المحامي المتدرّج علي الموسوي: من البديهي أن تتيح القوانين والمعاهدات الدولية والاجتهادات القضائية غير القابلة للجدل في معرض التوفيق بين القانون والمصلحة الإنسانية، لأيّ إنسان، ذكرًا كان أم أنثى، أن يصحّح اسمه وجنسه عند حصول تحوّل في التركيبة البيولوجية لشخصيته نتيجة أسباب معيّنة منها المرض النفسي مثلًا، إذ لا يعقل أن يظلّ اسمه مختلفًا عن شكله الخارجي وما يرافقه من تصرّفات تدلّ على هويّة محدّدة، ولا سيّما إذا كان قد خضع لعملية جراحية أفضت إلى تغيير شامل في الخصائص الجسدية، وبات من الواجب الإنساني وبحكم الواقع، أن يتمّ التصحيح لئلّا يبقى عرضة للتنمّر والتجريح والإحراج والإرباك والقلق النفسي. فتصحيح قيود الشخص في السجّلات المحفوظة في دوائر النفوس والأحوال الشخصية ضروري لكي تتطابق مع شخصيته الحقيقية التي يظهر عليها أمام الناس والمجتمع من دون مواربة أو محاولات تغييب أو استحياء، خصوصًا إذا ما اقتضت ظروف هذا الشخص أن يجري التحوّل الجنسي المطلوب طبّيًا للخروج من الحالة المرضية التي يعانيها منذ الصغر. ولا بدّ للقضاء أن ينتصر لمصلحة هذا الشخص للحؤول دون استمرار الإزدواجية المؤذية بين القيود الرسمية وكيانه الإنساني وواقعه المعاش حقيقة وبما يبعد عنه أيّة ممارسات غير مألوفة من الشكّ والتنمّر والإزعاج والضيق وعدم التقبّل وسواها من حالات التعرّض لحياته وحرّيته الشخصية. كما أنّ هذه المسألة الحسّاسة لم تغب ضمن مسائل أخرى مهمّة عن واضعي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فأكّدوا حقّ كلّ إنسان في حماية حياته الخاصة، وهذا ما يتجلّى بوضوح في مضمون المادة 17 من العهد المذكور الذي انضمّ لبنان إليه بموجب القانون رقم 3855 الصادر في الأوّل من شهر أيلول 1972. ومن ضمن الصلاحيات الممنوحة له بموجب المادة /21/ من المرسوم رقم 8837 الصادر في 15 كانون الثاني 1932 بتصحيح القيود لتصبح متفقة تمامًا مع الواقع، إرتأى القاضي المنفرد المدني في بنت جبيل الناظر في قضايا الأحوال الشخصية وسيم زهرالدين أن يضع حدًّا للصراع المزدوج القائم مع الآخر وداخل روح شاب فُرض عليه التحوّل جنسيًا إلى أنثى، فوافق على تصحيح قيوده لتتناسب مع شخصيته الجديدة /القديمة باعتبار جنسه أنثى وليس ذكرًا، مع التغيير المطلوب بطبيعة الحال مع الاسم. "محكمة" تتفرّد بنشر النصّ الكامل للقرار الصادر عن القاضي وسيم زهر الدين لما فيه من غنى في المعلومات ولاسيّما على مستوى كيفية إجراء العملية الجراحية وحصول التحوّل الجسدي المثبت بالتقارير الطبّية. "باسم الشعب اللبناني نحن وسيم زهرالدين القاضي المنفرد المدني في بنت جبيل الناظر في قضايا الاحوال الشخصية، لدى التدقيق، تبيّن أنّه بتاريخ 2020/2/13، تقدمت الجهة المستدعية (...) ، بوكالة المحاميتين (...) و(...)، باستدعاء ، عرضت فيه أنها من مواليد عام 1989 سجل (...) ، وأن لديها حالة من الإضطراب في الهوية الجندرية ، ومدوّنة في سجلات النفوس على أنها ذكر، ومنذ ولادتها تشعر بأنها تنتمي الى الجنس الأنثوي ، وقد أظهرت ولا تزال الأحاسيس والتصرفات بطريقة أنثوية وقد عرفت من قبل عائلتها وفي محيطها الإجتماعي على أنها أنثى وتدعى ("... ") ، وعلى أثر تشخيص حالتها تمّت معالجتها بالهرمونات الأنثوية وأخضعت لعمليات جراحية تمثلت باستئصال الأعضاء التناسلية الذكورية واستبدالها بأعضاء تناسلية أنثوية ، وقد أصبحت المستدعية تتمتّع من النواحي الجسدية والنفسية والعاطفية والتصرفية بكل الخصائص التي تميّز المرأة عن الرجل وهي من حيث التكوين العضوي والشكلي والنفسي والهرموني في خانة الأنثى ، وأن تباين واقع حال المستدعية ومظهرها الجنسي مع قيودها في سجلات الأحوال الشخصية من شأنه إحداث الخلل في علاقاتها الإجتماعية والمهنية فتشكّل لها مصدر إزدراء وتمييز عند إبراز مستنداتها الثبوتية ، وأن الإجتهاد قد استقرّ على وجوب الحكم بتصحيح الجنس في الحالات المشابهة ، وهذا التصحيح هو ضروري لمطابقة القيود مع واقع الحال. وخلصت المستدعية الى طلب إتخاذ القرار بتصحيح قيودها المدرجة في سجلات نفوس (...) بالرقم (...) وذلك بتصحيح جنسها من " ذكر " الى " أنثى " وإسمها من ("... ") الى ("... ") ، وإبلاغ من يلزم ، وأنه بتاريخ 2021/4/28 قررت المحكمة إدخال الدولة اللبنانية في الإستدعاء الراهن، وأنه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 2025/11/12 حضر وكيل الجهة المستدعية وكرر أقواله ومطاليبه السابقة ، ولم تحضر المقرر إدخالها وهي مبلّغة فحوكمت أصولاً ، وحضر مأمور نفوس بنت جبيل ، واختتمت المحاكمة اصولاً، بناءً عليه حيث إن المستدعي (...) يطلب تصحيح قيوده المدرجة في سجلات نفوس (...) وذلك بتصحيح جنسه من " ذكر " الى " أنثى " وإسمه من ("... ") الى ("... ")، وذلك لتصبح قيوده الواردة في السجلات متطابقة مع الحقيقة والواقع، لكونه يعاني من إضطرابات في الهوية الجندرية وقد أجرى عملية تصحيح جنس من " ذكر " الى "أنثى"، وأنه معروف في محيطه الإجتماعي بإسم ("...")، وحيث إنّ المستندات المبرزة في الملف طي الاستدعاء الراهن جاءت على النحو التالي : - الشهادة الطبية الصادرة عن الدكتور(...)، المتخصص في الجراحة التجميلية والترميمية في تايلاند، تفيد بأنه تم تشخيص حالة المستدعي على يد فريق من كبار المتخصصين في المجال الطبي إذ تبين أنه يعاني من اضطراب الهوية الجندرية وتم إجراء العملية الجراحية SRS في مركز شيتاووت للجراحة التجميلية في بانكوك تايلاند بتاريخ 2019/7/29، وتألفت جراحة تصحيح الجنس من استئصال الخصيتين والقضيب، إعادة بناء فتح مجرى البول، بناء الفرين الكبيرين والشفرين الصغيرين، إنشاء غطاء البظر والبظر المدرك بالحواس، وبناء فتحة المهبل والقناة المهبلية عن طريق الترقيع الجلدي، - التقرير الصادر عن الدكتورة (...)، المتخصصة في أمراض الغدد الصماء والسكري، تفيد بأنها تتابع العلاج الهرموني للمستدعي المتحول جنسياً من ذكر إلى أنثى، - التقرير الصادر عن الدكتور(...)، طبيب أمراض عقلية ونفسية ومتخصص في الأمراض الجنسية ، يفيد بأن المستدعي بكامل قدراته العقلية والجسدية وقادر على أخذ قراراته بنفسه عن وعيٍ وإدراك كاملين، وأنه بالنسبة للهوية الجندرية فإنه توصل إلى اتخاذ قرار بتغيير الهوية الجندرية بعد مروره بمرحلة تغيير النوع الاجتماعي في محيطه ومكان عمله، علماً أن هذه المراحل ضرورية تحت الإشراف الطبي للتأكد من التشخيص والموافقة على الانتقال للمراحل التالية من العبور الجندري، وأن المستدعي قادر على تحمل مسؤوليات قراراته على المستوى الاجتماعي والعاطفي والمهني، وحيث إن التقارير المشار إليها أعلاه تبيّن جميعها أن المستدعي يعاني من اضطراب في الهوية الجندرية ، وأنه قد خضع لعملية جراحية دائمة ولا رجعة فيها ، وقد أصبح بنتيجتها متمتعاً من النواحي الجسدية والنفسية والتصرفية بكل خصائص الأنثى، وإن العملية التي أجريت للمستدعي يعود سببها الى حالة مرضية يعاني منها منذ طفولته ولا وسيلة لشفائه منها إلا بالعلاجات الهرمونية والعملية الجراحية التي ادت بالنتيجة الى تحوله الى "أنثى"، وحيث إنه يستفاد مما تقدم أن تحول المستدعي إلى أنثى تبعاً للعلاجات الهرمونية والعمليات الجراحية التي خضعت لها يعود سببه إلى حالة مرضية نفسية لازمته منذ طفولته ولم يكن هناك من وسيلة لشفائه منها إلا بالعلاج الهرموني وبالجراحة التي أدت بالنتيجة إلى تحوله إلى أنثى، وحيث إن العلاج والتدخل الطبي الضروري الذي خضع له المستدعي، وما نتج عنه من انعكاسات على صعيد انتمائه الجنسي والخلقي والنفسي والاجتماعي، أدى إلى حالة من الازدواجية بين قيده في سجلات النفوس كذكر وبين واقعه الفعلي المتجلي بعبوره إلى الجنس الآخر، وخلق حالة من عدم التطابق الكلي بين القيد المدون في سجلات الأحوال الشخصية وبين صاحب القيد، وحيث إنّ المادة 21 من المرسوم رقم 8837 تاريخ 1932/1/15 أعطت القاضي المنفرد صلاحية تصحيح أي شيء مدرج في السجلات ما عدا الأحوال القابلة للتغيير والتي يتم تصحيحها بالصورة الإدارية ، والمقصود بذلك تصحيح القيود على نحو يجعلها متفقة مع الواقع الراهن ، وحيث إن تصحيح الأخطاء التي تعتري القيد في سجل النفوس يعني جعل القيد مطابقاً مع الحقيقة، بحيث يعكس وضعية صاحبه بدقة، ولا يمكن بالتالي حصر مفهوم التصحيح ضمن حالة الخطأ المادي البحت الحاصل لدى إجراء القيد دون غيره من الحالات التي يتضح فيها أن القيد لا يطابق الواقع، وحيث إنه من المسلّم به أن المحاكم عند تطبيق النصوص القانونية يجب عليها مراعاة الواقع الاجتماعي الذي تشمله، بحيث لا يمكن فقط الأخذ بالحرفية المطلقة للنص وإلا اختل التوازن بين حكم القانون وحكم المجتمع والمصلحة العامة، وحيث إن الاختلاف بين واقع المستدعي وهويته الجنسية من جهة، وقيده في سجل النفوس من جهة أخرى، يكون بالتالي داخلاً ضمن إطار الأخطاء التي يجوز تصحيحها وفقاً لأحكام المادة 21 المذكورة أعلاه، وحيث إنه فضلاً عن الخطأ الحاصل في سجلات النفوس نتيجة حالة الازدواجية المذكورة أعلاه، فإن الانعكاسات التي ترافق حالة الازدواجية من الناحية الشخصية والاجتماعية من شأنها أن تسبب إحراجاً وإرباكاً في تعامل المستدعي مع الغير، لاسيما في معرض قيامه بالمعاملات الإدارية والقانونية وسواها من المعاملات التي توجب عليه إبراز أوراقه الثبوتية الرسمية والتي تختلف في ظاهرها عن هويته الفعلية، ما يجبره في أكثر الأحيان على اطلاع الغير على خلفية هذه الازدواجية ويجعله عرضة للشكوك والانتهاك، ويشكل تعرضاً غير مبرر لحياته الخاصة وحريته الشخصية، (القرار الصادر عن محكمة الاستئناف المدنية في بيروت، الغرفة الثالثة، بتاريخ 2015/9/3) وحيث إن المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضم إليه لبنان بموجب القانون الخاص رقم 3855 تاريخ 1972/9/1 تضمن لكل إنسان الحق في حماية حياته الخاصة وتمنع التعرض لها، وحيث إن لبنان، بحسب البند (ب) من مقدمة الدستور اللبناني، هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وحيث إن المعاهدات الدولية تتقدم في أهميتها على القانون العادي وفقاً للمادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تنص على أنه عند تعارض أحكام القانون العادي مع المعاهدات الدولية تتقدم في مجال التطبيق الأولى على الثانية، وحيث يقتضي بالتالي، وتطبيقاً لمبدأ واجب حماية الحياة الخاصة، إزالة الأسباب التي تشكل تعرضاً غير مبرر لحياة المستدعي، وذلك بجعل قيوده في سجل النفوس مطابقاً للحقيقة بعد أن تحول إلى أنثى دون أن يكون هناك أي إمكانية لعودته إلى جنسه السابق، وحيث إن النتيجة المتقدمة تتوافق مع ما سار عليه جزء كبير من الاجتهاد اللبناني من جهة، ومع موقف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي اعتبرت في قرارات عديدة صادرة عنها أن عدم قبول طلب تصحيح الجنس في سجلات الأحوال الشخصية تبعاً لتبدل جنس صاحبها يشكل مخالفة لأحكام المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والتي تضمن حق الشخص باحترام حياته الخاصة، كما أن الهيئة العامة لمحكمة التمييز الفرنسية اتخذت منحى مماثلاً في قرارات عدة صدرت عنها، وحيث على هدى ما تقدم وبثبوت واقع حال المستدعي باعتباره من جنس الإناث، يقتضي تأسيساً لكل ما تقدم تصحيح قيده في سجل النفوس واعتباره أنثى بدلاً من ذكر ليصبح قيده منطبقاً على الواقع، وحيث يصبح بالتالي قيد المستدعي المتعلّق بخانة الجنس وكما هو وارد في سجلات النفوس مغايراً لواقعه وغير مطابق لحقيقة وضعه الحالي بعد خضوعه للعملية الجراحية المشار اليها آنفاً ، ويقتضي بالتالي تصحيح هذا القيد وجعل جنس المستدعي "أنثى" بدلاً من "ذكر"، وحيث إن هذا التصحيح لا يشكّل مخالفة لأحكام المادة 21 الآنفة الذكر ، بل تطبيقاً لها وهو يأتي متماشياً مع روحية نص المادة المذكورة ومع مفهوم التصحيح الممكن تقريره، وحيث إنه من جهة ثانية ، فإن إسم علم الشخص الوارد في سجلات النفوس يجب أن يتطابق مع إسم علم نفس الشخص والذي يطلق عليه في الوسط الإجتماعي الذي يعيش فيه ، وإلاّ كان القيد المتعلّق بإسم العلم المذكور خاطئاً ويجب تصحيحه عملاً بالمادة 21 الآنفة الذكر . وحيث في ضوء ما توصلت اليه المحكمة لجهة تصحيح جنس المستدعي، يصبح الإسم " ... " المدون في سجلات النفوس غير متطابق مع وضعها المذكور ، لكونه من جهة أولى يطلق على ذكر وليس على أنثى، ومن جهة ثانية لأن الاسم الحقيقي للمستدعية والمعروفة به في محيطها الإجتماعي هو "..." ، مما يستتبع وفقاً لمنطق الأمور ومجراها القانوني تصحيح إسم المستدعي ليصبح "..." بدلاً من "..." . وحيث إنه وبنتيجة الحلّ المساق تغدو سائر الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة مستوجبة الردّ إما لكونها قد لاقت رداً ضمنياً وإما لعدم تأثيرها على الحلّ ، لذلك يقرر: أولاً: تصحيح قيود الجهة المستدعية (...) المدرجة في سجلات نفوس(...) ـ (...) المتعلقة بخانة "الجنس " و " الإسم " ، واعتبار الجنس " أنثى " بدلاً من " ذكر " والإسم " ... " بدلاً من " ... " في الخانة المخصصة لذلك على قيودها . ثانياً : رد كل ما زاد او خالف وتدريك الجهة المستدعية الرسوم والنفقات كافة . قراراً صدر وأفهم علناً في بنت جبيل بتاريخ 2026/4/15 "محكمة" – السبت في 2026/7/11 *حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا، وخصوصًا الوسائل الإعلامية ودور النشر والمنشورات والمكتبات الحقوقية وغير الحقوقية منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر أو النصّ، مع وجوب ذكر إسم موقع "محكمة" الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink). كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر أو نصّ، بطريقة الـ"screenshot" وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وتحديدًا منها "الفايسبوك"، و"الواتساب"، و"اكس"، و"الإنستغرام"، و"التلغرام"، أو إعادة استنساخه عن طريق الذكاء الإصطناعي (AI)، أو "ChatGPT"، ما لم يرفق باسم "محكمة" والإشارة إليها كمصدر. ويحظّر إجراء أيّ تعديل أو تحريف، حذفًا أو إضافة، في النصوص المنشورة في "محكمة" وخصوصًا تلك المتعلّقة بالأحكام والقرارات القضائية، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية أمام المرجع القضائي المختص، مع الإحتفاظ بكامل الحقوق المادية والمعنوية لإدارة مجلّة "محكمة".