أبحاث ودراسات

دراسة قانونية شاملة عن ظاهرة بيع الشيكات المصرفية بالدولار الأميركي بأسعار تقلّ عن قيمتها الإسمية: من المسؤول عن التهام المصارف أموال المودعين؟/مروان زين الدين

المحامي مروان أدهم زين الدين:
هل تكبدت المصارف اللبنانية خسائر مادية نتيجة انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية ونتيجة بيع الشيكات المصرفية بأقل من قيمتها الإسمية؟ إذا كان الجواب يحتمل النفي، لماذا لم يقدم أحد على خوض غمار كشف الحقيقة، قبل استسهال تحميل المودعين مسؤولية ما لم تقترفه أيدهم، لاعتبارهم الحلقة الأضعف؟
منذ اندلاع الأزمة المصرفية والمالية في لبنان، وبسبب حاجة عدد كبير من المودعين إلى أموال نقدية بعد حرمانهم الوصول الى ودائعهم المصرفية، برزت ظاهرة بيع الشيكات المصرفية بالدولار الأميركي بأسعار تقلّ عن القيمة الإسمية المدوّنة عليها. وقد أصبح شائعاً القول إن المودع الذي كان يملك على سبيل المثال وديعة بقيمة مئة ألف دولار واضطرّ إلى بيع شيك مصرفي بقيمة مئة ألف دولار لقاء مبلغ نقدي بأقلّ من قيمة الشيك، قد تكبّد خسارة تعادل الفارق بين القيمة الإسمية للشيك والثمن الذي قبضه. غير أنّ نتيجة الخسارة التي تكبدها عدد من المودعين في عملية بيع الشيكات، لا تؤدّي بالضرورة إلى النتيجة المقابلة، أيّ أنّ المصرف الذي أصدر الشيكات أو الذي قبضها لتسديد قروض مصرفية قد تكبّد الخسارة ذاتها.
وعليه هنالك مسألة جوهرية جرى تجاوزها تتمثل بضرورة معرفة القيمة التي خرجت فعلياً من ذمة المصرف عندما استوفى قرضاً بواسطة شيك مصرفي، لأنه من غير الجائز إحتساب إنخفاض سعر قيمة الشيك في السوق كخسارة مصرفية، لا سيما أنّ القيمة الإسمية للشيك كانت تمثل ديناً مصرفياً قائماً، وأنّ الشيك دخل في النظام المصرفي وخضع للتسوية والمقاصة.
أليس من البديهي القول إنّه يجب الفصل بين ثلاث عمليات مختلفة لا يمكن دمجها أو الخلط بينها، الأولى تتعلق بالقيمة الأصلية للوديعة المسجلة في المصرف، والثانية تتعلق بقيمة بيع الشيك المصرفي بين المودع والمشتري، والثالثة تتعلق بعملية إستعمال الشيك لاحقاً لتسديد قرض أو إلتزام مصرفي. لأن الخلط بين هذه العمليات يؤدي إلى تظهير خسارة المودع على أنها خسارة تلقائية للمصرف، وهذا الأمر يحتاج إلى إجراء محاسبة مستقلة تشتمل على ما يلي:
أولاً: أن تأخذ بعين الإعتبار أن القيمة الإسمية للشيك ليست هي الثمن الذي باعه به المودع، وتأكيداً على ذلك نضرب المثل التالي، إذا كان للمودع وديعة مصرفية مقدارها ١٠٠،٠٠٠ دولار، وأصدر له المصرف شيكاً مصرفياً بالقيمة نفسها، فإن القيمة الإسمية للشيك تبقى ١٠٠،٠٠٠ دولار. أما إذا اضطرّ المودع إلى بيع هذا الشيك لشخص آخر مقابل ٢٠،٠٠٠ دولار أو ٣٠،٠٠٠ دولار نقداً، فإن مبلغ الـ ٢٠،٠٠٠ أو الـ ٣٠،٠٠٠ دولار هو ثمن تداول الشيك في السوق وليس قيمته الإسمية. وعليه يجب التمييز بين القيمة الإسمية للشيك البالغة ١٠٠،٠٠٠ دولار وبين القيمة التي رضي المشتري بدفعها للحصول على الشيك البالغة ٢٠،٠٠٠ دولار أو ٣٠،٠٠٠ دولار. فالفرق بين الرقمين يمثل من الناحية الإقتصادية خصماً أو حسماً في عملية انتقال الشيك من حامله إلى المشتري. وهذا الخصم وقع على عاتق صاحب الشيك لا على المصرف. وعليه لا يكفي مجرد إنخفاض سعر تداول الشيك للقول إنّ المصرف تكبد خسارة بهذا المقدار.
ثانياً: أن تأخذ بعين الإعتبار أن الشيك المصرفي كان يمثل ديناً مصرفياً قائماً، بدليل أنه إذا كان المصرف قد أصدر شيكاً مصرفياً بقيمة ١٠٠،٠٠٠ دولار مقابل إقتطاع هذه القيمة من حساب المودع أو مقابل إلتزام مصرفي قائم، فإن الشيك لم ينشأ من فراغ، بل إنه يمثل في جوهره قيمة مالية كانت مرتبطة بعلاقة مصرفية سابقة، وبالتالي فإنّ القول إن المودع باع الشيك لاحقاً مقابل ٢٠،٠٠٠ دولار لا يعني أن المصرف إستوفى منه أو دفع له ٢٠،٠٠٠ دولار فقط، إنما المصرف أصدر شيكاً بقيمة إسمية تبلغ ١٠٠،٠٠٠ دولار، وعندما يتم تسديد قرض بهذا الشيك يعني أن المصرف أطفأ ديناً بقيمة ١٠٠،٠٠٠ دولار لا بقيمة ٢٠،٠٠٠ دولار. وتأكيداً على ذلك نضرب المثل التالي، إذا كان القرض المثبت في سجلات المصرف يبلغ ١٠٠،٠٠٠ دولار، وقُبل الشيك بقيمته الإسمية لتسديد هذا القرض، فإن العملية المحاسبية الظاهرة هي إطفاء دين بمقدار ١٠٠،٠٠٠ دولار. أما واقعة أن حامل الشيك الأول قد حصل عليه لاحقاً من شخص آخر لقاء مبلغ أقل، فهي واقعة تقع في مرحلة أخرى من مراحل تداول الشيك.
ثالثاً: أن تأخذ بعين الإعتبار أن المودع الذي باع الشيك لا يتحمل وحده بالضرورة كامل الأثر الإقتصادي للعملية، ولكن خسارته لا تعني خسارة المصرف، كون المودع الذي باع شيكاً مصرفياً بقيمة إسمية تبلغ ١٠٠،٠٠٠ دولار مقابل ٢٠،٠٠٠ دولار يكون قد تنازل إقتصادياً عن جزء كبير من القيمة التي يمثلها الشيك. لكن هذا لا يعني أن المصرف حصل على ٢٠،٠٠٠ دولار فقط. فالشيك بقي يحمل قيمة إسمية مقدارها ١٠٠،٠٠٠ دولار، وقد انتقل إلى شخص آخر أصبح قادراً على إستعماله في معاملة أخرى، ومن بينها تسديد قرض مصرفي. وهنا تظهر أهمية الدورة المصرفية للشيك، فإذا استعمل المشتري الشيك نفسه لتسديد قرض لدى مصرف آخر، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالمبلغ النقدي الذي دفعه المشتري للمودع، وإنما بالكيفية التي تمت بها تسوية الشيك بين المصارف.
رابعاً:أن تأخذ بعين الإعتبار المقاصة المصرفية التي هي العنصر الحاسم في فهم حقيقة العملية، كون النظام المصرفي لا يتعامل مع كل شيك على أنه معاملة نقدية مستقلة بين شخصين. إنما الشيكات المسحوبة على مصارف مختلفة تدخل بحسب الحالة في آليات المقاصة والتسوية بين المصارف. ومن المعروف أنه يوجد لدى مصرف لبنان غرفة مقاصة للشيكات، ومنذ ١٦ آذار ٢٠٢١ حُصرت مقاصة الشيكات بها، مع الإشارة إلى أن البيانات تشمل الشيكات المحصّلة وعمليات الدفع المباشر. عدا أن إستخدام الشيكات كان مرتبطاً بدرجة كبيرة بعمليات الحسم وتسديد التسليفات، وأن بعض الشيكات لا يدخل غرف المقاصة وإنما تتم تسويته مباشرة داخل المصرف المعني. وهذه الواقعة لها أهمّية كبيرة، لأنّه إذا كان هنالك شيك مصرفي بقيمة إسمية تبلغ ١٠٠،٠٠٠ دولار، تمّ إستعماله لتسديد قرض مصرفي بقيمة ١٠٠،٠٠٠ دولار، فإنّ مجرّد كون الشيك قد اشتُري في السوق من مودع بمبلغ ٢٠،٠٠٠ دولار، لا يثبت أن المصرف الذي استوفى القرض تلقى ٢٠،٠٠٠ دولار فقط، بل للوقوف على الحقيقة ولحسم المسألة محاسبياً يجب تحديد المصرف المسحوب عليه الشيك، وتحديد قيمة الشيك الإسمية وتحديد المصرف الذي أودع فيه الشيك وتحديد كيفية تسجيله محاسبياً ومعرفة ما إذا دخل في المقاصة وتحديد كيفية إجراء التسوية بين المصرفين والإطلاع على القيد الذي أجري على حساب القرض.
خامساً: أن تأخذ بعين الإعتبار إستحالة تقبّل مقولة خسارة المصارف في ظلّ أنّ قيمة الشيكات كانت قد أودعت لديها أصلاً بالقيمة الإسمية. وعليه نعود ونكرّر لتأكيد المؤكّد بأنّ الخسارة التي حصلت بين المودع والمشتري لا يجوز تحويلها تلقائياً إلى خسارة مصرفية. بدليل أنه إذا كان الشيك المصرفي بقيمة ١٠٠،٠٠٠ دولار وقد صدر مقابل قيمة مصرفية قائمة، ثمّ جرى تداوله بين الأشخاص، ثم عاد إلى الجهاز المصرفي لتسديد قرض بقيمة ١٠٠،٠٠٠ دولار، فإنّ القول إنّ المصرف خسر ٨٠،٠٠٠ دولار لمجرد أن الشيك بيع في السوق مقابل ٢٠،٠٠٠ دولار يحتاج إلى تفسير والى تدقيق محاسبي. لأنّ المصرف لا ينظر إلى السعر الذي دفعه آخر شخص للحصول على الشيك، بل ينظر إلى القيمة التي تسلمها في إطار التسوية المصرفية (التي حصلت خلالها تسديدات نقدية بالإضافة إلى الشيكات المصرفية)، وينظر إلى أثرها على حساباته وإلتزاماته وحقوقه. وهنا يجب على المعنيين التثبّت من القيود المحاسبية للمصارف، والتأكد مما إذا كان هنالك مصارف تحملت خسائر وتحديد المصارف التي جنت الأرباح، كيف إذا علمنا أنّ هنالك مصارف أغرقت السوق بشيكات مصرفية قد تكون هي من أسهمت في انخفاض قيمة الشيكات المصرفية وشجّعت على التعامل بها.
سادساً: ان تأخذ بعين الإعتبار أن تسديد القرض بالشيك المصرفي قد يؤدي إلى إطفاء أصل الدين، وتأكيداً لذلك دعونا نفترض أن هنالك قرضاً قائماً تبلغ قيمته ١٠٠،٠٠٠ دولار، وأنّ هنالك مودعاً سحب وديعته البالغة ١٠٠،٠٠٠ دولار بموجب شيك مصرفي، وأن مشتري الشيك حصل على الشيك من المودع مقابل مبلغ ٢٠،٠٠٠ دولار، والمشتري سلم الشيك للمصرف لتسديد قرضه البالغ ١٠٠،٠٠٠ دولار، وأن المصرف قبل الشيك وسجل في حساب القرض إطفاء مبلغ ١٠٠،٠٠٠ دولار. مما يعني إن القيمة التي أطفأت القرض هي القيمة الإسمية للشيك المصرفي، وعليه هل دفع المصرف مبلغ ١٠٠،٠٠٠ دولار نقداً مقابل هذا الشيك، إذا كانت الإجابة بالنفي وهي كذلك، فلا يصحّ عندها إفتراض وجود خسارة نقدية مقدارها ٨٠،٠٠٠ دولار دون تحديد القيد المقابل. ولهذا لا بدّ من إجراء خبرة محاسبية مصرفية على العمليات الفعلية بدلاً من الإكتفاء بالتحليل النظري لسعر تداول الشيكات، وحتماً ستتكشف الحقيقة وربما تتكشف أمور أخرى.
سابعاً: أن تأخذ بعين الإعتبار تدهور سعر صرف الدولار الذي لا يكفي بذاته لإثبات خسارة المصارف، بل يجب التمييز بين مسألة إنخفاض قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار ومسألة الخسارة المحاسبية التي تكبدها المصرف نتيجة عملية محددة. فليس كل تغيّر في سعر الصرف يؤدّي تلقائياً إلى خسارة مصرفية. فكيف إذا أخذنا بعين الإعتبار أنه استناداً إلى تعاميم مصرف لبنان، أن قروض التجزئة المحررة بالدولار كان يقبل تسديدها بالليرة اللبنانية وفق السعر الذي تتعامل به المصارف مع مصرف لبنان، بينما القروض الأخرى كان يقتضي تسديدها بعملة القرض أو اعتماد سعر الصرف الذي يسمح بإعادة تكوين قيمتها من خلال شراء ما يعادلها من مصرف لبنان، وبالتالي فإنّ تحديد الخسارة في حال وجودها يحتاج إلى معرفة العملة، والسعر المعتمد، وتاريخ العملية، وطريقة القيد، وطبيعة القرض، ومصدر أداة الدفع.
ثامناً: أن تأخذ بعين الإعتبار واقعة منع أو تقييد إستعمال الشيكات خارج لبنان الذي أعطى طبيعة مختلفة للشيكات المصرفية. حيث إنّ الإجراءات المصرفية والقرارات والتعاميم الصادرة خلال الأزمة أظهرت تشدداً متزايداً في عمليات السحب والتحويل واستعمال الأدوات المصرفية، وصولاً إلى التعامل مع الشيكات المصرفية ضمن إطار النظام المصرفي اللبناني فقط، وليس بإعتبارها نقوداً قابلة للتحويل الحر إلى الخارج. وما حصل لهذه الناحية مهم من الناحية الإقتصادية، لأنّ انخفاض سعر الشيك في السوق لم يكن بالضرورة إنعكاساً لانخفاض قيمته الإسمية، وإنما إرتبط بدرجة كبيرة بقيود إستعماله والسيولة المتاحة وإمكانية تحويله إلى أموال نقدية أو تحويلات خارجية. وبالتالي يجب ألا نخلط بين القيمة الإسمية للحق المصرفي وبين القيمة التي يستطيع حامل هذا الحق تحقيقها فوراً في السوق.
تاسعاً: أن تأخذ بعين الإعتبار أن المصرف الذي يقبل الشيك لتسديد قرض لا يكون بالضرورة قد اشترى الشيك بسعر السوق. فهنالك فرق جوهري بين عملية شراء الشيك وبين عملية قبول الشيك وفاءً لدين مصرفي. فإذا إشترى شخص شيكاً بقيمة ١٠٠،٠٠٠ دولار لقاء ٢٠،٠٠٠ دولار، فهذه عملية بيع وشراء بين طرفين. أما إذا سلّم المشتري الشيك لاحقاً إلى مصرفه لتسديد قرض بقيمة ١٠٠،٠٠٠ دولار، فهذه عملية وفاء بالدين. فلا يجوز دمج العمليتين في عملية واحدة دون إثبات أن المصرف كان طرفاً فيها أو استفاد منها أو تحمل خسارتها.
عاشراً: ان تأخذ بعين الإعتبار الأدلة التي تتوصل إليه الخبرة المحاسبية والمصرفية الشاملة من خلال تمحيص كل شيك مصرفي مستعمل في تسديد قرض مصرفي كأن تذكر رقم الشيك والمصرف المصدر وتاريخ الإصدار والقيمة الإسمية والحساب الذي صدر الشيك على أساسه وصاحب الحساب الأصلي وتاريخ إقتطاع قيمة الشيك من الحساب والجهة التي أودعت الشيك لاحقاً، والمصرف الذي قدم إليه الشيك للتحصيل، وطريقة تسوية الشيك، وما إذا دخل في المقاصة والقيد المحاسبي الذي أجراه المصرف المستفيد وقيمة القرض قبل التسديد وقيمة القرض بعد التسديد، وقيمة الفوائد والعمولات والمبالغ الإضافية إن وجدت، والقيد المقابل في حساب المصرف، وما إذا كان المصرف قد دفع أموالاً نقدية أو أموالاً جديدة مقابل الشيك، وما إذا كان المصرف قد تكبد فعلاً أيّ فرق بين القيمة الإسمية للشيك والقيمة التي دفعها للحصول عليه وتحديد عدد الشيكات وقيمتها التي أغرقت بها بعض المصارف السوق من حسابات مشكوك بأمرها.
حادي عشر: يجب التفريق بين خسارة المودع وخسارة المصرف، إذ إن الخلط بين هاتين المسألتين هو أصل الإشكال. قد يكون المودع قد خسر إقتصادياً عندما اضطرّ إلى بيع شيك بقيمة إسمية مرتفعة لقاء مبلغ نقدي منخفض، ولكن من هذه الواقعة لا يمكن إستنتاج أن المصرف تكبد الخسارة نفسها. فإذا كان المودع قد باع شيكاً قيمته الإسمية ١٠٠،٠٠٠ دولار مقابل ٢٠،٠٠٠ دولار، ثمّ استعمل المشتري الشيك بقيمته الإسمية لتسديد قرض، فإنّ السؤال عن الخسارة يجب أن يوجّه إلى الطرف الذي تحمّل الفرق إقتصادياً، لا أن يُفترض مسبقاً أنّ المصرف تحمّل هذا الفرق. وهنا ينبغي تحديد المسار الكامل للقيمة من خلال التطرق إلى الوديعة والى إصدار الشيك والى بيع الشيك والى إنتقاله إلى حامله الجديد، وإلى إيداعه وتقديمه للتحصيل، وإلى المقاصة أو التسوية وإلى إطفاء القرض. وعليه فقط بعد إعادة بناء هذه الدورة يمكن تحديد الطرف الذي تحمل الخسارة الفعلية.
خلاصة: إن النتيجة التي يمكن إستخلاصها من أن انخفاض سعر تداول الشيك المصرفي في السوق اللبنانية لا يشكّل بذاته دليلاً على أن المصارف اللبنانية تكبدت خسارة مساوية للفارق بين القيمة الإسمية للشيك وسعر تداوله. فالقيمة السوقية للشيك شيء، والقيمة الإسمية المسجلة عليه شيء آخر، والقيمة التي جرى بها إطفاء القرض شيء ثالث. فإذا ثبت أنّ الشيك صدر بقيمته الإسمية، وأن قيمته إقتطعت أو كانت ممثلة بالتزام مصرفي قائم، وأنه انتقل لاحقاً إلى شخص آخر مقابل سعر سوقي منخفض، وأنه عاد إلى النظام المصرفي بالقيمة الإسمية، وأنّ المصرف إستعمله لإطفاء قرض بالقيمة الإسمية، وأنّ عملية المقاصة أو التسوية تمت وفق الأصول المصرفية، وأنّ المصرف لم يدفع مقابله نقداً القيمة الإسمية، وإنما إستوفى به ديناً قائماً، فإنّ مجرّد إنخفاض سعر الشيك في السوق لا يكفي لإثبات أن المصرف تكبد خسارة تعادل ذلك الإنخفاض. وبالتالي فإن البحث في المسؤولية المالية للمصارف اللبنانية خلال الأزمة لا يجوز أن تقوم على الإنطباع بأن كل خسارة أصابت المودع تحولت حكماً إلى خسارة مساوية أصابت المصرف. فالعملية المصرفية أكثر تعقيداً من ذلك، والمعيار الذي ينبغي إعتماده هو حركة القيمة الفعلية في القيود والحسابات المصرفية، فالشيك الذي قيمته الإسمية ١٠٠،٠٠٠ دولار لا يصبح من الناحية المصرفية شيكاً بقيمة ٢٠،٠٠٠ دولار لمجرد أن حامله إضطر إلى بيعه بهذا السعر. كما أن المصرف الذي إستوفى قرضاً بهذا الشيك لا تثبت خسارته بمقدار ٨٠،٠٠٠ دولار إلا إذا أثبتت قيوده وحساباته أن هذا الفرق خرج فعلياً من ذمته أو انعكس خسارة محاسبية عليه. وبالتالي فإن القضية لا ينبغي أن تُحسم بسؤال بكم باع المودع الشيك، بل بالسؤال الأكثر دقة بأي قيمة دخل الشيك إلى النظام المصرفي؟ وكيف تمت تسويته؟ وما هو القيد الذي أطفأ به القرض؟ ومن هو الطرف الذي تحمل فعلياً الفرق بين القيمة الإسمية والقيمة السوقية؟ وهذا هو السؤال الذي يمكن أن تحسمه الخبرة المصرفية والمحاسبية الواجب البدء بها سواء من قبل مصرف لبنان إن كان يمكنه ذلك في ظل أنه طرف، أو من قبل السلطات القضائية المختصة، بدل انتظار صدور قانون يمكّن المصارف من عدم إخضاعها للتدقيق والمحاسبة ويعفها من المحاسبة القضائية والمالية ويحمّل المسؤولية للمودع. وبذلك يمكن القول إنّ هذا المنهج هو الذي يحوّل المسألة من جدل إقتصادي عام إلى واقعة محاسبية قابلة للإثبات أمام القضاء بواسطة الخبرة والمستندات والقيود المصرفية.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/9/29

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!