مقالات
بين الصدق والكذب/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
في مقابلة تلفزيونية قبل رحيله، قال غبطة البطريرك مار اغناطيوس هزيم: إثنان لا تثق بهما الكذّاب والسارق فلا تعرف متى يكذب عليك ومتى يسرقك.
من الأمثلة الشائعة: الكذب ملح الرجال. أبشع مثل نسمعه في حياتنا. والأسوأ من يطبّقه. أحياناً قد يكون الإنسان غامضاً غير صريح. هذا شأنه. لكن أن يكون كاذباً غير صادق، فهذا الأمر لا يدعو إلى الاطمئنان في التعامل معه.
كان أحد الزملاء يحمل لائحة مؤلّفة من خمسة عشر إسماً ويوزّعها على جميع المرشّحين، ويقنعهم بأنّه تكلّم معهم، وسوف يصوّتون للمرشّح الذي يتسلّم منه اللائحة. هذا ما أخبرني به زميل آخر يوم ترشّحت في العام 2006. والأهضم أنّ من أخبرني، حضر إلى مكتبنا، مكتب المحامي المرحوم اوغست باخوس، وكنت مرشّحاً على مركز العضوية وطلب مني الاتصال بلائحة أسماء وقال لي: أطلب الزميل قبلي وأنا أكلّمه من بعدك. وما ان أطلبه حتّى يصرخ من الطرف الآخر: يا عمي شو عامل لفلان هلكنا وهو يطلبك. إلا أنّني بعد الاتصال الرابع طلبت باحترام من الزميل أن يوقف الاتصالات، وأنا أكلّمهم لاحقاً، واكتشفت أنّه فعل هذا الأمر مع عدد كبير من المرشّحين.
ولا يزال البعض حتى اليوم يمارسون هذه الطريقة. وهذا أمر لا أحبّذه لا بل أنبذه. والصراحة مع الصدق هما الميزتان اللتان يجب أن يتحلّى بهما الناس. ويمكن التخلّي عن الصراحة وعدم المجاهرة والتزام السكوت والصمت يسبّب الإحراج أو الصداقة. أمّا الكذب، فهو من أبشع الصفات.
أحياناً قد يفضّل الإنسان المريض أن يسمع كلاماً مطمئناً. قد يشعر بأنّ الآخر يجامله ويطمئنه ليشعر بالأمان حتّى لا يبقى خائفاً على مصيره لوحده. ولكن هذا الأمر لا يدخل في باب الكذب، بل في باب الطمأنة وإبعاد الخوف عنه.
وبالتالي، فإنّ الصادق يمشي مرفوع الرأس، أمّا الكذّاب فيمشي على الرغم مما يناله من مكاسب ومراكز بسبب كذبه، مذلولاً ولا يقوى على النظر في عيون الآخرين.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/9/29



