حين يفقد القانون روحه/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
تعب اللبنانيون من الانتظار. سنوات مرّت وهم يسمعون الوعود نفسها، ويقرؤون مشاريع القوانين نفسها، فيما الانهيار يتقدّم، والقلق يتوسّع، والثقة تتآكل. ومع الوقت، لم تعد المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب الإحساس بأن هناك من يريد فعلاً أن يحمي الناس لا أن يدير خسائرهم.
القانون، في جوهره، وُجد ليكون مساحة أمان. لكن حين يُفرَّغ من المحاسبة، وحين يُدار بالمنطق نفسه الذي قاد إلى الأزمة، يتحوّل من ملاذٍ إلى عبء، ومن أداة عدل إلى إجراء شكلي لا يلامس وجع الناس. عندها يشعر المواطن أن النصوص تُكتب، لا لتحميه، بل لتبرير ما حصل، أو لتأجيل مواجهة الحقيقة.
في ملف الفجوة المالية، لم يعد اللبنانيون بحاجة إلى المزيد من القوانين، بل إلى وضوح. وضوح يقول من يتحمّل المسؤولية، ومن استفاد، ومن يجب أن يُحاسَب. فالأزمة لم تعد أرقاماً في دفاتر، بل خوفاً يومياً، وقلقاً على مستقبل الأبناء، وشعوراً عميقاً بأن العدالة غائبة.
ولهذا بالذات، تزداد الشكوك حين تأتي الصيغ القانونية مبهمة أو ملتبسة، وكأنها صُمِّمت لاستجلاب معارضة قوية بدل معالجتها. فيجد المودع نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بقانون ناقص لا يطمئن، أو رفضه والدخول في مواجهة محسومة سلفاً مع المصارف، التي ستعارض أي تشريع يمسّ مصالحها مهما كانت صيغته. وفي الحالتين، يُدفع المودع إلى موقع الخاسر، فيما يكون تعطيل إقرار القانون مدخلاً عملياً لتأجيل تطبيق قوانين أساسية، كقانون رفع السرية المصرفية، وترك الوقت يعمل لمصلحة الإفلات من المحاسبة عبر مرور الزمن. هكذا، ومن دون أن يُقال ذلك صراحة، يتحوّل المودع إلى( Le dindon de la farce، ) شريكاً قسرياً في لعبة التأجيل بدل أن يكون محور الحماية.
من هنا، فإن الدعوة إلى حلول “توافقية” أو “تدرّجية” لم تعد تطمئن أحداً. التوافق لا يكون قيمة حين يتم على حساب الحقيقة، والتدرّج لا يكون فضيلة حين يتحوّل إلى ذريعة لتأجيل المحاسبة. ما يحتاجه البلد هو خطوة شجاعة تعيد الثقة، لا مسار طويل يستهلك ما تبقّى من صبر الناس.
ربما يكون المطلوب اليوم سياسة حزم، لا قاسية ولا انتقامية، بل عادلة وواضحة. حزم يضع حدّاً لشبكات النفوذ المالي، ويبدأ بالمحاسبة من حيث يجب أن تبدأ، ويعامل الأموال المنهوبة كحق عام لا كملف تفاوض. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل بعض التجارب المعاصرة التي أظهرت أن كسر التواطؤ بين المال والسلطة شرط أساسي لأي إصلاح حقيقي. فالحزم الذي انتهجه محمد بن سلمان في مواجهة شبكات النفوذ، مهما اختلفت السياقات بين الدول، قدّم نموذجاً لقرار سياسي واضح يقول إن لا أحد فوق المساءلة، وإن هيبة الدولة لا تُبنى بالتسويات بل بتحمّل المسؤولية ومواجهة مكامن الخلل مباشرة.
ليس المقصود استنساخ تجارب الآخرين، بل الاستفادة من دروس بسيطة: حين تتأخّر العدالة كثيراً، تفقد معناها. وحين يغيب القرار، لا تعود القوانين كافية. المطلوب إرادة سياسية تعترف بالأخطاء، وتتحمّل مسؤولية التصحيح، وتضع الناس في قلب القرار.
الاستمرار في التعويل على قوانين منقوصة، تُطبّق بانتقائية، لن يعيد الودائع، ولن يرمّم الثقة. ما يعيد الثقة هو الشعور بأن هناك من يسمع، ومن يجرؤ، ومن يضع كرامة الناس قبل أي اعتبار آخر.
لبنان لا ينقصه الذكاء ولا الأفكار. ما ينقصه لحظة صدق، وقرار يقول بوضوح: العدالة ليست ترفاً، بل شرط الحياة المشتركة، والمحاسبة شرط قيام الدولة.
“محكمة” – الاثنين في 2025/12/22



