كيف نناقش القوانين ونطوّرها من خلال كتاباتنا كمحامين والتعليق على الأحكام القضائية؟/أديب زخور
المحامي أديب زخور:
إنّ من صلب مهام المحامي قراءة القوانين وحسن تفسيرها والتعليق عليها من أجل تطويرها، كما التعليق على الاحكام القضائية من أجل توحيد الاجتهاد، وإذا تعذّر الأمر، المطالبة بتعديل القوانين.
فتطوير القوانين والاجتهادات القضائية يبدأ بالفكر القانوني الحرّ والمسؤول، وبقدرتنا على تحليل النصوص ومناقشة الأحكام ونقدها نقدًا علميًا وموضوعيًا، بهدف إغناء المعرفة القانونية، وكشف الثغرات التشريعية، واقتراح الحلول التي تواكب تطوّر المجتمع وتحقّق العدالة وتحمي الحقوق والحريات.
وقد عبّر الفقيه ورجل القانون الفرنسي جان إتيان ماري بورتاليس (Jean-Étienne-Marie Portalis)، أحد واضعي القانون المدني الفرنسي، في خطابه التمهيدي لمشروع القانون المدني، عن فكرة أساسية مفادها أنّ القوانين ينبغي أن تخدم الإنسان وتنظّم حياته، لا أن يتحوّل الإنسان إلى مجرّد أداة لخدمة النصوص القانونية . وتُبرز هذه الفكرة ضرورة فهم القانون في ضوء غاياته والواقع الذي يُطبَّق فيه، مع احترام استقرار القواعد القانونية والعمل على تطويرها حين تقتضي الحاجة ذلك.
وفي الخطاب التمهيدي نفسه، يبيّن بورتاليس أنّ التشريع لا يستطيع أن يتوقّع جميع الحالات المستقبلية، وأنّ وضع المبادئ العامة يقتضي دورًا للقاضي في تطبيقها وتكييفها مع الوقائع، كما أنّ التجربة العملية قد تكشف عن نقائص لا تظهر عند إعداد القانون، ولكن برأينا الشخصي وعن خبرة طويلة لا يمكن ترك فجوات في التشريع بحيث تصبح غير قابلة للتطبيق وبحكم الملغاة وتلحق ضرراً بمصالح المواطنين بعكس القصد العام لوضعها بهدف تأمين مصالحهم وحقوقهم. وهذا ما يجعل مساهمة المحامين والفقهاء، بل واجبنا، في الاضاءة عليها في تحليل النصوص والتعليق على الأحكام، وتصبح ضرورةً لتطوير القانون وتحسين تطبيقه.
ومن هنا، تبرز أهمية دور المحامي في الكتابة القانونية والتعليق على الأحكام القضائية؛ فالمحامي ليس مجرّد مطبّق للنصوص، بل هو أيضًا باحث ومحلّل ومساهم في تطوير الفكر القانوني. فمن خلال المقالات والدراسات والأبحاث والتعليقات على الأحكام، يستطيع أن يسلّط الضوء على أوجه القوة والقصور في التشريع والاجتهاد، وأن يقترح تفسيرات وتعديل للقوانين وحلولًا بديلة تستند إلى النصوص والمبادئ القانونية والاجتهادات المقارنة.
وفي هذا السياق، تكتسب منهجية الفقيه الفرنسي فرانسوا جيني (François Gény)، ولا سيّما نظريته المعروفة باسم «La libre recherche scientifique»، أي «البحث العلمي الحرّ»، أهمية خاصة. فقد دعا، في مؤلّفه *«Méthode d’interprétation et sources en droit privé positif»، إلى عدم الاكتفاء بالتفسير الحرفي للنصوص عندما تعجز المصادر القانونية عن تقديم حلّ كافٍ، وإلى الاستعانة بالبحث العلمي والعناصر الموضوعية للوصول إلى الحل القانوني الملائم (بما معناه).
إنّ مناقشة حكم قضائي لا تعني الانتقاص من مكانة القضاء، كما أنّ نقد نصّ تشريعي لا ينتقص من جهود واضعيه. فالنقد العلمي ليس تجريحًا، والاختلاف في التفسير ليس خصومة شخصية، بل إنّهما من الوسائل التي تتيح للفكر القانوني أن يتطوّر، وللاجتهاد أن يتجدّد، وللتشريع أن يستجيب للحاجات المتغيّرة.
ولذلك، ينبغي أن نناقش الأحكام بالحجة والدليل، وأن نبيّن مواطن الاتفاق والاختلاف بموضوعية، وأن نحترم القاضي والفقيه والزميل الذي يخالفنا الرأي، من دون تشكيك في النيات أو استعمال عبارات جارحة أو مهينة. فاحترام الشخص لا يعني الموافقة على رأيه، كما أنّ قوة الحجة لا تحتاج إلى الإساءة إلى صاحب الحجة المقابلة.
إنّ المحاماة ليست دفاعًا عن الحقوق أمام المحاكم فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية علمية وفكرية وأخلاقية في تطوير القانون. فنحن نكتب لإغناء المعرفة، وننتقد لنُصحّح، ونقترح لنُطوّر، ونختلف بأخلاق واحترام. ونجعل من أقلامنا وسيلةً لإصلاح التشريع، ومن تعليقاتنا على الأحكام مساهمة في تطوّر الاجتهاد، ومن حوارنا القانوني جسرًا للتقدّم، لا ساحةً للتجريح والانقسام.
الاسباب الرئيسية لإلغاء القوانين
بعد صدور القوانين قد تصبح غير قابلة للتطبيق إمّا لعدم مطابقتها للواقع، وإما عدم القدرة على إنشاء المراسيم التنظيمية لها، أو تمويل المؤسسات المرتبطة بها والتي تشكل الأساس لهذه القوانين، أو بسبب قوانين لاحقة ألغت القديمة أو عدّلتها، أو استنفذت آثارها، أو أصبحت فاقدة لموضوعها ونأخذ على ذلك الواقع والمثال الفرنسي.
ففي كانون الثاني 2018 أنشأ مجلس الشيوخ الفرنسي مهمة عُرفت باسم B.A.L.A.I. – Bureau d’abrogation des lois anciennes et inutiles، أي «مكتب إلغاء القوانين القديمة وغير المفيدة»، وكان هدفها تحسين وضوح القانون وإتاحته، والبحث في القوانين غير المطبقة أو غير القابلة للتطبيق واقتراح إلغائها.
وفي هذا الإطار، صدر رأي مجلس شورى الدولة الفرنسي رقم 396251 بتاريخ 20 كانون الأول 2018 بشأن اقتراح قانون يرمي إلى تحسين وضوح القانون من خلال إلغاء القوانين المتقادمة:
Avis n° 396251 du Conseil d’État du 20 décembre 2018
وقد شكّل هذا الرأي الأساس المباشر للمرحلة الأولى من عملية تنقية التشريع الفرنسي، التي انتهت إلى صدور القانون رقم 2019-1332 بتاريخ 11 كانون الأول 2019، المعنون:
Loi n° 2019-1332 du 11 décembre 2019 tendant à améliorer la lisibilité du droit par l’abrogation de lois obsolètes
وقد ألغى هذا القانون، كليًا أو جزئيًا، 49 قانونًا يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة تقريبًا من 1819 إلى 1940، بعدما تبيّن أنها أصبحت متقادمة أو لم تعد تنتج آثارًا قانونية فعلية.
ومن الأمثلة التي استهدفتها هذه العملية قوانين قديمة أصبحت أحكامها متعارضة مع تشريعات حديثة أو لم تعد لها وظيفة عملية. وكان الهدف، كما أوضح مجلس الشيوخ، ليس مجرد حذف نصوص قديمة من الناحية التاريخية، بل تنقية الكتلة التشريعية من النصوص التي لم تعد قابلة للتطبيق، بما يجعل القانون أكثر وضوحًا وإتاحة وفهمًا.
أولًا: كيف عرّف مجلس شورى الدولة الفرنسي «القانون المتقادم»؟
في رأيه اللاحق رقم 401591 بتاريخ 11 شباط 2021، والمتعلق باقتراح قانون جديد لإلغاء القوانين المتقادمة، أعاد مجلس الدولة اعتماد المعايير التي وضعها في رأيه رقم 396251 لسنة 2018، وقدم تعريفًا بالغ الأهمية.
فقد اعتبر أن القانون يكون obsolète – متقادمًا عندما تكون أحكامه التي لم تُلغَ صراحة:
1. قد أُلغيت ضمنيًا بسبب قوانين لاحقة وضعت قواعد مخالفة لها؛
2. استنفدت آثارها بسبب طبيعة موضوعها؛
3. أصبحت فاقدة لموضوعها لأن الظروف القانونية أو الواقعية تطورت إلى درجة لم تعد معها الحالات التي استهدف القانون تنظيمها قابلة للحدوث.
وهذا التعريف مهم جدًا؛ لأنه لا يجعل مرور الزمن وحده سببًا لإلغاء القانون. فالعبرة ليست بعمر النص، وإنما بما إذا كان لا يزال يؤدي وظيفة قانونية حقيقية.
ثانيًا: ليس كل نص قديم نصًا متقادمًا
أظهر مجلس الدولة الفرنسي حذرًا واضحًا في هذا المجال. فقد أكد أنه ينبغي أحيانًا الامتناع عن إلغاء النص إذا كان من الممكن أن تبقى له فائدة قانونية، أو إذا كان إلغاؤه قد يؤدي، من دون قصد، إلى اختفاء قاعدة لا تزال قابلة للاستناد إليها في نزاع قضائي.
وهذا يعني أن القاعدة ليست:”كل قانون قديم يجب إلغاؤه” بل القاعدة الأدق هي:”كل نص فقد موضوعه أو استنفد آثاره أو أصبح غير قابل للتطبيق أو أُبطل ضمنيًا بتشريع لاحق، ينبغي أن يخضع للمراجعة التشريعية، وقد يقتضي الأمر إلغاءه.»
وهنا تظهر أهمية التمييز بين التقادم التشريعي (obsolescence) وبين مجرد قدم النص.
ثالثًا: المرحلة الثانية – رأي مجلس الدولة رقم 401591 لعام 2021
إستمرّ العمل نفسه في فرنسا من خلال رأي مجلس الدولة رقم 401591 بتاريخ 11 شباط 2021، المتعلق باقتراح القانون رقم 68 الذي تقدم به عدد كبير من أعضاء مجلس الشيوخ لإلغاء قوانين متقادمة وتحسين وضوح القانون.
وقد أكد مجلس الدولة أن هذا الاقتراح يأتي في خط رأيه رقم 396251 الصادر في 20 كانون الأول 2018، والذي أدى إلى القانون رقم 2019-1332 الصادر في 11 كانون الأول 2019.
وكان الاقتراح الجديد يستهدف، في مرحلته الأصلية، 163 قانونًا صادراً بين 1941 و1980، إلا أن مجلس الدولة والعملية التشريعية اتبعا منهجًا حذرًا، واستبعدت نصوص عندما ظهر احتمال أن يكون لها أثر قانوني ما زال قائمًا.
وهذه نقطة جوهرية: عملية تصويب التشريع لا تقوم على الحذف الآلي، بل على دراسة وظيفة كل نص وآثاره القانونية المحتملة.
رابعًا: القانون الفرنسي رقم 171- 2022
أدت المرحلة الثانية إلى صدور:
Loi n° 2022-171 du 14 février 2022 tendant à abroger des lois obsolètes pour une meilleure lisibilité du droit
وقد صدر هذا القانون في 14 شباط 2022، ونشر في الجريدة الرسمية الفرنسية في 15 شباط 2022.
وقد تناول قوانين صادرة خصوصًا خلال الفترة الممتدة من 1941 إلى 1980.
وتوجد في المصادر البرلمانية الفرنسية أرقام مختلفة بحسب طريقة العدّ: فقد انتهى النص إلى إلغاء عدد كبير من القوانين والأحكام القانونية، ويشير أحد تقارير مجلس الشيوخ إلى 115 قانونًا أُلغيت في إطار «BALAI II»، في حين أن بعض الوثائق البرلمانية تعدّ القوانين التي أُلغيت كليًا بصورة مختلفة. ولذلك، عند الاستشهاد الرقمي الدقيق، الأفضل القول إن القانون ألغى مجموعة واسعة من القوانين المتقادمة، مع اعتماد رقم 115 عندما يكون المقصود حصيلة القوانين التي استهدفها القانون وفق تقرير مجلس الشيوخ.
خامسًا: لماذا يعتبر ذلك مبدأً مهمًا؟
السبب ليس مجرد الرغبة في تقليل عدد القوانين، وإنما حماية مبادئ أساسية في دولة القانون، وفي مقدمتها:
• وضوح القانون؛
• إمكانية الوصول إليه وفهمه؛
• قابليته للتطبيق؛
• انسجام النصوص القانونية بعضها مع بعض؛
• وعدم إبقاء قواعد قانونية قديمة في المنظومة التشريعية بما يخلق غموضًا أو تناقضًا أو عدم يقين قانوني.
وقد ربط مجلس الدولة الفرنسي هذه العملية بمبدأ وضوح القانون وبالأهداف ذات القيمة الدستورية المتعلقة بـ إتاحة القانون وفهمه (accessibilité et intelligibilité de la loi).
سادسًا: الفرق بين تعديل القانون وإلغائه
وهنا يجب التمييز:
التعديل (modification) يكون مناسبًا عندما يكون القانون لا يزال يؤدي وظيفة قانونية، لكن بعض أحكامه أصبحت غير ملائمة للواقع أو ناقصة أو متعارضة مع التطورات الجديدة.
أما الإلغاء (abrogation) فيكون مناسبًا عندما يصبح النص فاقدًا لموضوعه، أو مستنفدًا لآثاره، أو متعارضًا مع تشريع لاحق، أو غير قابل للتطبيق، بحيث لا تعود هناك حاجة إلى بقائه في المنظومة القانونية.
لذلك فإن الدعوة إلى “مراجعة التشريعات وتصويبها وتطويره” لا تعني الدعوة إلى إلغاء القوانين بصورة عشوائية، وإنما تعني إخضاعها بصورة دورية لاختبار عملي: هل لا يزال النص يحقق الغاية التي وضع من أجلها؟ هل لا يزال قابلًا للتطبيق؟ هل ما زال منسجمًا مع التشريعات اللاحقة؟ وهل لا يزال ملائمًا للواقع؟
سابعًا: تطبيق المبدأ على العمل النقابي للمحامين
ومن هنا يمكن تحويل هذا المبدأ الفرنسي إلى رؤية عملية في العمل النقابي:
إنّ المحامي، بحكم ممارسته اليومية للقانون، هو من أكثر الفئات قدرة على اكتشاف النصوص التي لم تعد تواكب الواقع، أو التي تعرقل الوصول إلى الحق، أو التي تتناقض مع أحكام أخرى، أو التي أصبحت غير قابلة للتطبيق بصورة عملية.
ومن ثم، فإن دور النقابة لا ينبغي أن يقتصر على الدفاع عن المحامي أمام تطبيق القانون، بل يمكن أن يمتد إلى المساهمة في تطوير القانون نفسه، من خلال رصد النصوص التي تكشف الممارسة القضائية والمهنية عن قصورها، وإعداد الدراسات والاقتراحات، والتعليق على الأحكام، واقتراح التعديلات التشريعية اللازمة.
وهذا يجعل “مراجعة التشريعات وتصويبها وتطويرها” مشروعًا مهنيًا وقانونيًا، لا مجرد شعار.
الخلاصة
التجربة الفرنسية تقدم نموذجًا واضحًا: أنشأ مجلس الشيوخ مهمة BALAI في 2018، ثم جاء رأي مجلس الدولة رقم 396251 في 20 كانون الأول 2018، تلاه القانون رقم 2019-1332 في 11 كانون الأول 2019 لإلغاء القوانين المتقادمة، ثم رأي مجلس الدولة رقم 401591 في 11 شباط 2021، وأعقبه القانون رقم 2022-171 في 14 شباط 2022.
وتكشف هذه السلسلة أن التشريع ليس مقدسًا من حيث صيغته التاريخية، وإنما يجب أن يبقى صالحًا لتحقيق غايته القانونية. فإذا استنفد النص آثاره، أو أصبح غير قابل للتطبيق، أو فقد موضوعه، أو تعارض مع تشريع لاحق، أو أصبح الواقع القانوني والفعلي الذي أنشئ لتنظيمه غير موجود، فإن مراجعته تصبح عملًا تشريعيًا مشروعًا، وقد يقتضي الأمر تعديله أو إلغاؤه.
ومن هذا المنطلق يمكن صياغة المبدأ النقابي على النحو الآتي:
“مراجعة التشريعات وتصويبها وتطويرها، بحيث يبقى القانون مواكبًا للواقع، واضحًا وقابلًا للتطبيق، ويُعدّل أو يُلغى كل نص استنفد غايته أو أصبح متعارضًا مع التطور القانوني والواقعي”.
المراجع:
1. Jean-Étienne-Marie Portalis, Discours préliminaire sur le projet de Code civil الخطاب التمهيدي لمشروع القانون المدني الفرنسي.
2. François Gény, Méthode d’interprétation et sources en droit privé positif
في منهج التفسير والبحث العلمي الحرّ.
“محكمة” – الأحد في 2026/10/4



