مقالات

الصيف… حين يشتعل العالم بنورٍ لا يُرى/ أنطونيو الهاشم

انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
يبدأ الصيف لا كفصلٍ عابر في رزنامة الوقت، بل كقوّةٍ كونية تزيح الستائر عن وجه الأرض، وتدعو الأشياء إلى الاعتراف بجمالها. كأنّ العالم، في الصيف، لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يريد أن يكون مرئياً، لامعاً، مكشوفاً أمام دهشة الإنسان. إنّه الفصل الذي لا يهمس، بل يضيء. لا يمشي على أطراف أصابعه، بل يدخل بكامل حضوره، كملكٍ قديم يعرف أنّ الشمس عرشه، وأن الأفق مملكته، وأن الضوء لغته الأولى.
في الصيف، تصير الشمس أكثر من نارٍ معلّقة في السماء. تصبح كاتباً سماوياً يخطّ رسائله على الجبال والبحار والحقول والوجوه. تكتب على صخور الجبال ذاكرة الصبر، وعلى صفحات البحر ارتجاف اللانهاية، وعلى وجوه الناس أثراً غامضاً من التعب والفرح معاً.
الصيف ضوءٌ لا يكتفي بأن ينير الأشياء، بل يكشفها .يجرّدها من عتمتها، من أقنعتها، من برودة الشتاء الطويلة، ويعيدها إلى أصلها الأوّل ، تراباً حيّاً، وماءً متلألئاً، وشجراً يتنفّس، وإنساناً يبحث عن سببٍ صغير للفرح.
ليس الصيف حرارة فحسب، بل امتحانٌ للجمال حين يبلغ أقصى حضوره. في شدّة القيظ، تنكشف هشاشة الإنسان وحاجته إلى ظلّ شجرة، إلى جرعة ماء، إلى نسمة عابرة، إلى بحرٍ يضع فيه تعبه. وما أعمق أن يعلّمنا الصيف، بقسوته المضيئة، أنّ أبسط الأشياء هي أكثرها قداسة ،ظلّ، ماء، هواء، يدٌ تمسح عرق جبين، بيتٌ مفتوح على المساء، وصوتٌ حبيب يأتي من بعيد كأنه نجاة.
للصيف فلسفته التي لا تُدرّس في الكتب. إنّه يقول لنا إنّ الحياة ليست دائماً في العمق المعتم، ولا في الأسئلة الثقيلة، ولا في الممرّات الضيّقة التي نحشر فيها أرواحنا. أحياناً تكون الحياة في اتّساع السماء، في زرقة البحر، في رائحة التين والعنب، في نضج السنابل، في جسد الأرض حين يدفأ، وفي القلب حين يتخفّف من وقاره الكاذب ويعود طفلاً أمام موجة، أو نجمة، أو غروب.
كلّ صيف يحمل في داخله طفولتنا القديمة. لا نعرف لماذا، ما إن يطلّ حتى تستيقظ فينا صورٌ ظننّاها ماتت، طرقات الجبل، بيت الجدّ، السطح المبلّل آخر النهار، أصوات الجيران عند المساء، ضحكات الأولاد في الأزقّة، رائحة الخبز والفاكهة، والبحر البعيد الذي كنّا نظنّه نهاية العالم. في الصيف يعود الزمن أقل قسوة. لا يرجع الماضي إلينا، لكنّه يلمسنا من بعيد، كمن يضع يده على كتفنا ثم يمضي.
وأجمل ما في الصيف أنّه يحرّر الحواس من سباتها. العين ترى الألوان كأنها وُلدت الآن، والأذن تسمع الموج كأنه نشيدٌ أزلي، والجلد يفهم معنى الريح، والفم يتذوّق الثمار كأنّ الأرض تقدّم اعتذارها الجميل عن كلّ ما في الحياة من مرارة. حتى الصمت في الصيف له صوت. صمت الظهيرة ليس فراغاً، بل امتلاءٌ كثيف، كأنّ الكون يتوقّف لحظة ليصغي إلى نفسه.
ثم يأتي المساء، فيخلع الصيف جبروته ، ليخف اللهيب في الهواء، ويصبح الغروب آنذاك حدثاً روحياً لا مشهداً طبيعياً فقط ، ذهب يذوب فوق حافة العالم، وشمسٌ تغادر لا كمن ينطفئ، بل كمن يعلّمنا فنّ الرحيل الجميل. في ذلك الوقت، يدرك القلب أنّ بعض النهايات ليست خسارة، بل طريقة أخرى لكي يكتمل الجمال.
لليل الصيف سحرٌ لا يفسّره العقل. إنّه ليلٌ أقلّ وحشةً من سائر الليالي، لأنّ النهار يترك فيه شيئاً من دفئه، ولأن النجوم تبدو أقرب، كأنها مصابيح معلّقة تنير درب البشر.ومع ذلك، لا يخلو الصيف من حزنٍ نبيل. فالجمال حين يشتدّ يذكّرنا بأنّه زائل. نحبّ الغروب لأنّه يمضي، ونحبّ الموج لأنّه لا يبقى، ونحبّ ليالي الصيف لأنّنا نعرف أنّها ستُطوى مثل رسالة قديمة احتفظت برائحة صاحبها. في قلب كلّ فرح صيفي نغمة وداع خافتة، كأنّ الحياة تقول لنا، لا تؤجّلوا الدهشة، لا تؤجّلوا المحبة، لا تؤجّلوا النظر إلى السماء، فكلّ ما يلمع قد لا يعود بالطريقة نفسها.
الصيف هو تمرينٌ على الامتنان. أن نشكر الشمس رغم قسوتها، والظلّ لأنه يعرف قيمته، والبحر لأنه يتّسع لما لا نقوله، والأرض لأنها لا تزال قادرة على أن تُنبت، والقلب لأنه، رغم كلّ ما انكسر فيه، ما زال يعرف كيف يفرح أمام مشهدٍ بسيط. ليس مطلوباً من الإنسان أن يمتلك العالم كي يحيا، يكفيه أحياناً أن يجلس أمام الأفق وأن يشعر، للحظةٍ واحدة، أنّه ليس غريباً تماماً عن هذا الكون.
هكذا يأتي الصيف كاشتعالٍ مؤقّت في روح العالم. يفتح النوافذ المغلقة في البيوت وفي الصدور، يوقظ الحواس، يردّ الإنسان إلى بداهته الأولى، ويقول له إنّ الجمال ضرورة روحية كي لا يموت القلب .
وفي النهاية، حين ينسكب الضوء على الأرض، وحين يعبر الهواء الساخن بين الأشجار، وحين يقف البحر على باب الأفق، نفهم أنّ الصيف ليس خارجنا فقط. إنّه فينا أيضاً ،تلك المساحة المضيئة التي لم تنطفئ بعد، ذلك الطفل الذي لم يكبر تماماً، ذلك القلب الذي ما زال، رغم التعب والسنين، قادراً على أن يرفع وجهه إلى الشمس ويقول ، ما زال في الحياة ما يستحقّ أن يُحب.
“محكمة” – الأحد في 2026/6/21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!