مقالات

رياض سلامة… كفالة 25 مليون دولار لا تطهّر سارق وطن/عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
من المؤلم والمفجع أن يخلى سبيل رياض سلامة الحاكم السابق لمصرف لبنان مقابل كفالة بلغت 25 مليون دولار.
في أي منطق قانوني يفرج عن رجل متهم بارتكاب واحدة من أكبر الكوارث المالية بحق شعب كامل؟ كيف يقبل أن يدفع هذا المبلغ الطائل ككفالة، في حين أن ملايين اللبنانيين عاجزون عن تأمين أدنى مقومات الحياة الكريمة؟
إن حيازة سلامة لهذا المبلغ الضخم واستعداده الفوري لسداده، لا يمكن إعتباره دليل براءة، بل هو أحد المؤشرات على امتلاكه أموالاً هائلة جمعت في ظروف مشبوهة وعلى حساب اللبنانيين المنهكين. فهل يعقل أن يتم التعامل مع هذا الملف وكأنه مجرد قضية مالية عابرة ؟!
فاللبنانيون لا يحتاجون لتقارير معقدة كي يدركوا ما ارتكب بحقهم، فكلهم شهود وضحايا في آن واحد إنطلاقاً من الهندسات المالية المشبوهة التي أغرقت لبنان بالديون ووزعت أرباح لجهات محددة على حساب المودعين، وتبديد الاحتياطي الإلزامي الذي تسبب في انهيار سعر الصرف، بالإضافة إلى التلاعب في السوق السوداء وضخ الدولار بطريقة أدت إلى انفلات جنوني في الأسعار وتهريب الأموال إلى الخارج، بينما كان المواطنون محرومين من ودائعهم، عدا مسألة تبييض الأموال وتضارب مصالح عبر شركات يملكها مقربون منه ومسؤولون كبار في الدولة ومن أصحاب النفوذ في كل اتجاه وهذا ثابت بالتحقيقات الدولية، عدا طمس الخسائر المالية مما فاقم الأزمة وأطاح بالثقة في القطاع المصرفي.
لكن ما يدعو للأسف العميق هو طريقة تعاطي القضاء مع هذه القضية التي تمس حياة الملايين. كنا ننتظر تحقيقاً شفافاً ومحاسبة صارمة تعيد للناس بعضاً من ثقتهم بالقضاء كمؤسسة حامية للحقوق، لكنّ الإفراج عن شخصية بهذا الثقل المتهم بجرائم بهذا الحجم ولو بكفالة مرتفعة، يفتح الباب أمام تساؤلات محقة حول فعالية وصرامة الإجراءات المتبعة.
نقول هذا لا من باب الإهانة أو الاتهام، بل من باب الخوف المشروع على ما تبقى من مؤسسات الدولة وعلى رأسها القضاء، الذي يجب أن يكون حصن العدالة، لا موضع تشكيك أو خيبة.
الشعب لم ينسَ… والعدالة الحقيقية لم تتحقق لأن رياض سلامة ليس مجرد موظف سابق، بل كان في موقع المسؤول عن مصير إقتصادي لدولة، لكن ما جرى في عهده دمر حياة الناس وأفقدهم مدخراتهم وأغرق لبنان في دوامة لا تزال مستمرة حتى اليوم مع “شلة أشرار” من حوله. ولذا من غير المقبول أن تطوى صفحة هذا الملف دون محاسبة حقيقية.
صفوة القول، إن العدالة لا تشترى بكفالة ولا تقاس بحجم النفوذ، بل تبنى على الحقيقة والمساءلة. وإذا كانت بعض المسارات القضائية قد خذلت الناس، فإن ضميرهم الحي لم يخمد بعد، وسيبقى يطالب بكشف الحقيقة وإنصاف من تلوع بسبب رياض سلامة.
“محكمة” – الأربعاء في 2025/8/27

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!