مقالات

حين تصبح الإدارة عائقاً أمام المواطن والمحامي/عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
الإدارة وجدت لخدمة المواطن، والموظف العام مؤتمن على مرفق عام، وليس صاحب سلطة شخصية على من يراجعه. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإدارة من وسيلة لتسهيل حياة الناس إلى عائق أمامها، فيصبح المواطن أسيراً للإدارة.
وإنصافاً للحق، هناك موظفون شرفاء ومجتهدون ومتعاونون يؤدون واجباتهم في ظروف صعبة، لكن الخطر يظهر عندما تصبح المعاملة رهينة لمزاج البعض منهم، أو عندما يتقدم الإجتهاد الشخصي على النص، أو يطلب من المواطن ما لا يفرضه القانون، أو تترك معاملته معلقة من دون جواب واضح.
والأخطر حين يتجاوز بعض الموظفين حدود صلاحياتهم، فيفرضون من عندهم مواعيد وشروطاً للمراجعة، ويعلقونها على أبواب مكاتبهم وكأنها قرارات رسمية لها قوة القانون. والسؤال: من قرر ذلك؟ وما سنده القانوني؟ وهل يجوز لموظف أن يحدد من تلقاء نفسه متى يحق للمواطن أو المحامي مراجعته؟
بيد أن المسؤولية لا تقتصر على الموظف الذي يتفرد بالقرار، بل تطال أيضاً المسؤولين الإداريين عندما يكونون غائبين عما يجري في إداراتهم، أو لا يتدخلون لتصحيح ممارسة مخالفة أو وضع حدّ لاجتهاد لا يستند إلى نص. فحسن سير المرفق العام مسؤولية إدارية لا يجوز أن تترك للأهواء الفردية خصوصاً عندما تزداد المشكلة وتتعلق المعاملة بإفادة أو نسخة أو ملف أو إجراء يفترض إنجازه وفق أصول واضحة، فيضطر المواطن والمحامي إلى مراجعات متكررة من دون أن يعرفا مصير الطلب أو سبب التأخير. ومن حق المواطن أن يعرف مصير معاملته وأن يحصل على جواب واضح عند قبولها أو رفضها وأن يعرف أسباب التأخير. كذلك يجد المحامي نفسه أحياناً أمام مشهد مؤلم: يعرف النص والإجراء، ويكون ملف موكله مستوفياً للشروط، لكنه يعجز عملياً عن الوصول إلى حقه بسبب إجتهاد شخصي، أو إجراء غير واضح، أو تأخير بلا تفسير.
والسؤال الأهم: إذا كان المواطن يحاسب عند مخالفته القانون، فمن يحاسب الإدارة عندما تخطئ؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتأخر المعاملة أو تفرض على المواطن متطلبات لا سند لها في القانون؟
المطلوب ليس إدارة لا تخطئ، بل إدارة واضحة ومسؤولة تطبق القانون وتنجز المعاملات ضمن مهلة معقولة، وتوضح أسباب الرفض أو التأخير، وتخضع للمساءلة عند التقصير.
فالدولة لا تقاس بكثرة القوانين التي تضعها، بل بمدى إحترامها وتطبيقها بعدالة على الجميع. والمواطن لا يريد واسطة، والمحامي لا يريد معاملة خاصة، بل يريدان أن يكون القانون هو المرجع.
فالوظيفة العامة تكليف قبل أن تكون إمتيازاً، ومن يتولى مسؤولية المرفق العام عليه واجبات تجاه الناس، كما له حقوق. وفي النهاية، لا يجوز أن يصبح المواطن أسيراً للإدارة، ولا المحامي أسيراً لإجتهاد الموظف، ولا القانون أسيراً للمزاج الشخصي.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/8/19

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!