علم وخبر

قانون العفو العام بين الرقابة الدستورية وحدود التشريع/محمد المراد

النقيب محمد المراد:
لا خلاف على أن قانون العفو العام رقم 2026/70 قد شابته ثغرات قانونية ودستورية جدية، استوجبت تدخل المجلس الدستوري. لكن القرار رقم 2026/12 الصادر بتاريخ 12 تشرين الأول 2026، وإن سعى إلى معالجة هذه الثغرات، أثار بدوره تساؤلات لا تقل أهمية حول حدود صلاحيات القضاء الدستوري، ومدى جواز الانتقال من مراقبة دستورية النص إلى إعادة صياغة أحكامه تحت عنوان التحفظات التفسيرية الملزمة.
فالمجلس الدستوري، وهو المؤتمن على حماية الدستور، لا يجوز أن يتحول إلى مشرّع موازٍ، كما أنّ تصحيح أخطاء السلطة التشريعية لا ينبغي أن يتم على حساب مبدأ الفصل بين السلطات.
أولاً: التحفظات التفسيرية وحدود الاختصاص
إن تفسير النص القانوني بما يجعله منسجماً مع الدستور أمر معروف في الاجتهاد الدستوري المقارن، غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتجاوز التفسير حدود إزالة الغموض، ليصل إلى فرض شروط وأحكام تنتج مفاعيل تشريعية جديدة.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: أين تنتهي صلاحية القاضي الدستوري في تفسير القانون، وأين تبدأ الصلاحية الحصرية لمجلس النواب في تعديله؟
ثانياً: التفاوت في تخفيض العقوبات المؤبّدة
أوجد القرار تمييزاً بين المحكومين أصلاً بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، التي تصبح 17 سنة سجنية، وبين المحكومين بالإعدام الذين استُبدلت عقوبتهم بالأشغال الشاقة المؤبدة بموجب القانون رقم 2026/68، فتصبح عقوبتهم 28 سنة سجنية.
وإذا كان اختلاف الأساس القانوني للعقوبتين يتيح تبرير هذا التفاوت، فإن تحديد مفاعيله بهذه الصورة يثير نقاشاً مشروعاً حول حدود التفسير القضائي، ولا سيما بالنسبة إلى محكومين ينفذون عقوباتهم فعلياً داخل السجون، وكانت أحكامهم منذ البداية تقضي بالأشغال الشاقة المؤبدة.
ثالثاً: جرائم المخدرات ومفارقة التكرار
إن حصر مفهوم التكرار بشروطه القانونية المنصوص عليها في قانون العقوبات، ولا سيما اشتراط الحكم السابق المبرم، قد يفضي عملياً إلى استفادة نسبة عالية من مرتكبي جرائم المخدرات الذين تتعدد ملاحقاتهم أو صدرت بحقهم أحكام غيابية، من دون أن تتوافر بحقهم شروط التكرار بالمعنى القانوني الدقيق.
وهكذا قد يستفيد من العفو من ارتكب أفعالاً جرمية متعددة، فيما يُستثنى العسكريون وعناصر المؤسسات الأمنية من جميع جرائم المخدرات، بما فيها الزراعة، بصرف النظر عن تفاوت خطورتها.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى التساهل مع العسكريين، بل إلى اعتماد معايير عادلة ومتناسبة مع جسامة الأفعال، تحول دون تحويل العفو إلى منفذ للإفلات من العقاب.
رابعاً: الحق الشخصي بين إنصاف الضحايا وخطر المساومة
إن اشتراط إسقاط الحق الشخصي للاستفادة من تخفيض العقوبة في بعض جرائم القتل، رغم مشروعية غايته في حماية الضحايا، يثير إشكاليات عملية، وخصوصاً أمام القضاء العسكري الذي لا يفصل في التعويضات المدنية.
فربط تخفيض العقوبة بإرادة المتضرر، من دون ضوابط واضحة، قد يحوّل الإسقاط من ضمانة للحقوق إلى أداة للمساومة المالية، ويجعل الاستفادة من القانون متفاوتة تبعاً للقدرة على الحصول عليه.
خامساً: الموقوفون الإسلاميون… المفارقة الأكثر إيلاماً
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بالموقوفين والمحكومين الإسلاميين، الذين شكّلت معاناتهم الطويلة أحد أبرز الدوافع لإقرار قانون العفو.
فمن غير المقبول أن تتسع دائرة المستفيدين لتشمل فئات عديدة، فيما يبقى بعض هؤلاء، ممن أمضوا سنوات طويلة في التوقيف أو ينفذون أحكاماً قاسية، أمام استفادة محدودة أو مشروطة.
وهنا تكمن المفارقة الحقيقية: أن يستفيد من العفو من لم يكن معنيّاً أساساً بالدوافع الإنسانية التي أملت إقراره، بينما يبقى بعض من استُحضر إنصافهم لتبريره خارج نطاق الاستفادة الفعلية منه.
وفي الختام: إعادة المعالجة إلى مجلس النواب
إن حماية الدستور لا تكون بتجاوز حدوده، وتقويم انحراف المشرّع لا يبرر الحلول محله.
والمخرج القانوني والمؤسساتي السليم يقتضي المبادرة إلى تقديم اقتراح قانون أو مشروع قانون معجّل لتعديل قانون العفو العام رقم 2026/70، يعالج ثغراته في ضوء المبادئ الدستورية والمفاعيل الملزمة لقرار المجلس الدستوري، ويعيد ضبط شروط الاستفادة منه، ولا سيما في جرائم المخدرات وتخفيض العقوبات والحقوق الشخصية، مع إعطاء الأولوية لمعالجة أوضاع الموقوفين والمحكومين الذين استدعت معاناتهم إقرار هذا القانون.
فلسنا أمام خيار بين العفو والعقاب، بل أمام مسؤولية تحقيق العدالة: إنصاف من يستحق، وحماية المجتمع من الإفلات من العقاب، وصون التوازن بين السلطات.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/10/14

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!