«سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية» قراءة قانونية في اشكالية التكرار في جنايات المخدرات في قانون العفو العام/هيثم عزو
الدكتور المحامي هيثم عزُّو (أستاذ محاضر في كليات الحقوق في الجامعة اللبنانية):
عقب صدور قرار المجلس الدستوري بشأن الطعن بقانون العفو العام، عقدَ بتاريخ 2026/10/12 رئيس المجلس، القاضي طنوس مشلب، مؤتمراً صحفياً تناول فيه مدلولات القرار، وأوضح المنهج الذي اعتمده المجلس في معالجة النصوص التشريعية التي يكتنفها الغموض أو يبدو بينها وبين نصوص أخرى تعارض يستوجب التوفيق؛ وقد جاء في معرض شرحه، حرفياً:
«إذا كان يوجد بالنص عدم وضوح وكان من شأنه أن يحول دون تفسيره بشكل يمكن فهمه دون تناقض، يكون المجلس الدستوري مضطراً لإبطاله. ولكن، إذا كان بالإمكان تفسير النص بطريقة يتم فهمه وإزالة التناقض بينه وبين نص آخر، نفسّره بطريقة ملزمة لكل السلطات، يقتضي معها فيه تفسيرها هكذا وتُفهم هكذا وتُطبّق هكذا».
ثم انتقل إلى مسألة جنايات التكرار في جرائم المخدرات، فقال حرفياً:
«الذي أخذ عمل كبير معنا هي جنايات التكرار بالمخدرات… ونقول لهم هنا، إذهبوا وطبّقوا بشأن التكرار بالمخدرات، التكرار بحسب مفهومه الوارد في قانون العقوبات، والتكرار بحسب هذا الأخير يقتضي فيه أن يكون صادر بحق الشخص حكمان وليس ملاحقته بعدة ملاحقات، اذ قد يتعرض شخص من الناس لملاحقات متكررة، بدافع الكيد والخصومة من أشخاص نسبوا اليه شراء المخدرات منه، فيُتَّهم ظلماً بالاتجار بالمخدرات، رغم أنّ هذه الملاحقات قد تنتهي جميعها ببراءته منها».
انتهى الاقتباس الحرفي لكلام حضرة رئيس المجلس الدستوري.
وتتجلّى أهمية هذه التصريحات في اتصالها المباشر بإحدى أكثر العبارات إثارةً للجدل في قانون العفو العام، وهي عبارة «سواء صدرت أو لم تصدر بها أحكام قضائية» الواردة في النص موضوع التعليق، وما تثيره من تساؤل حول مدى جواز استخلاص منها شرط قانوني مستقلّ للاستبعاد من العفو، قوامه تعدّد الملاحقات الجزائية في جنايات المخدرات، إلى جانب شرط التكرار القانوني وفقاً لمفهومه الاصطلاحي المحدّد في التشريع.
غير أنّ الإشكالية لم تُحسم بصدور قرار المجلس الدستوري، بل ظلّت العبارة المذكورة مثار جدل قانوني، في ظلّ تباين القراءات بشأن مدلولها ونطاق تطبيقها، ولا سيّما عقب التصريح المتلفز للنائب العام التمييزي، إثر اجتماعه برئيس المجلس الدستوري، والذي ذهب فيه إلى أنّ المجلس لم يُبطل العبارة المشار إليها، معتبراً أنّها تفيد اشتراط عدم تعدّد الملاحقات في جنايات المخدرات، إلى جانب شرط التكرار القانوني المتمثّل في تكرار الأحكام الجزائية المبرمة، وهو تفسير أيّده رئيس المجلس الدستوري في تصريحه اللاحق، على نحوٍ بدا مغايراً لما سبق أن أدلى به من تصريح في هذا الشأن.
وعلى ضوء هذه المعطيات، لا يعود البحث مقتصراً على استظهار ما قصده رئيس المجلس في مؤتمره الصحفي، بل يمتد بالضرورة إلى تحديد القيمة القانونية للتفسير المطروح للنص القانوني، ومدى اتصاله بمنطوق قرار المجلس الدستوري ودلالة النص التشريعي، وما إذا كان النص يسمح فعلاً بالتوفيق بين عبارة «سواء صدرت أو لم تصدر الأحكام» وبين مفهوم التكرار، كما نظّمه قانون العقوبات.
ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين موقف المجلس الدستوري كما يتجلّى في قراره الرسمي، وبين التصريحات التفسيرية الصادرة عن رئيسه؛ إذ لا يجوز قانوناً إحلال تفسير لاحق لرئيس المجلس محلّ ما يستفاد من منطوق القرار وأسبابه، ولا سيّما متى تباينت تصريحاته بشأن المسألة ذاتها أو تغيّر لاحقاً مضمونها، أو ارتبط تفسيره باعتبارات لا تستند إلى أساس قانوني كافٍ يبرّر الأخذ بها؛ فالمرجع في تحديد موقف المجلس هو قراره الصادر وفقاً للأصول، لا التصريحات اللاحقة التي لا تكتسب، بذاتها، حجية القرار الدستوري ولا تعدّل مضمونه أو نطاقه.
وعليه، فإن المقاربة القانونية السليمة تقتضي بإخضاع التفسيرين المتداولين حالياً -للعبارة المذكورة والتي أحدث بليلةً في الوسط الحقوقي- لميزان واحد: منطوق النص التشريعي ذاته، والقواعد الناظمة لأصول تأويله، ومدى انسجام تفسير العبارة محل الجدل مع التحفُّظ التفسيري الملزم للمجلس الدستوري؛ فليس المطلوب الانتصار لتفسير لمجرد صدوره عن مرجع قضائي رفيع، ولا رفض تفسير لمجرد مخالفته له، بل التحقق من مدى انضباط كل منهما على النص وباعتماد منهج علمي رصين في تحليله واستقرائه.
ومن هنا، تبرز المسألة الجوهرية التي يتناولها هذا البحث: هل أراد المشترع أن يجعل فعلاً تعدّد الملاحقات الجزائية، بذاته، سبباً لاستبعاد الاستفادة من العفو في جنايات المخدرات، حتى عند عدم صدور أحكام بالإدانة، أم أن عبارة «سواء صدرت أو لم تصدر الأحكام القضائية بشأنه» لا يجوز فصلها عن مفهوم التكرار القانوني وشروط تحققه؟
ومن نافلة القول في هذا الصدد، إنَّ الإجابة عن هذا السؤال الجوهري لا تحتمل الاكتفاء بالانطباعات أو التصريحات، بل تستوجب قراءة النص في ضوء قواعد التفسير القانوني، وتحديد العلاقة بين عباراته، ثم اختبار النتائج التي يفضي إليها كل تفسير، ومدى انسجامها مع المبادئ التي تقوم عليها القانونين الجزائية والاستثنائية.
لذلك، سوف نقسِّم هذه الورقة البحثية التي تستهدف التحري عن المعنى الحقيقي التي تثيره العبارة محل التعليق، الى ثلاث أقسام، بدءاً من الغوص في عمق النص محل التفسير وموقف المجلس الدستوري منه، مروراً بالتعريج على الضوابط المنهجية لتفسير النصوص القانونية وكيفية ترجيح مقاصدها، وانتهاءً بتحديد المدلول القانوني الحقيقي لتلك العبارة ومكامن الخلل في تفسيرها خلافاً لمنطوق النص.
أولاً- في النص محل التفسير وموقف المجلس الدستوري منه:
نصّ البند الخامس من المادة الثانية من قانون العفو العام رقم 70/2026 على ما حرفيّته:
«لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية».
وقد أثارت هذه الصياغة إشكالية قانونية تتجاوز ظاهر العبارة إلى تحديد المقصود بالتكرار الذي أراد المشترع اعتماده معياراً لاستبعاد فئة من مرتكبي جنايات المخدرات من الاستفادة من العفو، ولا سيّما لجهة مدى كفاية تعدّد الملاحقات الجزائية، أم ضرورة توافر شروط التكرار بمفهومه القانوني المحدد في قانون العقوبات.
لم يترك المجلس الدستوري هذه المسألة من دون معالجة، بل أورد في قراره رقم 2026/12، في هذا الشأن، ما حرفيّته:
«تحفظ تفسيري ملزم: يُفسَّر التكرار المقصود في هذا البند وفق مفهومه القانوني المحدد في قانون العقوبات، أي وجوب صدور حكم مبرم فاصل بين الجرائم المرتكبة حتى تتحقق حالة التكرار.
إبطال جزئي: أبطلت عبارة المرتكبة قبل صدور هذا القانون الواردة في هذا البند، أي يعتمد تاريخ 2026/3/1 كحد زمني موحد».
ويكتسب هذا المقتطف أهمية قانونية خاصة؛ إذ إن المجلس الدستوري لم يكتفِ بإبداء ملاحظة على صياغة النص، بل اعتمد، وفق العبارة الواردة في قراره، تحفّظاً تفسيرياً ملزماً يربط مفهوم التكرار في البند المطعون فيه بمفهومه القانوني المحدد في قانون العقوبات، ويشترط لتحققه صدور حكم مبرم فاصل بين الجرائم المرتكبة.
ومن ثمّ، فإن نقطة الانطلاق في تفسير هذا البند لا ينبغي أن تكون عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية» معزولةً عن سائر عناصر النص، بل يقتضي إخضاعه للتحفّظ التفسيري الذي أورده المجلس الدستوري، وخاصةً أنَّ التفسير القانوني لا يقوم على انتقاء عبارة وإعطائها مدلولاً مستقلاً عن السياق الذي ترد فيه، بل على تحديد معناها في ضوء مجموع النص والقيود التي تحكم تطبيقه.
وعليه، فإنّ حسم هذه الإشكالية يقتضي تحديد النطاق الموضوعي الذي أراد المشترع أن تنصرف إليه عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية»، ومدى انسجام هذا النطاق مع التفسير الذي أقرّه المجلس الدستوري بموجب تحفّظه التفسيري الملزم؛ ذلك أنّ دلالة العبارة لا تُحسم باقتطاعها من سياقها التشريعي، ولا بمجرد التمسّك بظاهرها اللغوي، بل بإخضاعها لقراءة قانونية متكاملة مع منطوق النص كي يتم الكشف عن مدلولها الحقيقي، وتحديد مدى إمكان التوفيق بينها وبين شرط التكرار القانوني كما عرّفه قانون العقوبات وكرّسه المجلس الدستوري. فالمسألة ليست اذن في المفاضلة بين تفسيرين فحسب، بل في التحقّق من أيّهما يحفظ للنص وحدته، وللتحفّظ التفسيري إلزاميته، من دون أن يُفرغ أيّاً منهما من مضمونه القانوني.
وغنيٌّ عن البيان أنّ إبطال المجلس الدستوري عبارة «المرتكبة قبل صدور هذا القانون»، واعتماده تاريخ 2026/3/1 حدّاً زمنياً موحّداً للاستفادة من العفو، يُشكّل إبطالاً جزئياً، منفصلاً من حيث موضوعه، عن الإشكالية المتعلقة بمفهوم التكرار وشروط تحققه قانوناً، ويتعلّق فقط بالنطاق الزمني لتطبيق النص، ويظلّ بالتالي مستقلاً، من حيث موضوعه وأثره، عن تلك الإشكالية؛ ومن ثمّ، لا يجوز الخلط بين المسألتين، ولا الاستناد إلى عدم إبطال المجلس الدستوري عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية» لاتخاذه دليلاً على أنّها تشترط، إلى جانب تكرار الأحكام الجزائية المبرمة، تكرار الملاحقات الجزائية أيضاً؛ ذلك أنّ عدم إبطال عبارة تشريعية واردة في نص لا يشكّل، في ذاته، حُكماً تفسيرياً يقرّ بكلّ مدلول يُنسب إليها، ولا يصلح بديلاً عن البحث في معناها ضمن السياق التشريعي الذي ترد فيه، وفي مدى توافق تفسيرها مع التحفّظ التفسيري الملزم الذي أقرّه المجلس الدستوري، ولاسيما أنَّ العبرة ليست بمجرد بقاء العبارة في النص، بل بالمدلول الذي يمكن إسناده إليها قانوناً، من دون الاخلال بمقتضيات التفسير الملزم لمفهوم التكرار أو تحميل النص أثراً لا ينهض به سنده التشريعي.
وعليه، فإن البحث في مدى جواز استبعاد شخص من العفو بسبب تعدّد الملاحقات الجزائية لا يجوز أن يبدأ من العبارة المختلف عليها وحدها، بل من السؤال القانوني الذي يسبقه: هل تحققت، في حق الجاني، حالة التكرار التي حدّد المجلس الدستوري مفهومها وشروطها؟ فإذا لم تتحقق، وُجِب بحث ما إذا كان النص يسمح، رغم ذلك، بإنتاج الأثر نفسه استناداً إلى مجرد تعدّد الملاحقات، أم أن هذا التفسير يتعارض مع مدلول مجمل النص ومع التحفّظ التفسيري الملزم.
وهنا تحديداً تكمن العقدة القانونية التي تستحق البحث والتحليل، تحرياً في حقيقة مقاصدها: هل تُفهم عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية» على أنَّ المشترع أرادَ من خلالها عدم الاكتفاء بشرط التكرار القانوني لاستبعاد الجاني من العفو، أم أنَّ تلك العبارة تتناول وضعاً قانونياً مغايراً لا يتعارض مع بقاء هذا الشرط قائماً؟ أم أنّها، في حقيقة مدلولها، لا تسوّغ أياً من هذين التفسيرين، ولا تُبرّر تحميل النص معنى لا تسندهُ عبارته أو لا ينسجم مع سياقه التشريعي؟
هذه هي المسألة التي يتعيّن حسمها بالرجوع إلى منطوق النص لاستجلاء ما تنطوي عليه بنيّته من دلالات، والى القواعد الحاكمة لتفسير النصوص الاستثنائية، لا من خلال التمسك بظاهر لغوي منفرد مبتور عن سياقه أو بتفسير جانبي لا يُبيّن وجه التوفيق بين العبارتين الواردتيّن في ذات الشطر من النص، الأمر الذي يقتضي معهُ، تبعاً لذلك، العودة بالضرورة الى منهجية تفسير النصوص القانونية وتحليلها، والأسس والضوابط التي ترعى تنفيذ هذه العملية القانونية.
ثانياً- في الضوابط المنهجية لتفسير النصوص القانونية وترجيح مقاصدها:
انَّ استنباط مقاصد معاني النص القانوني يعد خطوة حاسمة في عملية تفسير النصوص القانونية، حيث يتوجب على المفسّر الوصول إلى فهم عميق ودقيق للمعاني المقصودة وراء الكلمات والعبارات المستخدمة في النصوص القانونية؛ ففي العديد من الحالات، يمكن أن تحمل الكلمة ذاتها معانٍ متعددة، وفق ظاهر النص الذي تُوَظّف فيه، ممَّا يجعل الفهم الدقيق لدلالاتها بالنظر لمجموع النص الواردة فيه، أمراً ضرورياً لتجنب أي سوء تفسير يمكن أن يترتب عليه تداعيات قانونية.
وفي هذا الصدد لا بدَّ من دراسة بُنية النص وتفسير ألفاظه والعبارات المستهدفة فيه، لغوياً ومنطقياً واستنباط حقيقة معانيه من خلال تحليل العلاقات بين أجزائه المختلفة، واستجلاء دلالات كلماته، في ضوء سياقها التشريعي والخلفية التي وردت فيها، بما يفضي الى فهم متكامل للنص، يكشف عن مقصده الحقيقي ويوضِّح المعنى والغرض الذي رسمه المشترع له واستخلاص بالنتيجة معانٍ غير متناقضة للأحكام القانونية الواردة فيه أو معها ومع نصوص أخرى متفرعة عنها في ذات القانون، وتأويلها تأويلاً صحيحاً بالنظر لمجمل مكوِّنات النص، بوصف هذا الأمر ركناً أساسياً في أصول المنهجية المتكاملة لتفسير النصوص القانونية، بما يكفل الكشف عن حقيقة مقاصد المشترع ويحقق الغاية التشريعية المتوخاة منها؛ لذا، فإنّ تفسير النص القانوني لا يتحقّق بمجرد الوقوف عند المعنى الظاهر لألفاظه، كما لا يجوز أن ينفصل عن دلالتها اللغوية وسياقها التشريعي، وفق الغاية التي استهدفها المشترع من إقرارها.
وعليه، فإنّ التفسير السليم يقتضي قراءة النص في وحدته المتكاملة، وتحليل العلاقة بين عباراته وأحكامه، وتحديد أوجه الترابط أو التقييد أو التكامل فيما بينها، بما يفضي إلى الوصول لمدلول قانوني منسجم، بعيداً عن التجزئة التي قد تؤدي أحياناً إلى نتائج متناقضة أو تُحمّل النص ما لا يحتمل.
ومن هنا، فإنّ استنباط المعنى القانوني للنص يستوجب بالضرورة الجمع بين دلالة ألفاظه، ومنطوق بنيته الداخلية، واستقراء خلفيات السياق الذي ورد فيه، وموقعه من النظام القانوني الذي ينتمي إليه؛ فلا يصحّ بالتالي عزل عبارة عن سائر أحكام النص، أو إسباغ معنى عليها من شأنه أن يُفرغ حُكماً آخر فيها من مضمونه أو يتعارض مع المقصد التشريعي التي ترنو اليه غاية النص؛ فالأصل أن تُفهم عبارات النص القانوني على نحو يحقق الاتساق فيما بينها، لا أن يُصار إلى ترجيح معنى يُفضي إلى التناقض أو التعارض أو التزاحم مع عبارة أخرى فيه، ما لم تفرض ذلك ضرورة يقتضيها منطوق النص ذاته.
وتكتسب هذه الضوابط التفسيرية أهميةً خاصة عند تفسير النصوص الجزائية والاستثنائية، حيث تبرز ضرورة التمييز بين التفسير الضيّق والتفسير الواسع، بوصفهما منهجيّن مختلفيّن في تحديد نطاق النص القانوني ومدى امتداد أحكامه، الأمر الذي يقتضي معه اعتماد المنهج التفسيري الذي يراعي طبيعة النص وخصوصية الأحكام التي ينظّمها، دون أن يؤدّي ذلك إلى الخروج والانحراف عن دلالته أو إهدار الغاية التشريعية التي يرمي الى تحقيقها.
ويُعتبَر (التفسير الضيق) للنصوص القانونية منهجًا يركّز على المعاني الواضحة للنص القانوني وفق سياقه العام، مُسلطاً الضوء على حدود الكلمات وغاية المشرّع بشكل مباشر دون مجافاة لمقاصدها؛ ويُستخدم هذا النوع من التفسير بشكلٍ خاص في نطاق تفسير القوانين الاستثنائية كالقوانين الجنائية، اذ يمكن أن تؤدي بعض العبارات الغامضة في النص إلى عواقب تتعلق بالحقوق والحريات، بحيثُ يهدف التفسير الضيق الى الحفاظ على مبدأ الشرعية من خلال تجنب التأويلات المتوسعة الحمَّالة لمعاني متعددة والتي من شأنها أن ترتّب شروطاً واثاراً جزائية تتجاوز النطاق الذي رسمه سياق النص، أو تؤدّي إلى توسيع دائرة التجريم على نحوٍ يجاوز ما قرّره المشترع، بما يفضي إلى تحريف الغاية التشريعية والخروج عن إرادة المشترع، تحت ستار تفسير النص وتحديد مقاصده. لذا، يرفض مقتضى هذا التفسير عدم التوسّع في تفسير النص على نحو يُنشئ تجريماً لم يقرّره المشترع، أو يرتّب أثراً جزائياً لا يسنده حكم قانوني واضح في النص الاستثنائي ويحتمل أكثر من معنى؛ وعليه، لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن التفسير الضيق يؤدي الى تعطيل حكم تشريعي صريح أو استبعاد الدلالة التي يحتملها النص بشكلٍ واضح، بل يعني عدم تجاوز حدود منطوق النص أو تحميله، تحت ستار الغاية التشريعية، حُكماً لا يستند إلى مغزى مضمون عباراته أو يتعارض مع حكمٍ فيه.
وفي المقابل، يقوم (التفسير الواسع) للنصوص القانونية، كمنهج استدلالي يتجاوز المعاني الضيقة لأحكامها الظاهرية، على عدم الوقوف عند حدود المعنى الحرفي للنص، ليأخذ في اعتباره المقاصد العريضة للقاعدة القانونية؛ ويجد هذا المنهج مجالاً للتطبيق، في نطاق تفسير القوانين العادية على الوقائع المستجدة والمعقدة التي لم يكن بالضرورة أن يتوقعها المشرع عند صياغة النص، لاعتبارات تتعلَّق بالمبادئ القانونية العامة ولاسيما منها المساواة والعدالة والإنصاف، ممَّا قد يسمح بتفسير نص القانون بطريقة تعكس المبادئ الاجتماعية والأخلاقية الراسخة في المجتمع، شريطة أن يسمح منطوقها باستيعابها وأن يظل التفسير منسجماً مع بنيته وأحكامه؛ وعليه، لا يُقصد بالتفسير الموسّع إطلاق يد المفسّر في تجاوز غاية النص وأسبابه الموجبة أو تجاوز قيد تشريعي أو استحداث شرط لم يقرر القانون صراحةً أو ضمناً، وإنَّما الاستعانة بمضمونه وعلّته التشريعية لتحديد المعنى الذي يحقق الاتساق بين النص وغايته.
وفي حال تعددت التفسيرات التي يمكن استنباطها من النص القانوني، يُعَد مفهوم الترجيح أو الأولوية بين التفسيرات والمفاضلة المنطقية بينها من الضوابط والمعايير التي تسهم في بلورة المعاني القانونية التي قصدها الشارع وتحديد القيود أو الاستفادات المحتملة من النص الذي سنّهُ؛ ويلعب في هذا المضمار الهدف التشريعي والسياق العام الذي ورد فيه النص دورًا مؤثراً في تحديد الخيار الأنسب بين التفسيرات المتنوعة. وفي هذا الصدد، فأنهُ عندما يحتمل النص أكثر من مدلول، لا يكفي إثبات إمكان كلّ تفسير من الناحية اللغوية، بل يتعيّن المفاضلة بين المدلولات المحتملة وفق معايير موضوعية، وفي مقدّمها مدى اتساق كلّ منها مع مجموع النص، وانسجامه مع أحكامه القانونية وعدم ترتيبه تناقضاً أو تعارضاً يمكن تفاديه بتفسير أكثر اتساقاً، واحترامه للمبادئ التي ترعى التفسير وأهمها مبدأ تفضيل التفسير الأصلح للجاني في نطاق النصوص الجزائية أو ذات الصلة بها كقوانين العفو.
ومع الإشارة الى أنَّهُ وان تعددت الأنواع والأساليب المعتمدة في تفسير النصوص القانونية، سواء التفسير اللفظي، المنطقي، والموضوعي، تبقى تلك التفسيرات محكومة بمبدأين أساسين، هما: قاعدة عدم التوسُّع في تأويل النصوص الجزائية أو الاستثنائية، وقاعدة التفسير المحقق لمقاصد التشريع.
وتتأكد هذه المنهجية حين يكون النص قد خضع لتحفّظ تفسيري ملزم صادر عن المجلس الدستوري؛ إذ لا يعود جائزاً تناول العبارة المعنية في النص بمعزل عن الحدود التي رسمها ذلك التحفّظ، بل يتعيّن تحديد ما إذا كان المدلول المقترح ينسجم معه أو يؤدي، عملياً، إلى تجاوز مقتضياته أو الانتقاص من أثره الملزم وبما يخالف مقتضيات التفسير الضيّق للقوانين الاستثنائية.
وبتطبيق هذه الضوابط على البند الخامس من المادة الثانية من قانون العفو العام، يظهر جلياً عدم صحة حسم تفسير عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية» بالاستناد الى ظاهرها اللغوي المجرّد، وعدم استقامة تحديد مدلولها بمعزل عن سائر أحكام النص وبنيّته التشريعية؛ ولا يصح بالتالي اعتبارها منشئةً لشرط مستقل قوامه تعدّد الملاحقات الجزائية، من دون إقامة الدليل على سنده الواضح في النص وبيان مدى اتساقه مع التحفّظ التفسيري الذي أخضع مفهوم التكرار للأحكام القانونية المحدّدة له في قانون العقوبات.
ومن ثمّ، فإنّ المسألة لا تُحسم بمجرد القول إنّ العبارة تشمل الملاحقات التي لم تنتهِ إلى أحكام، ولا بمجرد استبعاد هذا المعنى استناداً إلى مبادئ عامة؛ بل يتعيّن اختبار كلا التفسيرين في ضوء النص كاملاً، وتحديد ما إذا كان الجمع بين عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية» واشتراط الحكم المبرم الفاصل بين الجرائم، أمراً ممكناً من الناحية القانونية وفق مدلول النص، أم أنّ أحد التفسيرين يُفضي الى تحميله معنى لا يحتمله منطوقه ويؤدي إلى إفراغ التحفّظ التفسيري من مضمونه، الأمر الذي يستوجب تحديد التفسير الراجح بينهما، على ضوء ضوابط التفسير المُنوَّه عنها أعلاه.
فالتفسير الراجح ليس ذاك الذي يستند إلى عبارةٍ منفردة بمعزل عن سائر أحكام النص، بل الذي يستطيع تبرير التأويل المعطى لها استناداً الى مدلول النص بأكمله، بشكل يضمن اتساق أجزائه مع بعضها البعض ويحفظ في الوقت نفسه وحدة الحُكم التشريعي ويحترم التحفّظ التفسيري الدستوري، من دون توسّع غير مسوّغ في قانون استثنائي، أو إفراغ حكم قانوني نافذ في النص من مضمونه. وهذا ما سنعمد الى تسليط الضوء عليه عند البحث أدناه في مواطن الخلل في التفسير الذي يُحمّل العبارة القانونية، محلّ الجدل، معنى اشتراط عدم تعدّد الملاحقات الجزائية، وبيان أوجه عدم اتساقه مع أحكام النص ومقتضيات تفسيره.
ثالثاً- في المدلول القانوني للعبارة محل الجدل ومكامن الخلل في تفسيرها خلافاً لمنطوق النص:
تأسس التفسير الذي لم يقتصر على شرط التكرار بمفهومه القانوني، الذي يزيد على المرة الثانية، على العبارة الواردة في خاتمة البند الخامس من المادة الثانية من قانون العفو العام، وهي: «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية»، ليستنبط منها شرطاً إضافياً يقتضي عدم توافره، لاستفادة مرتكبي جنايات المخدرات من العفو، قوامه عدم تعدّد الملاحقات الجزائية بهذه الجنايات بما يزيد على المرة الثانية، ولو لم يصدر بشأنها أي حكم قضائي.
غير أنّ هذا الاستنباط لا يستقيم قانوناً؛ إذ لا يصح اقتطاع العبارة المذكورة من سياقها التشريعي، واتخاذها، لمجرد ورودها في النص الذي يشترط عدم التكرار بمفهومه القانوني، دليلاً على أن المشترع أراد اعتماد أيضاً في النص شرط التكرار الواقعي القائم على مجرّد تعدّد الملاحقات، أو أنّه أنشأ، إلى جانب شرط التكرار القانوني، شرطاً مستقلاً يتمثّل في تعدّد الملاحقات؛ فمثل هذا التفسير لا يقتصر على استخلاص مدلول النص، بل يحمّل عبارته ثقل حُكم إضافي لا يثبت بمجرد ألفاظها، ويجعل من عدم صدور الأحكام القضائية أساساً لإقامة التكرار على الملاحقات ذاتها، وهو ما لا ينسجم مع بنية النص المذكور ولا مع مفهوم التكرار في القانون الجزائي.
ويُضاف إلى ذلك، إنَّ هذا التفسير، يخالف مبدأ تفسير أحكام القوانين الاستثنائية بصورة ضيّقة وحصرية، بما لا يجوز معه التوسّع في تفسير نطاقها ولا القياس عليها، لإضافة شروط لم يذكرها النص صراحةً ولا تستدعيها مقاصد منطوقه بحسب سياقه؛ وفي هذا الصدد فأنَّ قانون العفو، بوصفه قانوناً استثنائياً يحكم مصير الملاحقة والعقاب، يقتضي تفسير أحكامه في حدود مدلولها التشريعي، من دون التوسّع في نطاقها أو استحداث، من خلال تأويله الواسع لجزء من عباراته، شرطاً لم يقرّره المشترع صراحةً.
ولا يعني ذلك الوقوف عند ظاهر الألفاظ أو عزلها عن سياقها، بل يعني ضرورة استجلاء معناها في ضوء منطوق النص ومضمونه والغاية التشريعية منه، بحيث لا تُحمَّل العبارة أكثر ممَّا تحتمل، ولا يُستخلص منها حكمٌ لا تتسع له دلالاتها القانونية في ضوء منطق النص وسياقه العام؛ فالعبرة في التفسير المستقيم ليست بالألفاظ والمباني بمعزل عن سياقها في النص، بل بالمقاصد والمعاني التي تكشف عنها القراءة المتكاملة للنص، وبما يجعل المقصد وسيلة لفهم النص في سياقه الوارد فيه وليس التعويل على ظاهر عبارة ملتبسة فيه، لتجاوز دلالته.
وفضلاً عمّا تقدّم، فإنّ التفسير الذي يوسّع نطاق العبارة الختامية ليشمل مجرّد تعدّد الملاحقات الجزائية، لا يقتصر أثره على تحميل النص معنى لا ينهض به وحده، بل يؤدّي عملياً إلى إفراغ شرط التكرار بمفهومه القانوني من مضمونه، على نحوٍ يتعارض مع ما أكّده المجلس الدستوري بشأن وجوب اعتماد هذا المفهوم في تحديد نطاق الاستثناء الوارد في البند المذكور؛ باعتبار أنّه لو كان قصد المشترع إخضاع مرتكبي جنايات المخدرات للاستثناء من العفو لمجرّد تعدّد الملاحقات، بصرف النظر عن توافر شروط التكرار القانوني، لانتفى أيّ مبرّر لإيراد شرط التكرار ابتداءً، إذ إنّ ثبوت تكرار الأحكام الجزائية يفترض، منطقياً، سبق حصول الملاحقات التي أفضت إلى صدورها، في حين أنّ مجرّد تعدّد الملاحقات لا يستلزم، في المقابل، صدور أحكام بالإدانة، ولا سيّما أحكام مبرمة مستوفية لشروط التكرار القانوني؛ ومن شأن التفسير المخالف أن يقلب العلاقة بين الأمرين، فيجعل الملاحقة، التي قد تنتهي إلى البراءة أو منع المحاكمة أو أيّ نتيجة لا تثبت معها الإدانة، معادلةً للتكرار القانوني، رغم التباين الجوهري بينهما.
ومن ثمّ، فإنّ المنهج التفسيري السليم يقتضي قراءة ألفاظ البند المذكور في ترابطها ككل، واستجلاء دلالة عبارته الختامية في ضوء صدره، لا عزل بعض كلماته عن سائر أجزائه وإقامة حكم مستقل عليها يناقض البنية التشريعية للنص؛ فالعبارة الختامية لا يجوز أن تُفسَّر على نحوٍ يعطّل مفهوم الشرط الذي افتتح به المشترع حُكمه، أو يضيف عليه شرطاً يتعارض معه، بل يتعيّن حملها على المعنى الذي يوفّق بين أجزاء النص، ويحفظ لكلّ منها وظيفته، ضمن الحدود التي يسمح بها منطوقه والتفسير الدستوري الملزم لها، لا أن تتحوّل تلك المقاصد المفترضة شَكاً إلى ذريعة لإضافة حكمٍ لم يقرّره المشترع صراحةً ويكون من شأنها اجهاض المعنى المقصود من شرط التكرار القانوني المذكور فيه صراحةً والذي أكّد عليه المجلس الدستوري بتحفظٍ ملزم، الأمر الذي يقتضي معه بالضرورة التفسيرية أن تُنسَّق وتفُسر كلمات البند المشار اليه مع بعضها البعض بالنظر مجملها وليس التفسير الحرفي لبعض الأقوال فيها والذي يخالف حُكم تفسير الجزء الأول منها.
وعليه، فإن العبارة محل الجدل، لا يجوز تفسيرها بمعزل عن التحفّظ التفسيري الذي أخضع المجلس الدستوري النص له؛ فلو اعتُبرت العبارة كافية لاعتماد التكرار الواقعي، لأصبح التحفّظ التفسيري الخاص بشرط التكرار القانوني فاقداً لمضمونه العملي، ولأمكن بالتالي استبعاد شخص من العفو بسبب تعدّد الملاحقات وحده، رغم عدم توافر شروط التكرار القانوني وهو ليس نيّة المشترع في عفوه والذي لم يستعمل عبارة الملاحقات في هذا الشأن وهو ما يجعل من ذلك التفسير غير منسجم مع إرادة المشترع. وبالتالي، فأنَّ التحفّظ التفسيري الملزم لا يجوز الالتفاف عليه بتفسير جزء من العبارة ذاتها على نحو يعيد إلى النص معنى استبعده المجلس الدستوري، بتأكيده الخطي على المقصود من مفهوم التكرار في النص وبمدلول الأقوال الأولية لرئيسه حين شرح قرار المجلس الدستوري والذي جاء فيها حرفياً استبعاد الملاحقات في نطاق الاستثناء على العفو في جنايات المخدرات، بما لا يجوز معه إفراغ هذا التحفظ من مضمونه، باشتراط التكرار الواقعي إلى جانب التكرار القانوني فيها، لمجرد ورود في اخر النص عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية»، والذي لا يصحّ اقتطاعها منفردةً من البند الخامس بمعزل عن سياقه المجمل واتخاذها أساساً لإجهاض المدلول القانوني لمصطلح «التكرار»، بعدما أوجب المجلس الدستوري تفسيره وفق مفهومه في قانون العقوبات؛ فهذه العبارة، مهما يكن نطاقها، لا يجوز أن تُفسّر على نحو يناقض التحفّظ ذلك التفسير الملزم، أو يجعل مجرّد الملاحقة بديلاً عن شروط التكرار القانوني.
هذا مع التنويه بأنَّ تلك العبارة لها مجال تطبيق ينسجم مع التكرار القانوني، كعدم اشتراط صدور أحكام قضائية في جميع جنايات المخدرات الملاحق فيها المتهم، مع بقاء وجوب الحكم المبرم الفاصل بين تلك الجرائم شرطاً لقيام حالة التكرار وفق مفهومه القانوني. وعليه، لا يجوز الاستناد إلى ظاهر عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية» للقول بأن مجرّد تعدّد الجرائم أو الملاحقات يحقّق التكرار، لأن ذلك من شأنه أن يناقض من جهة أولى مقصد المشترع من اصطلاح التكرار الوارد منه في متن النص ويعيد من جهة ثانية إلى هذا النص تفسيراً يتعارض مع التحفّظ الالزامي للمجلس الدستوري.
لذا، فإنّ القصد الحقيقي للمشترع من استثناء مرتكبي جنايات التكرار في جرائم المخدرات التي تزيد عن المرة الثانية من الاستفادة من العفو، لا ينصرف إلى التكرار الواقعي لمجرّد تعدّد الجرائم أو الملاحقات، وإنّما إلى التكرار القانوني الناتج عن صدور حكم قضائي مبرم في جنايات المخدرات ولو لم تكن صادرة في بعضها أحكام جزائية مبرمة، وفق نية المشترع في عفوّه والذي أبقى التكرار القانوني بما يزيد عن المرة الثانية شرطاً لعدم الاستفادة من العفو، وأراد أيضاً ألاَّ يكون صدور الأحكام عن جميع جنايات المخدرات شرطاً لاستبعاد الاستفادة منه ومن باب التأكيد من المشترع على شمول العفو للملاحقات سواء صدرت أو لم تصدر بها الأحكام القضائية المبرمة؛ أي سواء صدرت أحكاماً مبرمة فيها بشأن جميع الجرائم الداخلة في هذا التكرار أو لم تصدر، لا يحول هذا الأمر دون إعمال هذا الاستثناء، متى كان قيام التكرار القانوني ثابتاً وفقاً للأصول القانونية؛ زد على ذلك إنَّ التأويل السليم للبند الخامس من المادة الثانية من قانون العفو العام يستوجب حتماً التمييز بين قيام حالة التكرار بالمعنى القانوني، وبين صدور أو عدم صدور الأحكام عن الجرائم الداخلة في نطاق هذه الحالة، باعتبار أنَّ المشترع لم يستعمل عبارة «تعدد الملاحقات»، بل اختار صراحةً تعبير «جنايات التكرار»، وهو تعبير لا يجوز تجريده من مدلوله القانوني وإحلال مجرد تعدد الملاحقات والملفات الجزائية محله.
ولا يُغيّر من تلك النتيجة وجود في اخر النص عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية»، إذ لا يلزم من عدم اشتراط صدور الأحكام في جميع الجرائم اللاحقة الاستغناء عن الحكم السابق المبرم الذي تتطلبه أحكام التكرار القانوني؛ فلكل من العبارتين مجالها، باعتبار أنَّ الأولى تحدد الفئة المستثناة من العفو، وفي حين تنفي الثانية اشتراط صدور أحكام عن جميع الجرائم التي يشملها الاستثناء؛ وعلى هذا، فأنّ تلك العبارة الواردة في النص يُفترض تفسيرها في ضوء الغاية التشريعية منه، لا بما يؤدي إلى إهدار شرط التكرار القانوني بإضافة شرط تكرار الجرمي عليه وخاصةً لما في ذلك من اهدار لقرينة البراءة بنتيجة الخلط بين مجرّد الملاحقة وثبوت المسؤولية الجزائية، اذ أنَّ تفسير النص على أن مجرد تعدد الملاحقات يكفي لاستبعاد العفو، ويؤدي إلى مساواة الملاحقة بالإدانة، وإلى توسيع نطاق الاستثناء على حساب الأصل المتمثل في شمول العفو للجرائم غير المستثناة من الاستفادة منه وان كانت محكومة بشرط التكرار القانوني.
لذلك، فإن التفسير الذي يجمع بين مدلول النص وضمانات الشرعية الجزائية هو أنَّ الاستثناء من العفو في جنايات المخدرات لا يُطبّق إلا بعد تحقق قيام حالة التكرار وفق شروطه القانونية بما يزيد عن المرة الثانية، مع عدم اشتراط صدور أحكام عن جميع الجرائم اللاحقة والداخلة في نطاقه؛ وهذا يعني انَّ العبارة محل الجدل ترمي فقط إلى عدم تعليق انطباق الاستثناء من العفو على صدور أحكام قضائية في جميع الجرائم الداخلة في نطاقه، بحيث لا يحول عدم صدور حكم في إحدى الملاحقات، أو عدم انتهائها بحكم مبرم، دون تطبيق الاستثناء، متى كان التكرار القانوني قد تحقّق أصلاً وفق شروطه المقرّرة في القانون، بيد أنها لا تعني، بأيّ حال، إسقاط تلك الشروط أو الاستعاضة عنها بمجرد تعدّد الملاحقات.
وغنيٌّ عن البيان، إنّ هذا التفسير المتكامل لمنطوق النص، فضلاً عن اتساقه مع بنائه اللغوي ودلالاته المنطقية وفق سياقه التشريعي العام، ينسجم مع التحفّظ التفسيري الملزم الوارد في قرار المجلس الدستوري رقم 2026/12، ويكفل إعطاء النص معناه القانوني المتكامل، من خلال الحفاظ على مفهوم التكرار بوصفه حالة قانونية لا تقوم إلا بتوافر شروطها المقرّرة قانوناً، من دون إهدار دلالة عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية» والتي لا يُفهم منها سوى عدم اشتراط صدور أحكام قضائية بشأن جميع الجرائم المعنية بالنص، دون أن تعني بتاتاً إسقاط الشروط اللازمة لقيام التكرار القانوني أو استبدالها بتعدّد الملاحقات. عليه، إذ كان المشترع قد ربط الاستثناء بالتكرار القانوني، فإنّ إضافة شرط مستقلّ يتمثّل في تعدّد الملاحقات، لا تجد ما يبرّرها لمجرّد ورود العبارة المذكورة في نهاية النص، بل تنطوي على تحميل هذا الأخير قيداً إضافياً لا يستفاد من منطوقه، وتحويل التفسير من استنباط للمعنى الذي يحتمله النص، إلى إنشاء شرط لم يقرّره المشترع صراحةً، بحيثُ يغدو هذا التفسير إضافةً إلى النصّ، لا استنباطاً لمعناه.
وعلى كلٍّ حال، فإنّ أبلغ دليل على عدم اعتماد المشترع مجرّد تكرار الملاحقات معياراً مستقلاً لاستبعاد الاستفادة من العفو في جنايات المخدرات، يتمثَّل في أنّه أورد هذا المعيار صراحةً في البند الثالث عشر من المادة الثانية من القانون عينه، حين نصّ على استثناء جنايات السرقة «في حال تكرار الملاحقات أو الأحكام أكثر من مرتين»، في حين خلا البند الخامس، المتعلّق بجنايات التكرار بالمخدرات، من أيّ نصّ مماثل يجعل تعدّد الملاحقات، بحدّ ذاته، سبباً للاستبعاد؛ وهذا التمايز الجلي في الصياغة التشريعية بين بندين من ذات المادة القانونية، وردَ فيهما تعبيرين مختلفين في مدلولهما بخصوص جرمين مختلفين، ليس تفصيلاً لفظياً يجوز تجاهله واهماله، بل هو عنصر تفسيري يتعيّن الوقوف عنده؛ إذ يكشف أنّ المشترع، حين أراد الاعتداد بتعدّد الملاحقات بوصفه معياراً للاستثناء من العفو، أفصح عن ذلك صراحةً، وأقام تمييزاً واضحاً بين الملاحقات والأحكام، بينما اختار في البند الخامس مصطلح «التكرار» الذي أخضعه المجلس الدستوري، بتحفّظ تفسيري ملزم، لمفهومه القانوني في قانون العقوبات. وعليه، لو كان يريد المشترع ترتيب على جرائم المخدرات شرط عدم تعدد الملاحقات، لكان قد نصَّ على ذلك بوضوح ووسّع حرفياً نطاق شروط الاستثناءات من العفو في جرائم المخدرات، تماماً كما فعل في جرائم السرقات، بما لا يجوز معه تقويله ما لم يريد، في تفسير نصّه القانوني المذكور والواجب تفسيره بصورة ضيقة جداً، كما ذكرنا.
وعليه، فإنّ اختلاف الصياغة بين البندين الخامس والثالث عشر، مقروءاً في ضوء التحفّظ التفسيري الملزم الصادر عن المجلس الدستوري، يحول دون التوسّع في الاستثناء الخاص بجنايات المخدرات ليشمل حالات لم يَثبُت فيها التكرار وفق مفهومه القانوني، ويؤكّد أنّ مناط الاستبعاد في هذا البند ليس مجرّد تعدّد الملاحقات، بل تحقّق التكرار القانوني وفق شروطه المقرّرة في القانون.
وعلى هذا الأساس، يكون التفسير القائم على فكرة أن المشترع اشترط «التكرار القانوني وتكرار الملاحقات» بوصفهما شرطين مستقلين لاستبعاد الاستفادة من العفو، غير مستقيم قانوناً، في ظل عدم قول منطوق النص الاستثنائي به صراحةً، وخاصةً أن المشترع اشترط فقط التكرار القانوني، لكنه لم يشترط أن تكون جميع الجرائم الداخلة في نطاق التكرار قد انتهت بأحكام قضائية؛ وهذا التفسير هو الذي يحافظ وحده على مدلول «التكرار» وعلى الوظيفة المستقلة لعبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية»، من دون تحويل الملاحقة إلى إدانة، باشتراطها كسبب مستقل عن التكرار القانوني، للحيلولة دون الاستفادة من العفو.
ومؤدّى ما تقدَّم، إن عبارة «سواء صدرت أو لم تصدر الأحكام القضائية بشأنها» والواردة في خاتمة النص، وبصرف النظر عن مآلها، لا يجوز فصلها عن مفهوم «التكرار» الذي افتتح به المشترع حكمه ابتداءً، بما لا يمكن تفسيرها إلا في حدود ما تسمح به دلالتها وفق مقتضيات النص، وبما يوفّق بينها وبين مفهوم التكرار القانوني، فلا يصحّ بالتالي تفسيرها على نحو يجعل من تعدّد الملاحقات شرطاً إضافياً في الاستثناء، كما لا يجوز اتخاذها ذريعة لتجاوز الشروط القانونية اللازمة لتحقق حالة التكرار القانوني؛ فهي، في مدلول منطوقها الصحيح، لا تستحدث شرطاً إضافياً قوامه تعدّد الملاحقات، ولا تستعيض عن شروط التكرار القانوني بمجرد تعدّدها، وإنّما تنصرف إلى نفي اشتراط صدور أحكام قضائية عن جميع الجرائم الداخلة في نطاق التكرار، بما يزيد على المرة الثانية، بحيث لا يحول عدم صدور حكم قضائي بشأن بعضها دون إعمال الاستثناء، متى كان التكرار القانوني قد تحقّق أصلاً وفق شروطه المقرّرة قانوناً، باعتبار أنّ عدم اشتراط صدور أحكام عن جميع الجرائم لا يعني الاستغناء عن الحكم السابق المبرم، حيث يكون لازماً لقيام التكرار القانوني، ولا يجوز بالتالي إحلال مجرّد تعدّد الملاحقات محلّه. ومن ثمّ، فإنّ الأثر الذي يرتّبه النص على عدم صدور الأحكام لا يتمثّل في إنشاء حالة تكرار مفترضة استناداً إلى تعدّد الملاحقات، بل في عدم تعليق تطبيق الاستثناء على صدور أحكام قضائية بشأن كلّ جريمة من الجرائم المتعاقبة الداخلة في نطاقه.
وبذلك، يتعيّن التمييز بين وجوب توافر الحكم السابق المبرم الذي يقوم عليه التكرار القانوني، من جهة، وعدم اشتراط صدور أحكام قضائية عن جميع الجرائم اللاحقة الداخلة في نطاق الاستثناء، من جهة أخرى؛ إذ إنّ عدم اشتراط صدور أحكام عن هذه الجرائم لا يمسّ، بأيّ وجه، بوجوب توافر الشروط القانونية اللازمة لقيام التكرار، وفي مقدّمها الحكم السابق المبرم، والذي لا يجيز تعويضه بتعدّد الملاحقات، كسبب إضافي أو مستقل لاستبعاد الاستفادة من العفو. ومن ثمّ، فإنّ عبارة «سواء صدرت أو لم تصدر بها أحكام قضائية» لا تنشئ حالة تكرار مستقلة عن شروطها القانونية، بل تنفي اشتراط صدور أحكام قضائية عن جميع الجرائم المعنية، من دون أن تعفي من إثبات التكرار القانوني وفق أصوله.
وعلى هدي ما تقدَّم، تكون عبارة «سواء صدرت أو لم تصدر بها أحكام قضائية» قد استهدفت عدم اشتراط صدور أحكام قضائية عن كلّ ملاحقة تتعلّق بجنايات المخدرات الداخلة في نطاق الاستثناء، من دون أن يترتّب على ذلك اعفاء حالة التكرار القانوني من الشروط التي يتطلّبها القانون لقيامها؛ فلا يجوز بالتالي تفسيرها على نحو يجعل من مجرّد تعدّد الملاحقات، بمعزل عن تحقّق التكرار القانوني وفق شروطه المقرّرة قانوناً، سبباً كافياً لحرمان الشخص من الاستفادة من العفو، لما في هذا الأمر من خلط بين الواقعة الإجرائية والوصف القانوني ولتعارضه الصارخ مع مقتضيات مبدأ قرينة البراءة ذات الصفة الدستورية من جهة أولى، إذ إنّ الملاحقة، بحدّ ذاتها، لا تثبت ارتكاب الجريمة، ولا تُنشئ حالة التكرار القانوني، ولا تقوم مقام الحكم السابق المبرم اللازم لإنشائها؛ فضلاً عن تجاوز هذا المنحى، من جهة ثانية، للحدود التي يفرضها مبدأ التفسير الضيّق والمنضبط للنصوص الاستثنائية، بتحويله مجرَّد تعدد الملاحقات الى شرط إضافي مستقل الى جانب شرط التكرار القانوني الذي نصَّ عليه المشترع، بما يجعل من ترتيب الحرمان من العفو على مجرّد تعدّد الملاحقات توسّعاً شاذاً في تفسير النص الاستثنائي، وإضافةً متعدية على ارادة المشترع في شروطه، خلافاً لما قصده في منطوق النص ومدلولات تفسيرات بنيّته القانونية وما أكّده المجلس الدستوري في قراره، حين تصديه في تفسيره لمفهوم التكرار في الجنايات، والذي لا يجوز استبداله بمعيار إجرائي مغاير، أو إضافة شرط مستقلّ إلى جانبه لم يرد صراحةً في النص.
وعلى سبيل الاستطراد الجدلي، وعلى فرض التسليم باحتمال تفسير تلك العبارة الواردة في خاتمة النص على أنّها تشترط أيضاً عدم تعدّد الملاحقات، فإنَّ هذا الاحتمال الافتراضي لا ينهض بذاته دليلاً على قانونية هذا التفسير، باعتبار أنَّ هذا التفسير المحتمل يقتضي استبعاده حُكماً وعدم الأخذ به وفق قواعد تفسير القوانين الاستثنائية، ولا يُغني بالتالي عن وجوب إثبات أنّ إرادة المشترع قد اتجهت فعلاً إلى إقرار هذا الشرط الإضافي، دونَ توسّع افتراضي في التفسير، إذ لا يجوز استخلاص قيدٍ مستقلّ على الاستفادة من العفو من مجرّد عبارةٍ لا تفيد، في دلالتها المباشرة، سوى عدم تعليق تطبيق الاستثناء على صدور الأحكام القضائية.
هذا مع التنويه الهام أخيراً الى أنه متى احتمل النص أكثر من معنى وبشكلٍ يمكن تأويله إلى معنييّن، وُجِب، في هذه الحالة، ترجيح المعنى الأكثر اتّساقاً مع روحه وسياقه، وأن يُؤخَذ أشدّهما انطباقاً على الغاية التشريعية منه وهو في المسألة الراهنة، حالة التكرار بمفهومه القانوني القائم على تعدد الأحكام الجزائية المبرمة وليس حالة التكرار الجرمي القائم على مجرد تعدد الملاحقات القضائية، وخاصةً أنَّهُ في الحقل الجزائي، يتعيّن اعتماد التفسير الأكثر ملاءمة لمصلحة للجاني عند قيام الشك في مدلول النص، لكونه التفسير الأرحم والأصلح له وهذا مبدأ قانوني مُسلَّم بهِ فقهاً واجتهاداً بهِ.
وحيثُ انّهُ تأسيساً على مجمل ما تقدم، نخلُص بالمحصِّلة الى النتائج القانونية التالية:
1- إنّ القول بأنّ عبارة «سواء صدرت أو لم تصدر بها أحكام قضائية» تفيد اشتراط تعدّد الملاحقات، إلى جانب التكرار القانوني المعلن في صدر النص، ينطوي على خلط بين تكرار الجرائم بوصفه شرطاً موضوعياً لقيام حالة التكرار القانوني، وبين صدور الأحكام القضائية بشأنها أو عدم صدورها؛ ذلك أنّ الغاية من إيراد العبارة المذكورة لا يمكن أن تكون استحداث شرط إضافي قوامه تعدّد الملاحقات، بل تأكيد أنّ انطباق الاستثناء من العفو لا يتوقف على صدور أحكام قضائية عن الجرائم المتكرِّرة، بحيث لا يحول عدم صدور هذه الأحكام دون ترتيب الأثر القانوني الذي قصده المشترع متى تحققت شروط التكرار القانوني المقررة في النص، بما لا يجوز معه تفسير تلك العبارة، وفق منحى النص، على نحوٍ يؤدي إلى إهدار هذا الشرط، بل ينبغي فهمها في إطار عدم اشتراط صدور أحكام قضائية عن جميع الجرائم المعنية، باعتبار أنَّ تفسيرها على نحو يستوجب، إلى جانب التكرار القانوني، تعدّد الملاحقات، يحمّل النص شرطاً لم يرد فيه صراحةً، ويخلط بين الملاحقة الجزائية والحكم القضائي، مع أنّ المشترع لم يعلّق الاستثناء من العفو على تعدّد الملاحقات، بل نصّ صراحةً على عدم الاعتداد بصدور الأحكام القضائية أو عدم صدورها، الأمر الذي يجعل هذا التفسير توسعاً في إضافة الشروط، لا استنباطاً لها من دلالة النص.
2- إنّ الاستناد إلى ذريعة عدم إبطال المجلس الدستوري لعبارة «سواء صدرت أو لم تصدر بها أحكام قضائية» للقول بأنّه أقرّ ضمناً اشتراط تعدّد الملاحقات إلى جانب التكرار القانوني، ينطوي على استنتاج لا يسنده بذاته منطوق القرار أو أسبابه، إذ لا يجوز أن يُحمَّل عدم إبطال عبارة تشريعية دلالةً إيجابية على تكريس تفسير معيّن لها، ما لم يكن المجلس قد تبنّى هذا التفسير صراحةً أو بصورة لازمة عن تعليله، باعتبار أنَّهُ يوجد فارق جوهري بين إقرار دستورية النص في نطاق المعنى الذي حدّده المجلس الدستوري، وبين اعتبار عدم إبطاله إقراراً بكل تفسير محتمل لعباراته، ولا سيما منه التفسير الذي يضيف إلى شروط الاستثناء من العفو قيداً لم ينصّ عليه المشترع صراحةً؛ فإذا كان المجلس قد ردَّ التكرار إلى مفهومه القانوني المقرر في قانون العقوبات، فإنّ هذا التحديد يشكّل منطلقاً واجب الاعتداد به في فهم النص، ولا يصحّ بالتالي الالتفاف عليه باستخراج شرط مستقل لتعدّد الملاحقات من مجرد بقاء العبارة المذكورة في النص، لأنّ عدم إبطالها من النص لا يساوي إقراراً بصحة تفسير لم يتبنّاه المجلس. وعليه، فإنّ إثبات وجود في النص شرط إضافي على الاستثناء من العفو متعلق بتعدّد الملاحقات، يقتضي إقامة الدليل عليه من منطوق النص ذاته، وفق منهجية التفسير التي ترعى طبيعته ومن تعليل قرار المجلس الدستوري بشأنه، لا استخلاصه من واقعة عدم إبطال هذا الأخير لعبارة ملتبسة، وإلاَّ غدا الاستدلال بموقف المجلس الدستوري افتراضاً لِما يتعين إثباته، لا حجةً قانونيةً على صحّته.
3- إنّ الرأي الذي نذهب اليه والمعاكس للرأي موضوع التعليق يستند إلى جملة من الاعتبارات القانونية المتكاملة، تتمثَّل أولاً في المدلول الفني للمصطلح القانوني (التكرار) الذي اعتمده المشترع للتعبير عن مفهوم قانوني معيّن، ذي دلالة قانونية محددة عن مقصده؛ وثانياً في وجوب قراءة العبارة موضع الجدل في ضوء التحفظ التفسيري الملزِم لقرار المجلس الدستوري والذي استجلى من خلاله مقاصد المشترع من اصطلاح التكرار الوارد في النص المتعلق بجنايات المخدرات، والذي أكّد رئيسه، في معرض شرحه له بمؤتمر متلفز، عدم شموله للملاحقات، بما لا يجوز تفسير تلك العبارة بمعزل عن مفهوم التكرار الذي أحالت إليه المحكمة الدستورية؛ وثالثاً في وجوب احترام قرينة البراءة المحمية دستورياً والتي تقتضي عدم مساواة مجرّد الملاحقة الجزائية بالإدانة الثابتة بحكم قضائي مبرم، طالما أنّ تلك الملاحقة لا تثبت بذاتها ارتكاب الجرائم موضوعها ومهما تعددت الدعاوى الجزائية المساقة بحق المتهم؛ ورابعاً في جوب تفسير النص كوحدة واحدة متكاملة، بما يمنع عزل العبارة الأخيرة عن صدره وسياقه العام وتحميلها معنى يتعارض مع دلالته الإجمالية، وتأويلها بشكل يتعارض مع حقيقة نية المشترع في منطوق النص؛ وخامساً في اقتصار إرادة المشترع صراحةً لاصطلاح تكرار الملاحقات على جرائم السرقة وحدها، دون اعتماده لهذا التعبير في ما خصَّ جرائم المخدرات، رغم ورودهما في ذات المادة الثانية من قانون العفو؛ وسادساً في وجوب التزام منهج التفسير الضيق لقوانين العفو بوصفها قوانين استثنائية، بما يحول دون التوسُّع في تفسير نطاق الاستثناءات عليه، على حساب الأصل؛ وسابعاً في جوب اعتماد التفسير المنسجم مع مقتضيات الشرعية الجزائية عندما يحتمل النص أكثر من قراءة قانونية، بما ينبغي معه اجتناب التفسير الذي ينشئ سبباً اضافياً أو مستقلاً للاستبعاد من العفو، من دون سند واضح في النص؛ وثامناً في وجوب ترجيح التفسير الأرحم والأصلح للجاني في كل مرَّة يقوم فيها شك تفسيري حول المعنى القانوني الواجب اعتماده.
وختاماً، فإنّ ما تقدّم من اعتبارات قانونية، وإن كان يقودنا إلى عدم موافقة الرأي الذي خلص إليه المرجع المعني بشأن تفسير العبارة محل الالتباس، فأنَّ هذا الأمر لا ينتقص من وجاهة الرأي المخالف ولا من الاحترام الواجب الذي نكّنهُ للمقام القضائي الذي صدر عنه، وإنّما ينصبّ على مناقشة موضوعية للأساس القانوني الذي قام عليه هذا الرأي ومدى اتّساقه مع أصول تفسير النصوص الاستثنائية ومنهجية استجلاء مقاصد التشريع؛ وإذ نعرض هذا الرأي المناقِض، فإنّما نفعل ذلك انطلاقاً من دورنا المهني والأكاديمي في مناقشة الآراء القانونية وتمحيصها، توسُّلاً لتصويبها، بإخضاعها لمعيار الحجة القانونية وسلامة الاستدلال المنطقي، بما يتيح الوصول الى التفسير الأوفق للنص القانوني والأكثر انسجاماً مع بنيته ودلالاته ومنطوقه وسياقه العام.
مع كافة التحفّظات ووافر الاحترام،
نابليون بونابرت (قائد عسكري ومشرِّع فرنسي) : «البراءة التي لم تُحمَ، ليست عدلاً، بل خيانة له».
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/10/27



