المحامون حماة الحقّ وحراس الأرض/ اسكندر الياس
المحامي اسكندر الياس:
في جنوب لبنان، وفي بقاعه، وفي ضاحيته الجنوبية، حيث يثقل الخطر على الأيام، وتتعاقب المحن كأنها امتحان دائم لصلابة الإنسان، بقي أناس كثيرون في أرضهم، لم تغرهم نجاة بعيدة، ولم يرهبهم وعيد أو نار. تشبثوا بترابهم كما تتشبث الجذور العتيقة بأعماق الأرض، فكان بقاؤهم موقفاً وصمودهم رسالة، وثباتهم شهادة وفاء للوطن.
ومن بين هؤلاء، برزت وجوه عزيزة من زميلاتنا وزملائنا المحامين، أولئك الذين لم يكتفوا بحمل رسالة القانون، بل حملوا أيضاً رسالة الانتماء، ووقفوا في أرضهم وقفة الكرامة والإيمان.
في مرجعيون الأبيّة، بقي الزميلان طعمه مكروس ومالك راشد في أرضهما، ليعلنا أن الإنتماء ليس شعاراً يقال، بل حياة تعاش، وأن الأرض التي تروى بالوفاء لا يتركها أهلها ساعة الشدّة. كان بقاؤهما فعلاً نبيلاً من أفعال الإيمان، وتجذراً مضيئاً في تراب الوطن.
وفي النبطية العاصية، سطع الحسّ الوطني والإنساني في موقف الزميلين علي حريري وعباس غندور، إذ آثرا البقاء لأداء واجب إنسانيّ نبيل، فكانا مسعفين في وجه الخطر، ورسولين للنجدة وسط العتمة، مؤكدَين أنّ الأرض لا تُترك، وأن الأهل لا يسلَّمون للمصير وحدهم.
وكذلك فعل الزميل رجا الياس في كوكبا، فكان حضوره صورة أخرى من صور الوفاء الصامت.
وفي بعلبك، مدينةِ الشمس والتاريخ والكبرياء، وقف الزملاء عباس الموسوي وبشار حمزه ومحمد حمزه ووفاء فخر الدين وولاء المذبوح وقفةَ أبناء الأرض الحقيقيّين، فرفضوا الرحيل عن بعلبك – الهرمل رغم اشتداد القصف وتكاثر الغارات. لم يغادروا، لأنّهم يعرفون أنّ الأرضَ ليست مجرد مكان، بل هوية، وذاكرة، وكرامة.
هم أبناء هذه البقعة الطيّبة، منها أخذوا صلابتهم، ومنها استمدّوا القدرةَ على البقاء.
وكذلك فعل الزميل علي شحرور حيث صموده وتضحياته في ضاحية بيروت الجنوبية لا تنسى ولا تمحى.
إنّ بقاء هؤلاء الزميلات والزملاء في أرضهم ما هو الا تعبير عميق عن إيمان لا يتزعزع بهذه الأرض، وعن رغبة أصيلة في صون الهويّة الوطنيّة والثقافيّة، وعن رسالة واضحة تقول إنّ أهل الحقّ لا يغادرون، وإنّ المتجذّرين في الوطن لا تقتلعهم العواصف.
فالمحامي ليس فقط من يدافع عن الحقّ في ساحات العدالة، ومن يطبق القانون لإحقاق الحقّ وترسيخ الاستقرار، بل هو أيضاً من يبقى في أرضه حين يتسلل الخوف إلى القلوب، ليُعلّم الأجيال أنّ الوطن لا يُصان بالكلام وحده، بل بالثبات، وبالوفاء، وبالارتباط المقدس بترابه.
هؤلاء ليسوا مجرد محامين حملوا صفة مهنيّة، بل هم، في لحظة الحقيقة، حماة القانون وحراس الأرض.
“محكمة” – الاثنين في 2026/3/30


