العدالة ليست حِبراً يُكتب بل نبض يُعاش/فيصل مكي
القاضي فيصل محمّد مكي*:
بعد ستِّ عشرة سنةٍ وستةِ أشهرٍ وستةِ أيام، جفَّ القلمُ الذي سالَ مدادُه لسنينٍ طوال، وارتاحَ الورقُ من أنفاسِ القرارات.
بعد ستِّ عشرة سنةٍ وستةِ أشهرٍ وستةِ أيام، حان الفراقُ… فها أنا أودِّعُ مكتباً كان بيتي الثاني، وجدراناً حفظتْ همساتِ القضايا، وأدراجاً خبّأت أسرارَ الناس وأحلامَهم المكسورة.
بعد ستِّ عشرة سنةٍ وستةِ أشهرٍ وستةِ أيام، طويتُ صفحةً كأنها عمرٌ بأكمله، دهراً مضى وأنا أكتب على وجه الزمن، وأحفر في ذاكرة العدالة.
كم مرَّ على هذا المكتب من صباحاتٍ باردةٍ أدفأها الأمل، وليلٍ طويلٍ أضاءته فكرةٌ أو قرارٌ يُعيد الحقّ إلى صاحبه. كم شهدتُ فيه من ابتساماتِ انتصار، ودموعِ خيبة، وصمتِ قلوبٍ تنتظر الخلاص.
اليوم، أرحلُ تاركاً خلفي مقعداً سيجلس عليه غيري، وأوراقاً ستُمسك بها أيادٍ جديدة، لكن روحي ستظلُّ معلّقةً هنا، حيث تعلّمتُ أن العدالة ليست حِبراً يُكتب، بل نبضٌ يُعاش.
* كتب القاضي فيصل مكي هذا النصّ لمناسبة انتهاء مناوبته كرئيس لدائرة تنفيذ بيروت وانتقاله إلى مركزه الجديد رئيسًا لمحكمة البداية في جبل لبنان/بعبدا بموجب مرسوم التشكيلات القضائية الرقم /823/ الصادر بتاريخ 5 آب 2025 والذي يباشر مهامه فيه بتاريخ 16 أيلول 2025. يذكر أنّ القاضي فيصل مكي هو طليع دورته القضائية في العام 2004 والتي سميت “دورة الصين الشعبية”، وهو دكتور في القانون من الجامعة اللبنانية ويدرس في عدد من الجامعات وأصدر خلال وجوده في دائرة التنفيذ سلسلة أحكام مهمة بعضها درّس في معهد الدروس القضائية للقضاة المتدرجين. وقد نشر مكي هذا النص على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.
“محكمة” – الجمعة في 2025/8/15



