أبحاث ودراسات

المهل غير الموحدة في قانون الإيجارات: قراءة دستورية، قانونية وإجتهادية في اثر تعطيل اللجان والصندوق على بدء مهلة التمديد/مايا جعارة

المحامية مايا جعارة:
في ضوء صدور بعض الأحكام المقلقة بحقّ المستأجرين المصنّفين من ذوي الدخل المحدود ، الذي اطلق عليهم تسمية «المستفيدين من الصندوق»، نودّ الإضاءة على بعض النقاط التي لم يُصر إلى التطرّق إليها سابقاً، باعتبار أنّ البحث فيها في تلك المرحلة كان سابقاً لأوانه، في ظلّ التخبط الاجتهادي القائم بين اعتماد المهل المنصوص عليها في قانون 2014 أو تلك الواردة في القانون رقم 2017/2.
ان المجلس الدستوري في قراره رقم 2017/3 الذي تناول الطعن في قانون الإيجارات الجديد 2017/2، اعتبر ان القانون باعتماده بدء مهل غير موحدة، أيّ تواريخ مختلفة لوضعيات قانونية مختلفة، هو أمر دستوري ومشروع متروك للسلطة التشريعية ممّا يؤكّد بشكل قاطع من أعلى مرجع قانوني ودستوري وهو المجلس الدستوري الذي تعتبر قراراته ملزمة لجميع السلطات في الدولة، ان نقطة انطلاق المهل غير موحدة،وبالتالي فإن القانون يبدأ من تاريخ 2017/2/28 لغير المستفيدين من الصندوق، لكنّه يبدأ بتاريخ آخر لشريحة المستفيدين من الصندوق من تاريخ النفاذ وليس النشر عملًا بحرفية المادة 15 معطوفة على المواد 3 و 58 و60 من القانون.
فالمادة 15 نصت صراحة : “…..والمستفيدين من الصندوق لغاية 12 سنة من تاريخ نفاذ هذا القانون:
وتأكيداً لذلك نقرأ في القانون الفرنسي :

Les lois et, lorsqu’ils sont publiés au Journal officiel de la République française, les actes administratifs entrent en vigueur à la date qu’ils fixent ou, à défaut, le lendemain de leur publication. Toutefois, l’entrée en vigueur de celles de leurs dispositions dont l’exécution nécessite des mesures d’application est reportée à la date d’entrée en vigueur de ces mesures
(Modifié par Ordonnance n°2004-164 du 20 février 2004 – art. 1 () JORF 21 février 2004 en vigueur le 1er juin 2004)

أي بتاريخ لم يبدأ بعد، كون الحساب لم يدخل حيز التنفيذ عملا بمبدأ الفعالية juridique effectivite ، إذ إنّه في القانون العام، لا تعتبر المؤسسات منفِذه لوظيفتها لمجرد وجودها الورقي، بل عن قدرتها الفعلية على ممارسة اختصاصها كما وعملاً بمبدأ ” لا تكليف بمستحيل”إذ لا يمكن إلزام المستأجر ببدء احتساب مهلة الـ 12 سنة وهو لا يملك ” اللجنة” التي تقرر صفته كمستفيد ولا ” الحساب” الذي يسدد له الزيادات او يعطيه التعويض (فالمقولة القانونية والمبادىء البديهية تقضي بأن تبدأ المهلة عند اكتمال عناصرها). هذا إضافة إلى الإجراءات المستحيلة إذ كيف له أن يتقدّم خلال مهلة الشهرين من تاريخ تحديد بدل المثل طالما أنّ اللجان لم تكن قد بدأت بتلقي الطلبات ؟!
أو إستطراداً بتاريخ صدور المرسوم الإشتراعي للصندوق (النظام المالي لحساب صندوق مساعدات المستأجرين) إذ إنّ نفاذ الأحكام التي يتطلّب تنفيذها اتخاذ تدابير تطبيقية يُرجأ (l’entrée en vigueur est reportée) إلى تاريخ دخول هذه التدابير حيّز التنفيذ.
وعلى سبيل الجدل القانوني ليس إلّا، وإذا ما اعتبرنا ان التعليق إنتهى بصدور المراسيم التطبيقية للصندوق (المرسوم 2019/4773) بتاريخ 2019/10/4 فتكون مهلة تطبيق سنوات التمديد المنصوص عنها في القانون قد بدأت بتاريخ 2019/10/4 وليس 2017/2/28، علماً ان اللجان لم تبدأ عملها وقتذاك بسبب اندلاع ثورة 17 تشرين الأوّل 2019 ممّا يشكّل مخالفة إضافية للمواد 3 و7 و8 و58 من القانون 2017/2، إذ إنّ المهل الملحوظة تكون قد انقضت قبل بدء عمل اللجان التي لم تبدأ عملها أصلاً بصورة قانونية حتى تاريخه، وأوّل لجنة بدأت تتلقى إنما دون إعلام المواطنين، كان بتاريخ 2020/7/15، أيّ بعد انقضاء المهل المسقطة لا سيما مهلة الشهرين المنصوص عنها تحت طائلة سقوط الحق في المادة 8 وهذه أسباب تؤكّد ومن شأنها تعطيل وتعليق المهل باللجان والصندوق الحساب لانقضاء مهل أساسية ومصيرية تتعلّق بحقوق المستأجرين الخاضعين لهذا القانون، كما ولسبب وجيه آخر هو عدم بدء الصندوق الحساب بالدفع الفعلي، بل بالعكس، فقد أفرغ من أي تمويل منذ تاريخ أوّل ذكر لتمويل في العام 2017 وحتى العام 2022 بموجب المرسوم 2022/8836 ولم يصر إلى تمويله بعد ذلك وهذا إثبات إضافي يصبّ في خانة عدم إمكان سريان هذا القانون في ما يختص بشريحة المستفيدين من الصندوق.
والجدير ذكره في هذا السياق، أنه لا يكفي القول إنّ إشغال المستأجر للمأجور خلال هذه الفترة يؤدّي حكماً إلى اعتبار المهل قد بدأت بالسريان، إذ إنّ هذا التحليل يخلط بين استمرار الإشغال كواقعة مادية وبين نفاذ المنظومة القانونية الخاصة بالمستفيدين من الصندوق كمنظومة مترابطة اشترط القانون نفسه اكتمال عناصرها.
فالمستأجر خلال تلك المرحلة لم يكن منتفعاً بالمأجور دون مقابل، بل بقي خاضعاً للبدل القديم الذي كان يسدّده أساساً قبل صدور القانون (حتى ولو أصبح بخساً نظراً لانهيار سعر الصرف)، ما ينفي فكرة استفادته المجانية من التمديد خلال فترة عدم جهوزية الآليات التطبيقية.
إضافة إلى ذلك، فإنّ المهل المرتبطة بحقوق المستفيدين من الصندوق لا يمكن فصلها عن وجود اللجان المختصة والحساب وآليات الدفع، باعتبار أنّ هذه العناصر ليست تفصيلاً إجرائياً ثانوياً، بل تشكّل شرطاً جوهرياً لممارسة الحقوق التي ربطها القانون بها، وبالتالي، فإنّ احتساب المهل قبل اكتمال هذه العناصر يؤدّي عملياً إلى سقوط حقوق قبل إمكان ممارستها، الأمر الذي يتعارض مع مبدأ الفعالية القانونية ومبدأ استحالة التكليف بالمستحيل.
وعليه، فإنّ بدء احتساب مهلة التمديد بالنسبة إلى المستفيدين من الصندوق لا يمكن أن يُفترض افتراضاً نظرياً أو شكلياً، بل يجب أن يُربط بتاريخ توافر شروط التطبيق الفعلي والفعّال للنظام القانوني الذي أوجده القانون رقم 2017/2.
ولما كان نص المادة 58 هو نص آمر يتعلق بالنظام العام الحمائي للمستأجرين من ذوي الأوضاع الهشة والقفز فوق هذه المادة يعتبر مخالفة صريحة لإرادة المشرع التي كرسّها المجلس الدستوري في قراره رقم 2017/3.
وبالفعل، إن المجلس الدستوري عندما شرّع المهل غير الموحّدة، فإنه ربط ضمنياً “بدء المهلة” بـ”القدرة على الإستفادة”، وهذا واضح تماماً وإلا لماذا اضيفت المادة 58 خلال جلسة إقرار القانون في الهيئة العامة؟!.
القوانين الإستثنائية والقوانين البرنامج لها منطقها الشمولي الخاص إذ لها أهداف ووسائل مترابطة واي فصل بينهما يفرغ النص من مضمونه، ولا يجوز تفكيكها عبر الإجتزاء la dénaturation ، إذ إنّها موضوعة ضمن توازن تشريعي دقيق تؤدي تجزئتها إلى تشويه غاية المشترع وتسقط فلسفة القانون وتوازنه وتفقده مبرره وأهدافه.
وكما يقول العلامة Jean Carbonnier إنّ “القوانين ذات الطابع الإجتماعي او البرنامجي لا تقرأ كمواد منفصلة بل كسياسة تشريعية متكاملة تهدف إلى تحقيق غاية محددة”. وأيضاً العلامة Georges Ripert و Henri Capitant
ولما كان الصندوق يدخل في اساس تطبيق المواد 15 و 16 و27 .
المستأجر له حقان واحد منصوص عنه في المادة 16 فقرة1 (البقاء سنوات إضافية) والثاني منصوص عليه بموجب المادة 16 وفقرة 2 (التنازل عن إيجارته وقبض التعويض). وأعطي حق الخيار بين هذين الحقين.
هل هناك إمكانية بتخييره بين البقاء والترك؟ كلا، كونه ألزم بالبقاء في ما له حق أخذ التعويض من اليوم الأوّل؟
هل هناك نص في القانون يعطي اللجنة مهلة للبت بالطلبات؟ كلا
كيف يمكن بالتالي الحكم بانقضاء مهلة التمديد في السنة التاسعة طالما انتزع من المستأجر حق استعمال الخيار المعطى له من المشرع؟ فيكون المستأجر قد ألزم بالبقاء طيلة السنوات الـ12 المعطاة له بإنتظار قرار اللجنة؟.
هل يعاقب المستأجر على اعتقاده المشروع بأن هذه المواد معلقة (لا سيما المواد 8 و16 و 27 و58) طالما أحد الشروط المتعلق بعمل السلطة القضائية أيّ اللجان لم تقم بواجباتها؟
السؤال البديهي الذي يطرح : هل يعقل ان تكون الاغلبية الساحقة من المستأجرين لا تريد استعمال اي من الحقين المعطاة لها؟ طبعاً لا، والف لا.
ولما كان يجب لفت النظر إلى ان العدالة إستمرارية، ولطالما ثبت الإجتهاد واستقرّ خلال السنوات المنصرمة على تعليق الدعاوى لحين دخول الصندوق حيز التنفيذ والبت بطلبات المستأجرين،
ولما كان الحكم الوحيد الذي صدر حتى تاريخه عن محاكم الإستئناف في ما خص هذا الموضوع، صدر عن محكمة استئناف جبل لبنان (بعبدا) بتاريخ 2025/4/28 حيث اكدت المحكمة وحدة النصوص وترابطها وعدم قابليتها للتجزئة وانه لا يمكن البحث بانتهاء عقد الإيجار إلا بعد ربطها بكافة المواد المتصلة ومنها المادة 15 و16.
ولما كان الاجتهاد استقرّ في محاكم التمييز ولا سيما قرار الرئيس حدثي والمستشارتين علاّوي وغنطوس، والصادر بتاريخ 93/12/30 أن قانون الايجارات هو وحدة متكاملة في أحكامه الموضوعية والاجرائية، وغير قابل للتجزئة،
ولما كانت قاضي المنفرد الناظر بقضايا الايجارات في طرابلس الرئيسة سمر البحيري، قد احسنت تطبيق القانون فأصدرت حكمًا حكيمًا بتاريخ 2024/2/24، نشر في مجلّة “محكمة” بتاريخ 2025/2/28، وجاء فيه انه لا يمكن تطبيق قانون الايجارات بعدم وجود اللجان والصندوق والحساب وآليات التنفيذ المنصوص عليها في كافة مواد القانون الـ 37، اضافة الى تعليقه استناداً الى المادة 58 وغيرها من الأسباب.
ولما كان لا يعقل أن تضع نفسها اللجان بخانة المستنكفة عن إحقاق الحق لتجرّد المستأجرين من حقوقهم وتضحي بسمعتها وتعرض نفسها للمساءلة (مجلس تأديبي وغيره) ولمقاضاة الدولة عن إعمال موظفيها لتنصر فئة تتمتع بامتياز الملكية مقابل فئة هشة أوجدت اللجنة والصندوق لحمايتها! طبعا لا.
عملاً بمبدأ عدم جواز تحميل الأفراد نتائج تقصير الإدارة.
عملاً مبدأ أنّ “الشك يُفسّر لمصلحة الفئة المحمية”(وفي حالتنا المستأجر الضعيف، فمجرّد تقديم طلب استفادة يجب أن يعتبر مستفيد حكماً طالما لم يبتّ بطلبه، التفسير الذي يقول بانهاء التمديد عند السنة التاسعة يعاقب المستأجر على ذنب لم يقترفه، وهو تفسير يخالف فلسفة القانون الحمائية).
عملاً مبدأ انّه “لا يجوز للإدارة أن تستفيد من تقصيرها.
وعملاً بأن مهلة الـ12 سنة المعطاة قد وضعت كـشبكة أمان اجتماعي وليس كعقوبة.
ولما كان المشترع علّق الأحكام والمهل بموجب المادة 58 (التي علقت المادة 16) لكي يضمن للمستأجر ذوي الدخل المحدود أن يتقاضى مساهمة الصندوق قبل أن يبدأ عداد السنين بالانخفاض السريع.
عملاً بمبادىء القوة القاهرة وفعل الإدارة (Fait du Prince)
المستأجر قدّم طلبه إلى اللجنة ضمن المهلة القانونية، وتنصل الإدارة (اللجان) من البت بالطلب هو خطأ مرفقي وعمل مادي لا يد للمستأجر فيه. التعطيل المرفقي هو ” عمل مادي صادر عن السلطة العامة” fait de l`administration
لا يجوز أن يتضرر المستأجر من تقاعس اللجان المعينة من قِبل الدولة. طالما أن الطلب معلق أمام اللجنة ولم يصدر فيه قرار مبرم بالرفض، فإن وضعية المستأجر القانونية هي “مستفيد مع وقف التنفيذ” أو “مستفيد احتمالي بقوة القانون”.
الشك هنا يقع بين وضعيتين: هل نعتبره غير مستفيد ونخليه؟ أم نعتبره بحكم المستفيد حمايةً لحقه؟ المبدأ يفرض اعتماد الخيار الثاني لأن الأول يؤدي إلى تشريده، وهو عكس ما توخاه المشترع خاصة وان المادة 58 هي من النظام العام الحمائي.
كيف لا ونحن امام حالة قوة قاهرة Force majeure ثابتة لجهة توافر شروطها الثلاث: الخارجة exteriorité (تعطل اللجان امر خارج عن إرادة وسيطرة المستأجر) وعدم إمكانية التوقع Imprevisibilité (كيف للمستأجر ان يتوقع بأن اللجان ستعتكف وتتوقف بالكامل عن العمل لسنوات طوال!!!) واستحالة الدفع Irresistibilité إذ يستحيل على المستأجر قانوناً ومادياً إجبار اللجنة على الإنعقاد وإصدار القرار .
ولما كانت القوة القاهرة (تعطل المرفق العام) قائمة، فإنها تؤدي إلى تعليق المهل حكماً ، فلا يمكن لعداد السنوات ان يبدأ!
لكل ما تقدّم،
يتبين بصورة واضحة، أنّ تحميل المستأجر نتائج تعطيل اللجان والصندوق والإدارة يشكّل مخالفة صريحة لفلسفة القانون الحمائية، ولمبادئ العدالة والإنصاف والأمن القانوني، كما يؤدي عملياً إلى تجريد الفئة التي قصد المشترع حمايتها من الضمانات الأساسية التي كفلها لها القانون والمجلس الدستوري والاجتهاد.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/5/20

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!