيد عقارب المهل إلى الوراء بتمديدٍ مقنّعٍ يقذف بالأجل إلى العام ٢٠٢٦، وإذا بالحساب الخاص الذي وُعد بأن ينقل العبء إلى الدولة يبقى بلا تفعيل نتيجة خطأ الإدارة وغياب المحاسبة. فأيّ ثقةٍ بالتشريع تبقى بعد هذا؟ وأيّ معنى لحقٍّ دستوريٍّ يُعلَّق إعمالُه من عقدٍ إلى عقد؟
إنّ ما نطلبه ليس امتيازاً ولا إحساناً، بل هو الحد الأدنى مما يمليه الدستور والقانون والعدالة: أن يُحمل القانون على تفسيره المستقيم، وأن يُغلق باب التمديد الذي فتحه الالتباس، وأن يعود لكل ذي حقٍّ حقُّه. ولكن وعلى أيّ حال، ومع اقتناعنا الراسخ والعميق بأنّ المهل بدأت منذ تاريخ نفاذ القانون الصادر عام 2014 وفق ما أشرنا إليه أعلاه، إلاّ أنّ هذا التباين تجاوزه الزمن الآن – ولو على حساب المالك- تبعاً لانتهاء مهلة السنوات التسع التمديديّة عملاً بأحكام القانون رقم 2017/2 في 2026/2/28 وهذا ما أقرّه الاجتهاد الحديث لمحاكم الإيجارات وما كرّسته القرارات الاستئنافيّة التي أصبحت مبرمة تبعاً لعدم قابليّتها لأيّ طريق من طرق المراجعة.
الخاتمة
إنّ القضاء هو الملاذ الأخير حين يخذل التشريعُ العدالةَ والحقّ، وهو الأمين على الدستور حين تلتوي به النصوص. وقد قال المجلس الدستوري كلمته عام ٢٠١٤ فأعلن أنّ زمن الاستثناء يجب أن ينقضي وقد انقضى ووصل إلى خواتيمه؛ فليكن حكم القضاء ترجمةً لهذه الكلمة، وإنصافاً لفئةٍ من المواطنين لم تطلب طوال سبعين عاماً إلا ما كفله لها الدستور: أن تكون ملكيتها في حمى القانون، لا في قبضة الاستثناء.
وفي الختام، فإنّ العدل أساس الملك، وبه قامت السماوات والأرض.
“محكمة” – الجمعة في 2026/7/10



