عالم الجريمة في زمن الشاشة: أصبح الإنترنت ساحة فوضى للجرائم الإلكترونية/نور جمال الدين
نور تيسير جمال الدين(ماجستير في القانون العام):
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات نوافذنا إلى العالم، تحوّل الإنترنت من أداة للتواصل والمعرفة إلى ساحاتٍ تعجّ بصور جديدة من الجرائم ، حيث بات الإنترنت بيئة خصبة لنشوء أنماط إجرامية معقّدة تتجاوز الحدود الجغرافية وتتحدّى القوانين التقليدية في قدرتها على الرّدع و المحاسبة .
اليوم ، لم تعد الجريمة تقتصر على الشوارع أو الأحياء المعزولة ، بل أصبحت تُرتكب بنقرة زرّ ، من خلف شاشات لا تظهر هوية الفاعلين.
في العديد من الدول ، لا تزال النصوص القانونية تفتقر إلى الدقّة والشمول في تعريف الجرائم الإلكترونية وتحديد العقوبات .
ففي لبنان مثلاً ، تم إصدار قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 2018/81 ، إلا أن هذا القانون ركّز أكثر على الجانب المدني وترك فراغاً في الملاحقة الجزائية ، ما دفع للإجتهاد وفق القواعد العامة.
وتُعرَّف الجريمة الإلكترونية بأنها جريمة استهداف ومحاولة استخدام جهاز كمبيوتر أو شبكة كمبيوتر أو جهاز متصل بالشبكة. يرتكب معظم جرائم الإنترنت من قبل اللصوص أو المتسللين الذين يتطلعون إلى كسب المال، وفي بعض الأحيان يكون الهدف من الجرائم الإلكترونية هو تدمير أجهزة الكمبيوتر لأسباب غير ربحية، وقد تكون هذه الأسباب سياسية أو شخصية.
ومن أبرز أشكال الجريمة الإلكترونية :
– الابتزاز الإلكتروني: حيث تُستخدم الصور أو البيانات الشخصية لتهديد الضحية وطلب المال أو الخدمات.
– الاحتيال المالي عبر الإنترنت: مثل الرسائل الاحتيالية (Phishing) وسرقة بطاقات الائتمان.
– القرصنة والاختراق: تشمل اختراق المواقع الإلكترونية أو حسابات الأفراد والشركات.
– نشر المعلومات الكاذبة وخطاب الكراهية: عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يهدد الأمن العام والسلم الأهلي.
– التجسس الإلكتروني والاختراق المؤسسي: حيث تستهدف أجهزة الدولة أو الشركات الكبرى للحصول على معلومات سرية.
وغيرها من الأشكال وهي عديدة.
وما يُميز هذه الجرائم عن التقليدية هو: غياب الحدود الجغرافية: إذ يمكن للمجرم أن يكون في دولة، والضحية في أخرى.
إضافة إلى السرعة وصعوبة التتبع: إذ إن التنفيذ يتم بثوانٍ، وغالبًا ما يتم من خلال هويات مزيفة. فضلاً عن أنها لا تترك آثارًا جسدية مباشرة، لكنها قد تكون أكثر ضررًا نفسيًا أو اقتصاديًا.
إضافة إلى أنّنا نواجه تحديات كبيرة في الحد من هذه الجرائم ، وذلك أن إثبات الجريمة رقمياً يتطلب خبرة تقنية دقيقة ، وقدرة تعقّب الأدلة الإلكترونية ، كما أننا نعاني من ضعف آليات الحماية الرقمية لدى مؤسسات الدولة ، فضلاً عن تحديد الإختصاص القضائي في الجرائم العابرة للحدود.
لذلك، لا بدّ من تحديث التشريعات المحلية لتشمل الجرائم الإلكترونية بشكل صريح ، وإنشاء وحدات قضائية وأمنية متخصصة بالجرائم الرقمية ، ولا بدّ من تكثيف حملات التوعية الرقمية للمواطنين خصوصاً الفئات الضعيفة كالقاصرين .
أخيراً، الجريمة الإلكترونية ليس لها delete ، فلا تعتقد أنّ حذف البوست أو الدردشة يلغي الجريمة ، بل إن أيّ رسالة أو منشور إلكتروني ممكن أن يتوثّق وينقلب دليلًا ضدك.
قبل أن تكتب ، فكّر جيداً ، فالإنترنت ليس ساحة فوضى، والكلمة لها ثمن والعقوبة في حال الخطأ، كبيرة.
لكلّ منا دوره ، فأيّ شخص يتعرض لأيّ نوع من الجريمة الإلكترونية يجب ألّا يخاف أو يتردد بالإبلاغ فوراً ، لأنه حان الوقت للحدّ من هذا الفلتان الإلكتروني.
فما مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على التفشّي السريع للجرائم الإلكترونية وتعدّدها ؟ وهل سيكون له دور في مكافحة هذه الجرائم الرقمية الخطيرة؟
“محكمة” – الأحد في 2025/7/20



