التفاوض تحت النار: مقاربة قانونية في ضوء جرائم التعامل مع العدو وأحكام السيادة/عماد جعارة
المحامي عماد جعارة:
في ظل العدوان المستمر وما يرافقه من استهداف للمدنيين والبنى التحتية، يطرح مجددًا ملف التفاوض مع العدو الإسرائيلي، لا كخيار سياسي فحسب، بل كمسألة قانونية خطيرة تمس جوهر السيادة وأحكام قانون العقوبات اللبناني.
إن أي نقاش حول التفاوض، خارج الإطار الدستوري الصارم، يثير شبهة جريمة واضحة لمبدأ الشرعية. فالتفاوض باسم الدولة لا يمكن أن يكون مبادرة فردية أو ظرفية لا من رئيس جمهورية ولا من رئيس مجلس وزراء، بل يخضع لآليات دستورية محددة، تبدأ بقانون صادر عن مجلس النواب يسمح بالتفاوض المباشر مع العدو وبقرار صادر عن السلطة التنفيذية مجتمعـة شرط أن تخضع لرقابة السلطة التشريعية. وأي تجاوز لهذا الإطار يضع الفاعل في دائرة المساءلة.
أخطر من ذلك، أن قانون العقوبات اللبناني لم يترك مسألة التعامل مع العدو عرضة للتأويل. فقد نصت المادة 278 على تجريم كل لبناني يقدم على الاتصال بالعدو أو التعامل معه، بأي وسيلة كانت، إذا كان من شأن ذلك أن يعرّض لبنان أو مصالحه للخطر. كما جاءت المادة 273 لتشدد العقوبة على كل من يقوم بأعمال من شأنها إضعاف الشعور القومي أو إثارة النعرات بما يهدد وحدة الدولة في مواجهة العدو.
أما المواد 285 وما يليها، فقد ذهبت أبعد من ذلك، فجرّمت كل شكل من أشكال الدعاية أو التواصل الذي يصب في مصلحة العدو أو يسهّل له تحقيق أهدافه. ولا يقتصر التجريم هنا على الفعل المباشر، بل يشمل أيضًا أي سلوك يمكن أن يفسَّر كمنح امتياز سياسي أو أمني أو استراتيجي للطرف المعادي.
في هذا السياق، يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن التوفيق بين هذه النصوص الصريحة وبين أي مسار تفاوضي يُطرح في ظل استمرار العمليات العسكرية وسقوط الضحايا؟ إن التفاوض “تحت النار” لا يطرح إشكالية سياسية فحسب، بل يفتح الباب أمام توصيفات جزائية جنحية وجنائية بالغة الخطورة، خصوصًا إذا جرى خارج الأطر الرسمية أو من دون تفويض قانوني واضح.
إلى جانب ذلك، فإن المادة 288 تعاقب على كل تواصل أو تبادل من شأنه تقوية موقف العدو، حتى ولو لم يقترن بنتيجة مباشرة. وهو ما يعني أن مجرد الانخراط في مسار تفاوضي غير منظم قانونًا، قد يندرج ضمن الأفعال المجرّمة، إذا ثبت أنه أتاح للعدو تحقيق مكاسب سياسية أو ميدانية.
ولا يمكن إغفال أن هذه النصوص لا تميّز بين صفة الفاعل، بل تطال “كل لبناني”، ما يعني أن المسؤولية الجزائية قد تشمل أي شخصية رسمية أو عامة، متى توافرت أركان الجرم. فالصفة الرسمية لا تشكل حصانة مطلقة في مواجهة جرائم تمس أمن الدولة الخارجي.
أما على المستوى الدولي، فإن التفاوض في ظل استمرار استهداف المدنيين يثير إشكالية قانونية إضافية، تتعلق بمدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض التزامات واضحة بحماية السكان المدنيين ووقف الأعمال العدائية العشوائية. وبالتالي، فإن أي مسار تفاوضي لا يلحظ هذه القواعد قد يُفهم كقبول ضمني بواقع مخالف للقانون الدولي.
إن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في طبيعة التحديات الأمنية، بل في دقة الخيارات القانونية المطروحة. فلبنان، بتكوينه الهشّ، لا يحتمل قرارات ملتبسة قد تُفسَّر كخروج عن أحكام القانون أو تفريط بالسيادة. ومن هنا، فإن أي حديث عن التفاوض يجب أن ينطلق أولًا من احترام النصوص الجزائية والدستورية، لا من تجاوزها.
خلاصة القول، إنّ التفاوض مع العدوّ، في ظلّ الظروف الراهنة، ليس مسألة تقديرية مفتوحة، بل يخضع لقيود قانونية صارمة. وأي انزلاق خارج هذه القيود قد لا يندرج فقط في خانة الخطأ السياسي، بل قد يرقى إلى مستوى الجرائم التي تمس أمن الدولة، كما حددها قانون العقوبات اللبناني بوضوح لا لبس فيه. وقد تشعل حربًا أهلية لا سمح الله …وهذا ما يريده العدو وبعض أحزاب الداخل التي اشتاقت أن ترجع وتكون ميليشيا بهدف ايقاع الفتنة وارهاق دماء بريئة خدمة لمشغلها الصهيوني.
“محكمة” – الخميس في 2026/4/9



