أموال مودعة نقداً لدى كاتب العدل تردّ بشيك مصرفي: حين يتحوّل إستيفاء الحقّ إلى عبء على المالك/عاطف منصور
المحامي عاطف حسن منصور:
من يدفع الثمن؟
في بلد إنهارت فيه المصارف وانكشفت عورات النظام المالي، لم تعد النصوص القانونية أكثر من أوراق بلا قيمة. فالإيداع لدى كاتب العدل الذي وجد أساساً لحماية الحقوق وضمان العدالة، تحوّل بفعل الأزمة إلى وسيلة جديدة لتمرير الخسائر إلى المواطنين.
الواقعة باختصار:
مستأجر أودع بدلات إيجار نقداً لدى كاتب العدل إلتزاماً بالقانون بعدما فقدت الشيكات قيمتها كوسيلة وفاء. وعندما قصد المالك كاتب العدل لقبض المبلغ لم يتسلمه نقداً بل بشيك مصرفي. والسبب أنه لا يوجد أي نص يلزم كاتب العدل بأن يدفع المبالغ نقداً أو أن يسلم العرض الفعلي من مكتبه، إذ يملك حرّية تحديد طريقة التسليم وفق القانون وظروف الإيداع.
لدى عرض الشيك على المصرف بدأت المتاهة: طلب مستندات، تأجيل، انتظار قرار الإدارة، مراجعة الدائرة القانونية، ثم الرفض الضمني تحت ذريعة التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان، إلخ.
المالك صاحب الحق، إضطرّ في النهاية إلى صرف الشيك عبر صراف إقتطع منه أربعة ملايين ليرة كعمولة ونسبتها 10%. وهكذا، تحول إستيفاء الحق إلى صفقة خاسرة، والعدالة إلى مسرحية هزيلة.
بالعودة إلى نص المادة 822 من قانون الموجبات والعقود فهي واضحة وصريحة: “كاتب العدل يتسلم المبالغ ويودعها في حسابه المصرفي ليعيدها إلى أصحابها”. قبل الأزمة كان الأمر يسير بسلاسة، أما اليوم فالمصارف تحتجز الأموال ومصرف لبنان يغطي ليفرغ النص القانوني من أي معنى.
وعلى الرغم من أن النص لا يلزم كاتب العدل بالدفع نقداً، فإن على كاتب العدل وبمبادرة شخصية أن يدفع المبالغ نقداً من مكتبه لتسهيل أمور المواطنين إدراكاً منه لحجم المعاناة والتعقيدات التي سيواجهها الشخص من أجل قبض ماله، خصوصاً إذا كانت البدلات زهيدة لتفادي العوائق المصرفية وحماية حقوق أصحابها. ومع العلم أن بعض كتاب العدل يحرصون على تقدبم التسهيلات قدر الإمكان.
هنا، لا يمكن إتهام كاتب العدل بالمسؤولية المباشرة، لأنّ النظام المصرفي برعاية مصرف لبنان هو من حوّل العرض الفعلي إلى عرض شكلي لا قيمة له. فالمال يودع نقداً وبعدها يصبح رهينة بالمصارف، والمالك يجد نفسه مجبراً على دفع عمولات للصرافين ليقبض جزءاً من حقه.
إن مسؤولية مصرف لبنان كبيرة ولا يمكن أن يكون مجرد متفرج، بل هو اللاعب الأساسي في هذه المهزلة، وهو الذي أصدر التعاميم التي شرّعت للمصارف حجز أموال الناس، ويغطي سياسات البنوك المخالفة بلا منطق وعدالة، وبقراراته حوّل حقوق المالكين والمستأجرين إلى رهينة، وأدخل كاتب العدل في حلقة عبثية لا حول له فيها ولا قوة.
إنطلاقاً من هنا، ينبغي إلزام المصارف وتحت رقابة مباشرة من مصرف لبنان، بتسديد الأموال المودعة من قبل كتّاب العدل لأصحابها فوراً دون تلكؤ أو تعقيدات، وإصدار تعميم صريح من وزارة العدل ومجلس كتّاب العدل بذلك وإيجاد صيغة تحدد آلية واضحة لتسليم الأموال بما يحول دون إستنسابية المصارف، كما ومحاسبة مصرف لبنان على تعاميمه التي ساهمت في ضرب الحقوق وتحويل المواطنين إلى رهائن في يد المنظومة المصرفية الوحشية.
صفوة القول، المصارف تصادر الأموال، ومصرف لبنان يشرع، والمواطن يخسر، والمستأجر يدفع نقداً، والمالك لا يقبض نقداً، وكاتب العدل يلتزم النصوص لكنه محاصر بنظام فاسد، والنتيجة، فإنّ حقوق الناس في مهبّ المصارف وتعقيداتها.
لم يعد السؤال من يدفع الثمن؟ فالجواب صار بديهياً: المصارف ومصرف لبنان معاً مسؤولان مباشرة عن سرقة يومية مقوننة، وعن إذلال المواطنين في أبسط حقوقهم.
“محكمة” – الجمعة في 2025/9/12



