التعويض في قضايا انفكاك الزواج لدى الطوائف المسيحية: قراءة في التميّز الأرثوذكسي وفق المادة 74 أ.ش./ بيتر عجرم
المحامي بيتر الياس عجرم:
١- التعويض هو المبلغ الذي يلزم أحد الزوجين بتأديته للآخر نتيجة الحكم بإعلان بطلان الزواج أو فسخه بسبب الأضرار المعنوية والأدبية والمادية اللاحقة بالزوج البريء.
يعود تقدير التعويض وفرضه للمحكمة المذهبية المختصة الواضعة يدها أصلاً على أساس النزاع والتي يدخل في اختصاصها هذا الموضوع استناداً لأحكام المادة الخامسة البند 3 من قانون 2 نيسان 1951.
“المادة 5”: يدخل في اختصاص المراجع المذهبية.
– فرض وتقدير التعويض عند الحكم ببطلان الزواج أو فسخه.
– أوردت قوانين الأحوال الشخصية لبعض الطوائف أحكاماً تتعلق بالتعويض، في حين لم تذكر الأخرى هذا الموضوع، إلا أن ذلك لا يحول دون حق الزوج المتضرر بالمطالبة بالتعويض بسبب غياب النص، فيمكن في مثل هذه الحالة الاستناد إلى أحكام القوانين المدنية العامة، ومنها قانون الموجبات والعقود. والتعويض يحكم به بسبب إبطال أو فسخ العقد وعلى ضوء المسؤولية المترتبة على فريقي العقد. ولا يحق للمحكمة الواضعة يدها على النزاع إثارة موضوع التعويض عفواً ولا تبت به إلا بناءً على طلب أحد الزوجين وبعد إدراجه كبند مستقل في المطالب المرفوعة إليها.
للمحاكم المدنية، الحق أيضاً في إلزام الزوجين بالتعويض إذا أغفل الفريق المتضرر المطالبة به أثناء قيام النزاع أمام المرجع المذهبي، وتسري على المطالبة أحكام مرور الزمن العشري.
يُقدّر التعويض استناداً إلى عناصر أساسية أهمها مسؤولية الفريق المتسبب ببطلان أو فسخ الزواج أو الطلاق، وتعتبر الأضرار اللاحقة بالزوج البريء، على الصعيد المعنوي والأدبي والمادي، عنصرًا مهماً لتحديد كمية المبلغ من المال المترتب له. ويتحدد التعويض استناداً إلى حالة الزوج المذنب المادية ووضعه الاجتماعي، وعلى الفريق البريء إقامة الدليل على حالة الفريق الآخر المادية عن طريق إبراز المستندات التي تثبت يسر ومقدرة الزوج المذنب، وتؤخذ الأدلة والقرائن التي تظهر المستوى المعيشي للزوجين في الفترة السابقة للدعوى بالاعتبار، وسن الزوج المتضرر وتأثير إعلان بطلان أو فسخ العقد على مستقبله وكافة أوضاعه.
وغني عن القول إن الحكم بالتعويض يأتي تبعاً لإعلان أو فسخ الزواج، وإذا رُدّ الطلب الأساسي في الدعوى لا يعود من مجال للحديث عن التعويض المترتب لأحد الزوجين.
ويمكن للمحكمة أن ترد طلب التعويض إذا اعتبرت أن المسؤولية مشتركة بين الزوجين أو أن لا مسؤولية على أحدهما، وقرار المحكمة بهذا الخصوص قابل للمراجعة بالطرق القانونية المألوفة (استئناف، إعادة نظر وما شابه)، والتي يحق للفريق المتضرر سلوكها.
من هنا ومن مراجعة نصوص قوانين الأحوال الشخصية للطوائف التي جاءت على ذكر موضوع التعويض، نجد بالتفصيل الشروط والأسس التي تعتمد للحكم به.
فما الذي يميّز بين الطائفة الأرثوذكسية وغيرها من الطوائف من ناحية تنظيم موضوع التعويض سندا للمادة 74 أ.ش.؟؟
أفردت الطوائف الكاثوليكية فصلاً مستقلاً للتعويض (الفصل الثامن، المواد 179 – 182 من قانون أحوالها الشخصية):
«من تسبب من الزوجين بوقوع الزواج باطلاً أو قابلاً للفسخ توجب عليه أن يعوض الآخر عن الأضرار التي تلحقه من جراء ذلك. والتعويض يكون إما بتصحيح الزواج إذا كان ذلك ممكناً دون إجحاف بالبريء، وإذا رضي به هذا الأخير، وإما بتأديته مبلغاً من المال يتناسب مع ما أنزل به البطلان من خسائر.»
أما طائفة الروم الأرثوذكس، فقد نظمت موضوع التعويض وشروط استحقاقه في المادة 74 أ.ش:
«عند الحكم بانفكاك الزواج تقدر المحكمة التعويض والأضرار الناشئة عن انفكاك الزوجية، إذا عجز الزوجان عن إثباتها أو الاتفاق على تقديرها أو ترك أمر تقديرها للمحكمة. كما أنه يجوز للمحكمة في حالة إعسار المرأة أن تحكم على الرجل بأن يدفع لها مبلغاً من المال لتواجه بواسطته وضعها الجديد بعد انفكاك الزواج.»
الملفت هنا أن القانون الأرثوذكسي الجديد لم يتحدث عن المسؤولية في إعلان انفكاك الزواج، بل اعتمد عنصر الضرر وترك للزوجين أمر تحديد التعويض، على أن تتدخل المحكمة في حال عجزهما عن تقديره أو إثبات وقوع الضرر. كما أجاز للمحكمة إلزام الزوج بمبلغ من المال (تعويض) مشروطاً بإعسار المرأة، بغض النظر عن مسؤوليتها عن إعلان فسخ الزواج أو الطلاق.
أخذت المحاكم الأرثوذكسية بهذا المعطى الجديد وبدأت في تطبيقه.
“قضت المحكمة الابتدائية في أبرشية جبل لبنان للروم الأرثوذكس في قرارها الصادر بتاريخ 2010/3/22 بإلزام الزوج بأن يدفع لزوجته مبلغاً قدره خمسون مليون ليرة لبنانية لمواجهة وضعها الجديد بالرغم من إدانتها وتحميلها المسؤولية عن إعلان فسخ الزواج.
كما قررت المحكمة ذاتها إلزام الزوج بدفع مبلغ من المال بالرغم من مسؤولية الفريقين عن إعلان فسخ الزواج (قرار بتاريخ 2001/6/30 و2010/11/15)، وذلك لمواجهة وضع الزوجة الجديد نتيجة إعلان فسخ الزواج.”

خلاصة القول، إن طائفة الروم الأرثوذكس تعتمد نوعين من التعويض وذلك خلافًا لما هو معمول به لدى سائر الطوائف، فهناك التعويض الذي يحكم به على أحد الزوجين بسبب مسؤوليته عن إنفكاك الرابطة الزوجية وهناك التعويض الذي يُحكم به فقط على الزوج لمصلحة الزوجة وذلك لمواجهة وضعها الجديد حتّى في الحالة التي تكون هي المسؤولة عن إنفكاك الزواج.
مع الإشارة إلى أنّ هذا التعويض الأخير، أي الذي يحكم به لصالح الزوجة لمواجهة وضعها الجديد، يمكن للمحكمة أن تحكم به عفوًا، أي بدون طلب من الزوجة، في حين أنّ التعويض عن العطل والضرر لا يمكن للمحكمة أن تحكم به إلّا بناء على طلب الفريق المتضرر.
وهذا ما اعتمدته المحكمة الأرثوذكسية في حكمها الجديد الصادر بتاريخ ٢٢ أيار ٢٠٢٦ حيث ألزمت الزوج بأن يدفع لزوجته تعويضًا ماليًا لمواجهة وضعها الجديد رغم أنّ الزوجة لم تتقدم بهذا الطلب وفقا للأصول، بل أنّ المحكمة حكمت به عفوًا من تلقاء نفسها.
خلاصة الحكم:
١- عدم الحكم بنفقة وبتعويض للزوجة المدعى عليها لعدم تقدمها بدعوى أصلية أو مقابلة وفق الأصول القانونية، بل اكتفت بعرض طلباتها ضمن اللوائح الجوابية دون استحضار دعوى مستقلة ودون تسديد الرسوم القانونية.
فيتبيّن بالتالي، من نص الحكم أن المحكمة خلصت إلى النتائج الأساسية الآتية:
٢- اختصاص المحكمة الروحية: اعتبرت المحكمة أن اختصاصها من النظام العام ولا يجوز الاتفاق على مخالفته.
بما أن الزواج تم وفق الأصول الكنسية الأرثوذكسية، فإنّ النزاع يخضع لقانون الأحوال الشخصية الأرثوذكسي.
٣- رد مطالب الزوجة شكلاً: رأت المحكمة أن الزوجة لم تتقدم بدعوى أصلية أو مقابلة وفق الأصول القانونية.
– إكتفت بإيراد مطالبها ضمن اللوائح الجوابية دون استحضار دعوى مستقلة ودون تسديد الرسوم القانونية.
لذلك اعتبرت مطالبها المتعلقة بفسخ الزواج والتعويض والنفقات غير مقبولة شكلاً.
٤- قبول دعوى الزوج: اعتبرت المحكمة أن دعوى الزوج مستوفية للشروط الشكلية.
ووجدت أن أسباب الفسخ المنصوص عليها في المادة 67 من القانون الأرثوذكسي، ولا سيما الفقرة (د)، متوافرة.
– فسخ الزواج: استندت المحكمة إلى تحقق حالة هجر الحياة الزوجية لمدة تتجاوز ثلاث سنوات وفق ما تنص عليه المادة 67 فقرة (د) من قانون الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس.
– التعويض: رفضت المحكمة منح الزوجة تعويضاً مرتبطاً بمسؤولية الزوج عن الانفكاك، لأنها لم تتقدم بدعوى انفكاك أصولية لكنها منحتها مبلغ 15,000 دولار أميركي نقداً (Fresh USD) لمساعدتها على مواجهة وضعها الجديد بعد الانفصال.
٥- الأولاد القاصرون: أكدت المحكمة سلطتها في تنظيم شؤون القاصرين بما يحقق مصلحتهم الفضلى.
المراجع المعتمدة:
١- البروفيسور المحامي إبراهيم طرابلسي، أنظمة الأحوال الشخصية في لبنان.
٢- قانون الأحوال الشخصية وأصول المحاكمات لدى بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.
٣- مؤلفات الأباتي أنطوان راجح.
٤- قانون الأحوال الشخصية وأصول المحاكمات لدى الطوائف الكاثوليكية الصادر بموجب قانون 2 نيسان 1951.
“محكمة” – الأحد في 2026/6/21



