ما سرّ الحبّ؟/أنطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين في بيروت سابقًا):
ما سرّ الحبّ بين الرجل والمرأة؟ وكيف يستطيع إنسانٌ واحد أن يعبر إلى أعماق إنسانٍ آخر، فيبدّل إيقاع أيامه، ويعيد ترتيب العالم في عينيه، حتى يصبح حضوره فرحًا، وغيابه فراغًا، وصوته طمأنينة، وصمته سؤالًا طويلًا يسهر في القلب.
حاول العلم أن يفسّر الحبّ بالكيمياء والانجذاب والغريزة، وردّه علم النفس إلى الحاجة إلى الأمان والحنان والخوف من الوحدة. وفي كلّ ذلك شيءٌ من الحقيقة، لكنّه لا يستنفدها ، فالحبّ أوسع من أن تحتويه النظريات، وأعمق من أن تختصره المعادلات. إنّه السرّ الذي يجعل رجلًا يرى في امرأةٍ واحدة عالمًا لا يراه في سائر النساء، وترى امرأةٌ في رجلٍ واحد وجهًا تختصر فيه كلّ الوجوه، وعلاقة لا تشبه سائر العلاقات.
فنحن لا نحبّ دائمًا لأننا اخترنا الأجمل أو الأكمل، بل لأنّ شيئًا خفيًّا في أعماقنا تعرّف إلى شيءٍ خفيّ في أعماق الآخر. كأنّ روحًا ظلّت تنادي طويلًا، فسمعتها روحٌ أخرى أو جرحًا وجد أخيرًا يدًا لا تؤلمه حين تلمسه أو خوفًا عتيقًا سمع من يهمس له: «لا تخف، أنا هنا». ولعلّ الحبّ الحقيقي يبدأ عندما يرانا أحدهم كما نحن، بلا أقنعة ولا ادّعاء، بضعفنا وتردّدنا ونقائصنا، ثمّ يختار، رغم ذلك، أن يبقى.
وقد يولد الحبّ من نظرة، أو كلمة، أو لقاءٍ عابر لم يكن في الحسبان، لكنّه لا يعيش بهذه الأشياء وحدها. فالانجذاب يفتح الباب، أمّا ما يُبقيه مفتوحًا فهو التفاهم والثقة والاحترام. الحبّ ليس أن نعثر على إنسانٍ كامل، بل أن نتفهم نقصه برفق، وأن نعرف مواضع ضعفه فلا نحوّلها ضده، وأن نختلف معه من دون أن نهينه، وأن نغضب منه من دون أن نمسّ كرامته، وأن نحفظ قلبه حتى في لحظات الخصام.
ولعلّ الإنسان يحبّ لأنّه، مهما بلغ من القوّة والاستقلال، يظلّ محتاجًا إلى قلبٍ يعرفه حقًّا ويختاره من بين الجميع. فنحن لا نبحث فقط عمّن يرافقنا في الطريق، بل عمّن يجعل للطريق معنى .عمّن يقرأ ما عجزنا عن قوله، ويفهم صمتنا، ويحمل معنا ثقل الأيام، ويرى في وجودنا قيمةً لا حضورًا عابرًا. نبحث عمّن نشعر بقربه أنّنا لسنا وحدنا في هذا العالم، وأنّ هناك عينًا تنتظرنا، وقلبًا يفتقدنا، ويدًا إذا تعبت أرواحنا أعادتنا إلى الأمان.
والحبّ ليس امتلاكًا، بل لقاءٌ بين حريتين.
شخصان يحتفظ كلٌّ منهما بحريته وكيانه، لكنهما يواجهان الحياة بقلبين متّحدين.
من يحبّ لا يقول: «أنت لي»، بل يقول: «أنا معك». لا يبني حول الآخر جدرانًا، ولا يحوّل الغيرة قيدًا، بل يمنحه من الأمان ما يكفي ليكون نفسه. لأنّ أجمل الحبّ ما جعل القلب حرًّا ومطمئنًا في آنٍ واحد . فلا يذوب أحد الحبيبين في الآخر، بل يكبر كلٌّ منهما بقرب الآخر، ويصبح أكثر صدقًا مع ذاته وأكثر قدرةً على الحياة.
وفي الحبّ بُعدٌ روحيّ تعجز لغة العلم عن بلوغه. فإذا كان الله محبّة، فلعلّ كلّ حبٍّ صادق قبسٌ من نوره، ونافذةٌ صغيرة نطلّ منها على الأبدية. بالحبّ يخرج الإنسان من ضيق أنانيته، ويتعلّم العطاء والصبر والغفران . يقول «نحن» بعدما اعتاد أن يقول «أنا»، ويكتشف أنّ التضحية ليست خسارةً حين تكون من أجل من يحبّ. عندها يصبح الحبيب جزءًا من الذاكرة والروح، وجهًا نفتقده وسط الزحام، وصوتًا نعود إليه من ضجيج العالم، ويدًا نجد فيها سكينةً تشبه العودة إلى البيت.
لكنّ الحبّ ليس فرحًا دائمًا، ولا وعدًا بحياةٍ بلا ألم. إنّه، في جوهره، شجاعة الاستمرار حين تخفت البدايات، وصدق الاختيار حين تزول الدهشة الأولى. فالحبّ الناضج لا يُقاس بحرارة اللقاء وحدها، بل بقدرة القلبين على اجتياز التعب، وبالمغفرة بعد الخطأ، وبالوفاء حين تصبح الحياة أقلّ شاعرية وأكثر قسوة. إنّه أن نرى الآخر يتغيّر، وأن تتغيّر الأيام من حولنا، ثمّ نبحث في كلّ مرحلة عن طريقٍ جديد يصل قلبًا بقلب.
ويبقى سرّ الحبّ عصيًّا على التفسير، لأنّ أجمل أسرار الحياة لا تُحلّ كالمعادلات، بل تُعاش كالمعجزات. قد نعرف لماذا يحتاج الإنسان إلى الحبّ، لكنّنا لن نعرف تمامًا لماذا يخفق قلبه لهذا الشخص دون سواه، ولماذا يشعر أمامه أنّه عرفه قبل اللقاء، وانتظره قبل أن يعرف اسمه.
ولعلّ السرّ كلّه أنّنا حين نحبّ لا نكتشف الآخر وحده، بل نكتشف في أنفسنا إنسانًا لم نكن نعرفه ، أحنّ، وأصدق، وأشجع، وأكثر استعدادًا للعطاء. نكتشف أنّ في القلب متّسعًا لحياةٍ أخرى، وأنّ وجود إنسانٍ واحد قد يجعل العالم أقلّ قسوة، والعمر أكثر معنى. فالحبّ، في أعمق معانيه، هو أن تلمس في قلب إنسانٍ آخر شيئًا من الأبدية، وأن تقول له، بصمتٍ يفوق الكلام: ما دمتَ هنا، فإنّ للحياة سببًا آخر كي تُعاش.الحب حلم و دهشة و أسلوب حياة.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/9/23



