مقالاتميديا

Un parlement pourquoi faire/ سامي أبو جودة

المحامي سامي أبوجودة:
كان الجنرال ديغول ممسكاً بحكم فرنسا وبجميع مرافقها وبآليات الحكم فيها. ولم تتأثر سلباً الديمقراطية الفرنسية التي ورثتها فرنسا على امتداد تاريخها العريق.
يوم كان الجنرال في المنفى كان معه برفقته شلّة من الأصدقاء والحلفاء، ولمّا عاد إلى فرنسا لاستلام زمام الحكم، اختار بعضاً من هؤلاء ليكونوا إلى جانبه في الحكم مساعدين ومستشارين، بالإضافة إلى ما يحتاجه الحكم من رجال أكفاء وصالحين وغير فاسدين. فانبرى واحد ممن لم يتم اختيارهم وسأله قائلاً: نحن أيضاً أصدقاء لك فلماذا لم تعيّننا؟ فأجابه الجنرال التاريخي: إعلم جيّداً أنّكم أصدقاء، وسوف تظلّون هكذا، ولكن بين مصلحة فرنسا وصداقتكم، رأيت أن اختار فرنسا.
وكان الجنرال قد تمكّن من ترسيخ نهجه في الحكم إلى حدّ أنّه اختزل الكثير من دور المجلس النيابي ونوّابه متحاشياً بذلك الكثير من الصراعات الداخلية ومن الممارسات التي كان يعتمدها النوّاب فتطغى معها مصالحهم الانتخابية والشعبوية على المصلحة العليا للبلاد.
وقد ثبت بذلك أنّ سفينة الحكم كانت بعد ذلك تسلك سيرها بفعالية أجدى وأسرع، ممّا حدا بالمفكّرين إلى التساؤل عن مدى جدوى المجلس، وعن مدى انتاجيته في هكذا حالة، وعن الأعباء التي يتكبّدها الشعب الفرنسي في سبيله، فطلعت صرخة تقول: un parlement pourquoi faire أيّ ما الفائدة من وجود المجلس النيابي.
ومقارنة بهذا الحدث، يحقّ للبنانيين أن يسألوا اليوم السؤال ذاته، طالما أنّه على امتداد 9 سنوات لم ينتج المجلس النيابي إلاّ ما يقارب الثلاثماية قانون، وقد جاءت بمعظمها قوانين عرجاء يتعذّر على أهل القانون هضمها وتطبيقها إلى حدّ أنّ القضاة يصعب عليهم اصدار الأحكام بالشكل الموضوعي والعلمي والاكاديمي من خلال هذه القوانين. وقد نضح آخرها وهو قانون الايجارات بما نضح به من أخطاء وتناقضات وهفوات جعلت جميع المعنين به سواء المالكين أو المستأجرين جميعهم مرتمين على أبواب المحاكم يبحثون عن حقّ مفقود ومتعذّر، وكأنّ المحاكم لا يكفيها بالذي فيها من اكتظاظ واختناق.
ومن عجائب هذا القانون العجيب فذلكة لم نألفها من قبل: فقد اخترع في مسألة الخبرة خبراء خاصين بالمدعي، وبالمقابل خبراء خاصين بالمدعى عليه، ثمّ وليقينه بأنّ خبراء الفرقاء لن يتوافقوا على أمر واحد، فقد أحالهم مع الفرقاء إلى خبراء جدد يتمّ تعينهم هذه المرّة من القاضي المختص. لم نكن نعلم قبلاً أنّه يوجد في الأصول القانونية خبير لكلّ فريق في النزاع وكأنّنا في حلبة مصارعة حرّة، وأخيراً خبير تعيّنه وتعتمده المحكمة.
التشريع قصّة كبيرة لا يجوز أن تترك للنوّاب. فقد خبزناهم وعرفنا قدرتهم: 128 نائباً مختزلون بحفنة محدودة من المرجعيات السائدة. رأيهم لا يقدّم ولا يؤخّر. أصبحت كلفتهم مرهقة وثقيلة على الشعب المسحوق والمسبوق، يساهمون في الدين العام وكلفة الدين على مدى ولايتهم وعلى مدى حياتهم مضافاً إليها نعمة التوريث. وليس متوقّعاً من العملية الانتخابية الأخيرة إلاّ فصل جديد من الرواية السائدة. وليس في الأفق المنظور ما يشير إلى التغيير. الرسالة تقرأ من عنوانها:
un parlement pourquoi faire
(نشر في مجلّة محكمة – العدد 30 – حزيران 2018 – السنة الثالثة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!