التاريخ الصحيح للعقود: هل دفعت الرسوم المرتفعة المواطنين الى الهروب من التسجيل الرسمي؟/عاطف منصور
المحامي عاطف حسن منصور:
في السنوات الأخيرة توسعت ظاهرة لجوء الأفراد والشركات إلى تنظيم إتفاقيات خاصة وإعطائها تاريخاً صحيحاً لدى كاتب العدل بدل تسجيلها بصورة رسمية كاملة لدى الدوائر المختصة، لا سيما في العقود التي تتعلق بالبيوعات والأموال والشراكات والتسويات المالية. وقد بات هذا الأسلوب يشكل حلاً عملياً بالنسبة لكثيرين بهدف إضفاء قوة إثبات على الإتفاقات وتثبيت وجودها بتاريخ معين تجاه الغير من دون تحمل الأعباء المالية الكبيرة التي تفرضها عمليات التسجيل الرسمية والضرائب والطوابع والرسوم المرتفعة.
ورغم أن إعطاء العقد تاريخاً صحيحاً يضفي عليه قوة ثبوتية مهمة، إلا أنه لا يحل دائماً محل التسجيل القانوني الكامل عندما يكون القانون قد فرض إجراءات شكلية لازمة لنفاذ التصرفات القانونية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية معقدة تتعلق بالصورية أو التزوير أو النزاع على الملكية أو حقوق الدائنين والورثة، خصوصاً عندما تظهر هذه العقود بعد نشوء نزاعات مالية أو حجوزات أو دعاوى قضائية.
كذلك لا يمكن تجاهل أن إرتفاع الرسوم المفروضة على تسجيل العقود قد ساهم عملياً في دفع شريحة واسعة من الناس إلى تفادي التسجيل الكامل واللجوء إلى عقود عادية مع تثبيت توقيعها أو تاريخها فقط لدى كاتب العدل، ما كرس واقعاً قانونياً بديلاً تدور فيه معاملات مالية وعقارية كبيرة خارج الدورة الرسمية الكاملة. والمفارقة أن الدول التي تسعى إلى زيادة إيراداتها عبر رفع الرسوم، قد تكون في الواقع تخسر جزءاً كبيراً من المداخيل بسبب عزوف المواطنين عن التسجيل، إذ إن تخفيض الرسوم وإعتماد سياسة أكثر واقعية قد يشجع عدداً أكبر من المتعاقدين على تسجيل عقودهم بصورة قانونية سليمة، ما يؤدي إلى توسيع قاعدة الجباية وتعزيز الثقة بالمعاملات الرسمية والحد من النزاعات القضائية التي تثقل كاهل المحاكم والمتقاضين على حد سواء.
صفوة القول، قد تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في السياسة المالية والتشريعية المرتبطة بتسجيل العقود، بما يحقق التوازن بين حق الدولة في الجباية وبين ضرورة تشجيع المواطنين على إحترام الأصول القانونية وعدم دفعهم بصورة غير مباشرة إلى البحث عن وسائل بديلة لتجنب الأعباء المالية المرتفعة.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/5/20



