أبحاث ودراسات

الإشكالية في القانون الجديد للإيجارات بين النص والتطبيق/ريما شبارو

القاضي المتقاعدة الدكتورة ريما شبارو:
تعود برأينا تلك الإشكالية لعوامل أخصها:
عدم وجود القدرة المادية على مواكبة ما أفضى اليه التشريع الجديد، ونعني به ما عرف أو سمّي بـ الصندوق المتصل بقيام الحكومة وسعيها وقتذاك للسير بآن معًا ما بين أسس وعناصر تطبيق النص الجديد، وما بين إيجاد عوامل مساعدة للبعض من المستأجرين ممن يكون بإمكانهم الإفادة من تقديمات الصندوق الاجتماعي الخاص بقضايا الإيجارات والمتذرّع به، وعلى النحو الذي سوف نوضحه تباعًا.
وأيضا وهذا هو الأهمّ، عدم مواكبة ذلك التشريع (منذ العام ٢٠١٤) لوجود اللجان المختصة ولغاية الآن، وعدم وجود الآلية لتنفيذ ما قضى به القانون لتلك الجهات. لا عجب ان أفضى لحصول تناقضات واختلافات عديدة بين المحاكم المختصة لتلك النواحي والتي اختلفت ليس فقط ما بين محافظة وأخرى، لا بل ضمن الاطار الجغرافي لذات المحافظة.
وهنا سوف نركز البحث بحصول الاختلاف الذي طال القانون من مختلف جوانبه وأخصها الآتي:
– أوّلًا: لناحية الإنذار لعدم الدفع.
– ثانيًا: في ما خص البحث بما سمّي أو عرف بـبدء انطلاق السنوات التمديدية.
– ثالثًا: في ما خصّ موضوع الإفادة القلمية وإعطاء أهمية بغير محلّها برأينا لتلك الناحية، وعلى النحو الذي سوف نبيّنه تباعًا.
– رابعًا: في ما خص طرق وأسس وآلية الاحتساب بالنسبة لموضوع الاسترداد وأثر الإشكالية الحاصلة بالقانون الجديد لتلك الجهة أيضًا.
إذن، نبحث بإيجاز كلّي تلك النقاط الجوهرية في ما يلي:
أوّلًا: الإنذار بعدم الدفع:
هنا لا مجال للقول برأينا، بالإسقاط من حق التمديد القانوني. لماذا؟ لأنّه للإسقاط من حقّ التمديد، ينبغي أن يكون الإنذار قد تناول المبالغ المحدّدة والمنصوص عنها بالقانون.
من يملك عند الاختلاف بين المؤجر والمستأجر تحديد البدلات المتوجبة؟
إنّها اللجنة غير الموجودة أساسًا بتاريخ سابق لذلك الإنذار بعدم الدفع. ويختلف الأمر بحال حدوث اتفاق بين الفرقاء خال من أيّ نزاع، كما وتختلف هنا النظرة لتلك المسألة شرط أن يكون الاتفاق برأينا بخصوص البدل المتوجّب خاليًا من أيّ عنصر من عناصر التنازع الجدّي المفضي لردّ الدعوى المتصلة بالإنذار لعدم الدفع.
ثانيًا: نقطة انطلاق السنوات التمديدية:
وهنا لبّ وجوهر البحث. البعض من المحاكم إعتبر أنّها تنطلق من العام ٢٠١٤، والبعض الآخر منذ العام ٢٠١٧.
كما وأنّنا برأينا الخاص، نعتبر أنّ البنود المتصلة بقضايا الإيجارات لا يمكن أن تتجزأ. بمعنى أنّه لا يمكن للباحث أن يعمد لاختيار بند ما أو نصّ ما، وتجاهل باقي البنود والنصوص. (حول ذلك راجع اجتهاداتنا العديدة الصادرة لتلك الجهة وأخصها بهذا السياق وآخرها القرار الصادر عنا بتاريخ 2025/4/28، حيث اعتبرنا أنّه لا يمكن أبدًا، تجاهل أو اغفال القانون الأخير الصادر عام ٢٠١٧ حيث اختلفت وقتذاك الآراء بين المحاكم. لتلك الجهة اعتبرت بعض المحاكم أنّ المهلة تحتسب من عام ٢٠١٤، في حين اعتبر الآخر وعن حقّ أنّه لا يمكن إغفال القانون الأخير للإيجارات الصادر عام ٢٠١٧ وما نص عليه لتلك الجهة).
النقطة الثالثة: مسألة قيام بعض المحاكم كما بعض الآراء بالسعي للقول بأنّه على من يتذرّع بأنّه من عداد المستفيدين من الصندوق السعي للإتيان بإفادة قلمية بهذا الخصوص.
برأي الخاص، إعتبر أنّه لا مجال للقول أبدًا أو لربط تلك الإفادة بمسألة الإفادة من الصندوق لسببين إثنين:
لأنّه للإفادة من ذلك، يجب أن يكون الصندوق يعمل وموجودًا، وليس مجرّد حبر على ورق، إنْ جاز القول أو التعبير، ووجوب أيضًا توافر الآتي:
– مواكبة وجود وارتباط الصندوق بلجنة قائمة لمعرفة وتحديد وتوضيح أسس تلك الإفادة ومقوّماتها، وصولًا للقول بعد ذلك، وعلى ضوء حالة المستأجر أو المستفيد من حقّ التمديد بمدى إمكان الإعراب عن رغبته أو إمكانيته باللجوء لذاك الصندوق. هنا لا يمكن أبدًا القول بضرورة أو وجوب الحصول على أيّ إفادة قلمية التي تكون إزاء ما تقدّم، فارغة من مضمونها، ومجرّد مولود أو وليد لولادة قيصيرية، إن جاز القول لوالد أو والدة غير معروفي الهوية ولم يتواجدا بعدُ ضمن نطاق مكاني وزماني محدّد ومعروف، ولا يكفي التذرّع بنصوص أو حتى بمراسيم تشريعية لم ترَ النور.
وحيث نرى مع ذلك أنّ مجرّد النصّ على تلك الإفادة لا بدّ أن يكون مربوطًا بآلية وأسس ومعطيات وأسباب وجودها أو حصولها، فإن انعدمت تلك الأسباب، إنعدمت دواعي أو أسس أو أسباب اللجوء، كما فعل البعض من المحاكم، حيث قامت بعض الاجتهادات لترتيب الإسقاط أو الحرمان من التذرّع باستفادة المستأجر من الصندوق، وقضت بالإسقاط من الحقّ بالتمديد، بحجّة عدم القيام وضمن آجال محدّدة بالاستحصال على الافادة القلمية لتلك الجهة.
وأرى أنّ هذا لا يتفق بتاتًا، لا مع جوهر التشريع، ولا مع ما ذكرناه أعلاه، خصوصا لناحية عدم امكانية التجزئة بين نصّ وآخر.
فالإفادة هنا، تكون عن شيء حسّي موجود، ويجب أن تقدّم لقلم لجنة فاعلة موجودة وتقوم بأعمالها وتصدر القرارت.
وحيث برأينا، فإنّ ما قد صدر هنا بخلاف ما تقدّم مرتّبًا النتائج التي نراها بغير محلّها القانوني، وبقي بالتالي، أمرًا غير حري بالقبول، ولا يقع ضمن نطاقه القانوني بتاتًا.
وأمّا النقطة الرابعة، في هذا السياق، فتتصل بالجوانب والمسائل الأخرى المتعلقة بمسألة الإلزام بدفع ما يسمّى بدلات المثل والمحكمة، أو اللجنة المختصة بهذا الشأن.
الإلزام هنا أساسًا، يجب أن تحدّده اللجنة المختصة، فإذا لم يحدّده المرجع القضائي المختص، لا يكون إلزامًا، بل لا بدّ من توافق صريح وواضح وجدّي بين المتداعين يسبق تبلّغ الإنذار، فإن لم يتحقّق ذلك، كان مصير الدعوى الردّ، وهذا هو رأينا الخاص لتلك الوجهة بالذات، ليس فقط لعلّة التنازع بخصوص البدلات المطالب بها المفضي للردّ، بل لعلّة عدم وجود آلية تحديد البدل المتوجّب لتلك الجهة وتبعًا للنحو المذكور أعلاه.
وأيضًا يضاف لما تقدّم، وبوجه أخصّ لعلّة عدم وجود الصندوق واللجان المعنية بتحديد البدلات وصولًا للتوصل من معرفة أسس احتساب البدلات المتوجبة الدفع، ولعلّة بالتالي، وجوب محاسبة المستأجر بفعل تقصير حصل من قبله، فإن انعدمت آلية وأسس ومعايير تلك المطالبة، إنعدمت إمكانية القول بأيّ تقصير أو إغفال حصل من قبل المستأجر لتلك الجهة على وجه الخصوص. كلّ ذلك بدوره، يأتي نتيجة لما أوردناه في ما سبق لناحية القول والتشديد على وجوب عدم التجزئة بين نصّ وآخر من نصوص ذات القانون موضوع البحث الراهن وتبعًا لما تمّ شرحه أعلاه.
وللبحث تتمة لتلك الجهات.
ومع التنويه في آن معًا، أنّه برأينا، يتعذّر حتّى السعي للإسترداد سواء للضرورة العائلية، أو الهدم وإعادة البناء – في ما لو أردنا التقيّد بحرفية النص. لماذا؟ لأنّ بدل المثل، موضوع البدلات المتصلة بأسس التخمين وأدواته، يجب أن تكون محدّدة سلفًا من قبل اللجنة، ولأنّه، وبالمقابل، لا يمكن للمالك لو أراد حسم المبالغ المطلوبة موضوع الاسترداد من قبل البدلات المترتّبة على المستأجر بهذه الحالة تبعًا لعدم انطلاق عمل اللجان المختصة، ولعدم تكوّنها أو الانطلاق بعملها وبتاريخ سابق للمطالبة بهذه الحالة بالإسترداد سواء أكان للضرورة العائلية أو حتّى للهدم ولإعادة البناء.
ونرى بالتالي، أنّه وفي الإطار عينه، يجب أيضًا ألّا يغفل الباحث، مسألة عدم جواز القول بسقوط حقّ المالك من المطالبة بالبدلات بمرور الزمن طالما أنّه هنا لأحقّية المطالبة أو لتمكين المالك من حقّ المطالبة يجب أن تكون قد تهيأت وتوضّحت أسس المطالبة وإمكانية المطالبة والآلية المتصلة بها، فإن انعدمت تلك الآلية أو انعدمت الإمكانية إن جاز التعبير لتلك المطالبة، إنعدم برأينا الخاص، إمكان القول بسقوط البدلات بمرور الزمن، لأنّ البدلات، وإن كان بالأصل أنّه لا يجوز (القول بالنسبة لمرور الزمن على المطالبة) بخصوص المطالبة بها أنّها لا تقبل أيّ قطع أو تعليق في ما خصّ المطالبة بها، إلّا أنّه بحال ارتبط ذلك الإرتباط العضوي لناحية أسس انطلاقها أو تحقّقها وتعذّر معرفتها أو تقديرها تعذّر بالوقت عينه اللجوء للقول بمرور الزمن في ما خصّ المطالبة بالبدلات المترتّبة الدفع، وهنا برأينا لا يكون بالإمكان القول بتاتًا بمرور الزمن على المطالبة لتعذّر، لا بل لاستحالة أسس وقواعد المطالبة، وتبعًا للنحو المشروح أعلاه.
وهنا نصل إلى نقطة هامة جدًّا تتصل برأينا وتتعلّق كما قد يظنّ البعض أيّ لجهة القول بوجوب افتراض تدخّل المشترع من أجل جلاء بعض النقاط أو إجراء التعديلات الواجبة وبرأيي الخاص لتلك الناحية من أجل إيجاد حلّ أو مخرج، لأنّه لم يعد أبدًا برأينا التعديل، بعدما فات الأوان إنقضت أكثر من ١٣ أو قاربت الـ ١٤ عامًا على صدور القانون وقبل ذلك على حصول الفراغ التشريعي.
وهنا نصل لمحاولة إبداء توصية بهذا السياق:
برأينا وبكلّ بساطة وتواضع وموضوعية في آن معًا، لا بدّ من إيجاد قانون لا يربط بين صندوق لم ير النور، أو ما بين لجان قضائية، ولا يربط بالتالي، القانون بشرطين أساسيين بقيا حبرًا على ورق، بل لا بدّ من إيجاد قانون يقول بإعطاء أو اللجوء للحرّية التعاقدية بصورة تبيح الخلوص لإنصاف المستأجر والمؤجّر في آن معًا كأن يعطى المستأجر فقط ثلاث سنوات لتمكينه من الإخلاء، ولكن أن يترافق ذلك، وفي الوقت عينه مع وجوب الإلزام بهذه الحالة بدفع البدل العادل والمعادل للبدل الحالي، على أن يقوم الخبير المتفق عليه بين المؤجّر والمستأجر، أو الفرقاء المتعاقدين، على تحديده وبصورة عادلة إن جاز التعبير، وباتفاق ثنائي بينهما، ثمّ وبعد ثلاث سنوات، إمّا الإخلاء الفوري، وإمّا الاتفاق على بدل يحدّد، أيّ يترك الأمر لجهة تحديده للمؤجّر منفردًا، فإنْ لم تحصل الموافقة من المستأجر، يكون عليه الإخلاء فورًا، ويحصل ذلك دون مهلة.
وفي حال، إذا لزم الأمر اللجوء للمحاكم، بموجب بالتالي، القرار الابتدائي والذي لا يقبل إلّا الإعتراض عليه أو الطعن به فقط أمام محكمة الاستئناف وفي خلال مهلة الأسبوعين وضمن إتاحة المجال للقاضي بتقصير المهل أيضًا.
وللبحث الراهن تتمة.
“محكمة” – الأحد في 2026/11/8

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!