اللامركزية الإدارية والعمل البلدي: خطوات نحو إصلاح فعلي/قمر محيش
الدكتورة قمر محيش (باحثة قانونية وحائزة على شهادة الدكتوراه في القانون العام):
اللامركزية الإدارية.. لطالما ضجَّ هذا المصطلح في كل النقاشات الإصلاحية، فكل حديث عن إصلاح إداري تقابله فكرة اللامركزية الإدارية كونها تعتبر المدخل الأساسي لإصلاح بنية الدولة، وتفعيل مشاركة المواطنين في إدارة شؤونهم، وتوزيع السلطة والموارد على نحو يحقق الإنماء المتوازن ويخفف العبء عن الإدارة المركزية، وقد كرّسَ المشرع اللبناني هذا المبدأ في العديد من القوانين المتعاقبة، وأبرزها قانون البلديات حيث تُعتبر البلدية النموذج الجلي والفاعل لتطبيق مبدأ اللامركزية الإدارية.
غير أن التجربة العملية على صعيد العمل البلدي قد تأرجحت ما بين النص والتطبيق، وعلى الرغم من الصيغة التشريعية الواضحة التي عكست نية المشرع اللبناني في إطلاق يد البلدية لتطبيق مفهوم اللامركزية بأبهى صوره، عبر مَنح البلديات صلاحيات مالية وإدارية مستقلة،ا لا أن الواقع والتطبيق العملي والتحديات الراهنة كانت مغايرةً لفسلفة النصوص القانونية الحاضرة.
يأخذنا هذا الواقع الى طرح جملةً من التساؤلات أبرزها:ما هي الخطوات اللازمة لإصلاح العمل البلدي في لبنان تطبيقاً لمفهوم اللامركزية الإدارية؟ وما هي أبرز التحديات؟
أولاً: مفهوم اللامركزية الإدارية:
اللامركزية الإدارية هي نوع من التنظيم الإداري للدولة، فالدول على هذا الصعيد تعتمد إمّا المركزية أو اللامركزية، تبعاً للنظام السياسي الذي تنتهجه والأهداف التي تطمح الى تحقيقها ، وتبعاً للمسؤوليات الملقاة على عاتقها. وهي تقوم على توزيع الوظيفة الإدارية في الدولة بين الحكومة المركزية وبين هيئات محلية مختلفة منتخبة أو بالتعيين، تتمتع بالشخصية المعنوية وتمارس وظائفها الإدارية على المستوى المحلي تحت إشراف الحكومة المركزية ورقابتها، غير أنها تحتفظ لنفسها بإستقلال إداري بحيث لا تكون خاضعة مباشرةَ للحكومة المركزية في ممارسة وظائفها الإدارية.
ثانيا”: البلدية نموذج تطبيقي للامركزية الإدارية:
تُعد البلدية أبرز تجسيد لمبدأ اللامركزية الإدارية، إذ تُمثل البلدية وحدة إدارية تتمتع بالشخصية المعنوية والإستقلاليين المالي والإداري ضمن حدود القانون. فمن خلال البلدية تُمارَسُ السلطة الإدارية على المستوى المحلي بما يُمكّن المواطنين من المشاركة الفعلية في إدارة شؤونهم الحياتية، بدءاً من الخدمات الأساسية (البنى التحتية – الخدمات الصحية وغيرها) وصولاً الى مشاريع التنمية المحلية.
ومن هنا كان لا بدّ من تنظيم العمل البلدي في إطار قانوني عام يضمن حسن سير عمل البلديات وكان هذا التنظيم القانوني من خلال المرسوم رقم 1977/118 وتعديلاته. وهو القانون البلدي الحالي المعمول به. والذي منح البلديات صلاحيات واسعة حيث تعدت صلاحياتها من إطار الخدمات العادية الى كل ما له علاقة بالتنمية الشاملة على المستوى المحلي كما ذكرنا آنفاً.
وعلى الرغم من هذه الصلاحيات الواسعة للمجالس البلدية ، يشير الواقع العملي اليوم الى عجز هذه المجالس عن القيام بمعظم المهام الموكلة إليها،وذلك بسبب ضعف موارها المالية،وعدم إعداد الجهاز البشري العامل فيها إعداداً جيداً،بالإضافة الى القيود الموضوعة عليها في إطار الرقابة من قبل السلطة المركزية.
فما هي أبرز التحديات والعوائق التي تؤدي الى فرملة العمل البلدي اليوم؟
الروتين الإداري: يعتبر الروتين الإداري العائق الأساسي أمام عمل البلدية، بل يدفعها أحياناً للإلتفاف حول القانون لتنفيذ أعمالها بسرعة ولتوفير الدورة الطويلة التي تمر بها المعاملات. فالمشاريع البلدية التي تكون البلدية قد أنهت دراستها واستكملت ملفاتها ترفع بالتسلسل الإداري الى المحافظ والقائمقام، ومنه الى التنظيم المدني، ثم يعاد رفعها الى وزارة الداخلية، ومنها الى ديوان المحاسبة، ممّا يستلزم فترةً طويلةً لإنجازها.
– الإزدواجية السلطوية وغياب التنسيق: غالباً ما تتداخل مهام الوزارات والإدارات المركزية مع مهام المجالس البلدية ما يُفرغ الصلاحيات البلدية من مضمونها الفعلي، ويخلق إزدواجية إدارية وإرباكاً في تنفيذ المشاريع.
– إضعاف دور رئيس البلدية: نصت المادة الأولى من قانون البناء صراحةً على أن رئيس البلدية هو الذي يعطي رخص البناء على العقارات الواقعة ضمن النطاق البلدي، الاّ أن الواقع العملي يشير الى حد ما، هيمنة وزارة الداخلية على هذا الإختصاص الصريح والواضح لرئيس البلدية حيث تمتنع البلديات عن إعطاء هذه الرخص الاّ بعد صدور تعاميم من وزارة الداخلية بالمدة والمساحة التي يستطيع فيها رؤوساء البلديات إعطاء هذه الرخص.
– ضعف التمويل المالي: تعتمد معظم البلديات على التحويلات المالية من الدولة،(الصندوق البلدي المستقل)مما يقيد بشكل كبير قدرتها على تنفيذ المشاريع الإنمائية بشكل مستقل. إذ تحد السياسة المالية المركزية من إمكانية إعداد البلديات للخطط التنموية والقيام بتنفيذها، ذلك أن المبالغ المرصودة تدفع بشكل غير منتظم ولا تكفي في أغلب الأحيان لتنفيذ المشاريع الإنمائية.
وفي هذا السياق، يعترض بعض القيّمين على العمل البلدي على آلية توزيع هذه الأموال، إذ إنّها لا توزع بانتظام، كما أن البلديات لا تعلم في أغلب الأوقات حصتها قبل الحصول عليها، مما يعرقل صياغة الموازنة البلدية بشكل سوي.
– الرقابة المسبقة على البلديات والهيمنة السياسية على أعمالها ومركزية القرار فيها: تعترض الكثير من البلديات على تعددية الرقابات على العمل البلدي وخاصةّ الرقابة المسبقة، فنجد من خلال الممارسة العلمية، أن القائمقام والمحافظ يمارسان في هذا الصدد سلطة مفرطة في الرقابة الإدارية، فكل معاملة تصدر عن البلدية وعندما تكون وجهتها أحد أجهزة الدولة لا بُدّ من المرور أولاً بالقائمقام أو المحافظ، لإطلاعهم على فحوى المراسلات، الأمر الذي يؤدي الى البطء في تسيير الأعمال الإدارية. ومن شأن الرقابة المركزية الصارمة ، أن تعطل صلاحيات قرارت المجالس البلدية التي لا تتوافق مع رغبات مرجعيات سياسية.
وهذه التبعية تعتبر التحدي الأكبر أمام البلدية في ممارسة مهامها وتحقيق الغاية المنشودة منها، فالإستقلالية لا تُجزأ، بل يجب أن تكون كاملة وشاملة من الناحية السياسية والإدارية والمالية لنكون أمام عمل بلدي مستقل وفاعل.
(تأتي هذه التحديات والعوائق على سبيل المثال لا الحصر)
ثالثًا: نحو خطوات إصلاحية:
– الإبقاء على الرقابة الإدارية مع تعديل طريقة ممارستها بحيث تصبح أكثر القرارات الإدارية نافذةً بحد ذاتها ونقترح هنا إلغاء الرقابة المسبقة، والإبقاء على الرقابة اللاحقة لجهة المشروعات ذات الطابع الخدماتي العام.
– أن تكون الرقابة محدودة، لأن جهاز رقابة واحدة فاعل، أفضل من أجهزة متشابكة تؤدي الى ضياع الهدف المرجو منه، أو تؤخر إنجازه بالسرعة المطلوبة.
– عدم التدخل من قبل السلطة مباشرةَ أو مداورةً بشؤون البلديات وأعمالها وقراراتها ، بما يؤول الى رفع سيف السلطة المركزية عن العمل البلدي.
– تعزيز موارد البلدية والإتحادات البلدية، والعمل على استحداث موارد خاصة بما يجنّب البلديات الخطوات السلبية التي يلجأ لها موظفوها بسبب عدم قبض رواتبهم ومستحقاتهم المالية في أوقاتها.
– تأمين الموارد المالية ودفع المستحقات والتدريب المستمر للكوادر وأجهزة البلديات وتأمين التمويل اللازم للمشاريع التنموية.
– التخطيط المدعوم والموجّه ليطال البلديات كافة، كل حسب احتياجاته لتحقيق الإنماء المتوازن، مع الأخذ بعين الإعتبار الزيادة السكانية الملحوظة والتي ترتب على البلديات أعباء كبيرة لجهة تقديم الخدمات والبنى التحتية والتي تفوق في كثير من الأحيان الموارد المتاحة.
– التبني الكامل لوثيقة الوفاق الوطني في شقها المتعلق باللامركزية الإدارية ، والعمل على تحديث الصيغ التشريعية والقوانين التي تضعها على سكة التطبيق الصحيح والفعلي.
– تسريع خطوات إقرار قانون جديد يواكب التطورات الحاضرة لللامركزية الإدارية الموسّعة وتطوير اللامركزية الإدارية.
وفي نهاية هذا الطرح، يبقى العمل البلدي حجر الأساس لترسيخ مفهوم اللامركزية الإدارية وتحويله من شعار الى ممارسة فعلية، بالرغم من أن اللامركزية الإدارية اليوم لا زالت تشوبها حالة اضطراب بين ما يجب أن تكون عليه وبين ماهية واقعها.
“محكمة” – السبت في 2025/7/19



