برسم مدير عام قوى الأمن الداخلي: عندما يتحول الاحتجاز الاستثنائي إلى توقيف فعلي غير قانوني في جنحة سير بسيطة/عماد جعارة
المحامي عماد جعارة:
تطرح واقعة حصلت في صيدا بتاريخ اليوم الإثنين الواقع فيه 20 تموز 2026 مسألة بالغة الأهمية تتعلق بالحرية الفردية وبحدود الاحتجاز لدى الضابطة العدلية.
فقد أوقف المحامي العام الاستئنافي في صيدا، القاضي سرمد صيداوي، أحد الأشخاص بجرم سير، وهي جنحة بسيطة تتراوح العقوبة المفترضة عليها بين ثلاثة أشهر وسنة، ثم جرى تمديد مدة الاحتجاز الأولى البالغة 48 ساعة لمدة مماثلة وفقاً للأصول.
إلا أن الموقوف لم يُترك بعد انتهاء كامل مدة الاحتجاز القانونية من قبل قوى الأمن الداخلي، وبقي محتجزاً في حين لم يكن بتاريخ الإثنين 20 تموز 2026 قاضٍ مناوب للتحقيق في صيدا.
والمفارقة أن الملف هو حتى اللحظة أمام محكمة قوى الأمن الداخلي، كما انه أحيل أمام قاضي التحقيق الأول في صيدا القاضي النزيه يوسف الحكيم، الذي سيكون مناوباً يوم غد.
وهنا تبرز المسألة القانونية الجوهرية:
هل يجوز إبقاء شخص محتجزاً بعد انتهاء كامل مدة الاحتجاز لدى الضابطة العدلية لمجرد أن قاضي التحقيق لم يكن مناوباً في ذلك اليوم، وأن القاضي المختص سيكون متوافراً في اليوم التالي؟
الجواب، في رأينا، هو النفي.
أولاً: خطورة تحويل الاحتجاز الأولي إلى توقيف فعلي
إن الاحتجاز لدى الضابطة العدلية هو إجراء استثنائي ومحدود زمنياً، هدفه تمكين التحقيق الأولي من إنجاز أعماله.
أما التوقيف الاحتياطي فهو تدبير قضائي مختلف، لا يصدر إلا عن المرجع القضائي المختص ووفقاً للشروط التي يحددها القانون.
وبالتالي، لا يجوز عملياً تحويل الاحتجاز لدى الضابطة العدلية إلى توقيف فعلي بمجرد إبقاء الشخص محتجزاً بعد انتهاء مدته القانونية، بانتظار أن يتوافر قاضي التحقيق أو يحين موعد عرضه عليه.
فالاسم الذي يطلق على الإجراء لا يغير من حقيقته.
إذا كان الشخص محروماً من حريته، وممنوعاً من مغادرة مكان الاحتجاز، فإننا نكون أمام سلب فعلي للحرية، مهما كان الوصف الإداري أو الإجرائي المعطى لهذا الوضع.
ثانياً: المادة 47 تضع حداً أقصى واضحاً
إن المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حددت مدة احتجاز المشتبه فيه لدى الضابطة العدلية بثمان وأربعين ساعة، قابلة للتمديد مدة مماثلة ولمرة واحدة، وفقاً للشروط القانونية.
وفي الحالة موضوع البحث، وبفرض أن التمديد قد تم بصورة قانونية، فإن مدة الاحتجاز القصوى تكون قد اكتملت بانتهاء مدة الـ48 ساعة الأصلية مضافاً إليها التمديد القانوني لمرة واحدة ولمدة مماثلة.
وبعد انقضاء كامل هذه المهلة، لا يجوز إبقاء الشخص محتجزاً بصورة مفتوحة، ما لم يكن قد صدر بحقه سند قضائي مستقل وصحيح يبرر استمرار سلب حريته.
ثالثاً: ما يثير الدهشة هو عدم تناسب استمرار الاحتجاز مع طبيعة الجرم
إن ما يثير الدهشة بصورة خاصة هو أن الأمر يتعلق، بحسب المعطيات المتوافرة، بجنحة سير بسيطة، تتراوح العقوبة المفترضة عليها بين ثلاثة أشهر وسنة.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن طبيعة الجرم وحدها تمنع قانوناً اتخاذ أي إجراء احتياطي، إذ إن تقدير الإجراءات القانونية يعود إلى المرجع المختص ضمن حدود القانون.
لكن التناسب بين خطورة الفعل، والعقوبة المحتملة، وضرورة استمرار سلب الحرية، يبقى عنصراً أساسياً عند النظر إلى مشروعية التوقيف الاحتياطي.
فإذا كانت مدة الاحتجاز الأولي القصوى قد انتهت، ولم يصدر بعد قرار قضائي صحيح بالتوقيف، فإن إبقاء الشخص محتجزاً لا يمكن تبريره بمجرد انتظار قاضي التحقيق، ولا سيما عندما تكون المسألة تتعلق بجنحة سير بسيطة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن الشخص يبقى عملياً موقوفاً رغم أن المرجع القضائي الذي يفترض أن ينظر في وضعه لم يكن متوافراً في ذلك اليوم، وأن قاضي التحقيق الأول في صيدا، القاضي يوسف الحكيم، سيكون مناوباً في اليوم التالي.
فهل يجوز أن يصبح الفرق بين الحرية والاحتجاز هو مجرد انتظار يوم واحد حتى يبدأ القاضي مناوبته؟
رابعاً: كان يجب أن يكون ترك الموقوف نتيجة تلقائية لانتهاء المهلة
إن جوهر المسألة ليس أن يطلب الموقوف أو وكيله «تخلية سبيله» من قاضي التحقيق.
فإذا كان الشخص لم يصدر بحقه بعد قرار قضائي صحيح بالتوقيف، فإن الوضع القانوني يختلف جذرياً عن حالة وجود موقوف بموجب قرار قضائي نافذ.
عند انتهاء كامل مدة الاحتجاز التي أجازها القانون للضابطة العدلية، يجب أن ينتهي سند الاحتجاز لدى الضابطة العدلية.
وبالتالي، كان من موجب الجهة التي تحتجز الشخص أن تنهي احتجازه تلقائياً، دون حاجة إلى مراجعة قاضي التحقيق ودون انتظار صدور قرار قضائي بالتخلية.
فالقاعدة هي:
“عندما ينتهي السند القانوني للاحتجاز، لا يحتاج الإنسان إلى قرار قضائي ليستعيد حريته”.
والقرار القضائي يصبح ضرورياً عندما يراد استمرار سلب الحرية، لا عندما يراد إنهاء سلبها.
خامساً: لا يجوز أن يكون غياب القاضي سبباً لتمديد الاحتجاز
إن عدم وجود قاضٍ مناوب في صيدا بتاريخ الإثنين 20 تموز 2026 لا يمكن أن يشكل بذاته سنداً قانونياً لتمديد احتجاز شخص بعد انتهاء كامل المهلة القانونية.
كما أن كون قاضي التحقيق الأول في صيدا، القاضي يوسف الحكيم، سيكون مناوباً في اليوم التالي، لا يعني أن السلطات تملك قانوناً إبقاء الشخص محتجزاً حتى اليوم التالي.
فالقانون لا يقول إن المهلة تمتد إلى حين عودة القاضي أو بدء مناوبته.
ولا يجوز أن يتحول تنظيم المناوبات القضائية إلى مصدر جديد لسلب الحرية.
فإذا كانت الدولة تحتاج إلى وجود قاضٍ للنظر في وضع شخص محروم من حريته، فإن عدم وجود القاضي لا يمكن أن يؤدي إلى النتيجة المعاكسة، أي إبقاء الشخص محتجزاً.
وإلا أصبح المواطن يتحمل نتائج عدم انتظام العمل القضائي.
سادساً: الإحالة إلى المرجع القضائي المختص لا تمدد مهلة الاحتجاز
قد يقال إن الملف أصبح أمام محكمة قوى الأمن الداخلي، وإنه أصبح أيضاً أمام قاضي التحقيق الأول في صيدا، القاضي يوسف الحكيم.
لكن مجرد انتقال الملف أو إحالته إلى مرجع قضائي لا يعني، بذاته، أن مدة الاحتجاز لدى الضابطة العدلية تمتد تلقائياً.
كما أن انتظار القاضي المختص لا يشكل قرار توقيف.
فلا بد من وجود سند قانوني واضح ومستقل لاستمرار الحرمان من الحرية.
وإذا لم يصدر هذا السند، فإن إبقاء الشخص محتجزاً حتى اليوم التالي، أو حتى موعد غير محدد، يحول عملياً الاحتجاز الأولي إلى توقيف فعلي من دون قرار قضائي.
سابعاً: المسألة ليست في شخص القاضي أو النيابة العامة، بل في مبدأ قانوني عام
إن إثارة هذه المسألة لا تهدف إلى توجيه اتهام شخصي إلى المحامي العام الاستئنافي في صيدا القاضي سرمد صيداني، ولا إلى قاضي التحقيق الأول في صيدا القاضي يوسف الحكيم، الذي سيكون مناوباً في اليوم التالي.
فالمسألة تتعلق بمبدأ قانوني عام يجب أن يطبق على الجميع.
بل إن السؤال الحقيقي هو:
“هل يجوز إبقاء أي شخص، أياً كان، محتجزاً بعد انتهاء كامل مدة الاحتجاز القانونية، فقط لأن المرجع القضائي الذي يفترض أن ينظر في وضعه لم يكن متوافراً في ذلك اليوم؟”
والجواب، في رأينا، يجب أن يكون واضحاً: لا.
الخلاصة
إن المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لم تضع مهلة الاحتجاز لدى الضابطة العدلية كمهلة إرشادية أو تنظيمية، بل وضعت حداً زمنياً لحماية الحرية الفردية.
فإذا انتهت مدة الـ48 ساعة الأصلية، ثم جرى تمديدها لمرة واحدة ولمدة مماثلة، وانتهت المدة كاملة، فلا يجوز إبقاء الشخص محتجزاً بانتظار قاضي التحقيق، ما لم يكن قد صدر قرار قضائي صحيح ومستقل يبرر استمرار سلب حريته.
وفي الحالة التي حصلت في صيدا بتاريخ 20 تموز 2026، فإن بقاء الموقوف محتجزاً بعد انتهاء كامل المدة القانونية، في جنحة سير بسيطة، مع عدم وجود قاضٍ مناوب في ذلك اليوم، ثم انتظار اليوم التالي حيث سيكون قاضي التحقيق الأول في صيدا القاضي يوسف الحكيم مناوباً، يطرح سؤالاً قانونياً جدياً حول مشروعية استمرار الاحتجاز خلال هذه الفترة.
وكان من موجب الجهة التي تحتجزه، تطبيقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية، أن تنهي احتجازه بصورة تلقائية عند انتهاء السند القانوني الذي يجيز احتجازه.
فالحرية لا تحتاج إلى موعد.
والحرية لا تحتاج إلى قاضٍ مناوب.
والحرية لا تحتاج إلى طلب تخلية سبيل عندما ينتهي السند القانوني لسلبها.
أما استمرار الاحتجاز، فهو الذي يحتاج دائماً إلى سند قانوني قائم، واضح، وصادر عن المرجع المختص.
“لا يجوز أن يصبح غياب القاضي سبباً لبقاء الإنسان موقوفاً، ولا أن يتحول انتظار القاضي إلى سند قانوني للتوقيف.”
“محكمة” – الاثنين في 2026/7/20



