إجتهاد نوعي يكرّس استقلال المحكمة العسكرية في البتّ بالدفوع الشكلية رغم غياب مطالعة النيابة العامة ويؤكد حرية قاضي الأساس في تقدير التحقيقات ويعالج الطبيعة القانونية لإجراءات تنفيذ إشارة الاستبقاء ووضع المدعى عليه في النظارة
خاص “محكمة”:
أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة المؤلَّفة من العميد وسيم فياض رئيسًا، والقاضي إميل عازار مستشارًا، والعقيد محمود قاسم مستشارًا ، قرارًا بتاريخ 2026/5/15 في الملف رقم أساس 2024/10112، في معرض البتّ بالدفوع الشكلية المثارة في الدعوى، في اجتهاد نوعي بارز عالج بدقّة العلاقة بين المحكمة والنيابة العامة في مرحلة النظر بالدفوع الشكلية، وكرّس استقلال المحكمة في ممارسة صلاحيتها القضائية رغم غياب مطالعة النيابة العامة، كما تناول إشكاليات إجرائية أثارت التباسًا عمليًا حول حدود صلاحية المحكمة ومدى تأثير الدفوع المتّصلة بصحّة التحقيقات الأولية وإجراءات الادعاء والتحقيق على سلامة الملاحقة.
ولا تكمن أهمية القرار في كونه تطبيقًا لنصّ إجرائي مستحدث فحسب، بل في كونه يكرّس توجّهًا قضائيًا واضحًا يقوم على حماية فعالية العدالة ومنع تعطيلها بدفوع شكلية مجرّدة لا يترتّب عليها أي مساس فعلي بحقوق الدفاع أو بضمانات المحاكمة العادلة.
ومن هنا، أعاد القرار التأكيد بصورة ضمنية على أنّ العبرة في البطلان ليست لمجرّد قيام مخالفة شكلية مجرّدة، بل لمدى تأثير هذه المخالفة فعليًا على حقوق الدفاع أو على سلامة تكوين الدليل والإجراءات، تحت طائلة تحويل الأصول الإجرائية من ضمانات لتحقيق العدالة إلى أدوات تعيقها وتفرغ المحاكمة الجزائية من وظيفتها الأساسية المتمثّلة بكشف الحقيقة وتحقيق حسن سير العدالة.
أولًا: استقلال المحكمة في البتّ بالدفوع رغم غياب مطالعة النيابة العامة
عالج القرار، في جانبٍ أساسي منه، مسألة مدى صلاحية المحكمة في البتّ بالدفوع الشكلية، بعد أن كانت قد أحالت الملف إلى النيابة العامة لاستطلاع رأيها، رغم عدم ورود هذه المطالعة. فميّزت المحكمة بين موجب استطلاع رأي النيابة العامة وبين الطبيعة القانونية لهذا الرأي، معتبرةً أنّه “بإحالتها الملف إلى النيابة العامة العسكرية لاستطلاع رأيها في الدفوع الشكلية، تكون قد استنفدت موجبها القانوني في هذا الخصوص، باعتبار أنّ استطلاع الرأي لا يعدو كونه إجراءً يهدف إلى تمكين النيابة العامة، بصفتها ممثلة للحق العام، من إبداء مطالعتها أو موقفها القانوني قبل بتّ المحكمة بالدفوع المثارة، من دون أن يشكّل ذلك طلبًا لموافقتها أو أن يقيّد المحكمة برأيها، كما أنّ المحكمة لا تملك، في المقابل، أي سلطة قانونية تخوّلها إلزام النيابة العامة بإبداء هذه المطالعة ضمن مهلة معيّنة أو فرض اتخاذ موقف محدّد منها”.
وفي هذا السياق، قدّم القرار قراءة متقدّمة لأحكام القانون رقم 2023/321، ولا سيّما ما يتعلّق بمهلة البتّ بالدفوع الشكلية، فاستخلص من النص الذي أوجب البتّ بالدفع خلال أسبوعين من تاريخ إيداع الملف من قبل النيابة العامة، “أنّ المشترع قد اعتبر إحالة الملف من النيابة العامة إلى المحكمة الحدّ الإجرائي الكافي (le préalable procédural suffisant) لانطلاق صلاحية المحكمة في النظر والبتّ ضمن المهلة المحدّدة، تحت طائلة الاستنكاف عن إحقاق الحقّ، من دون أن يعلّق ذلك على إبداء مطالعة من النيابة العامة أو اتخاذها أي إجراء إضافي”. ومن خلال هذا التفسير، رفض القرار تحويل مطالعة النيابة العامة إلى قيد إجرائي يجمّد عمل القضاء أو يعلّق ممارسة المحكمة لاختصاصها.
ثانيًا: تكريس حرية قاضي الأساس في تقدير التحقيقات
انطلقت المحكمة بدايةً من مبدأ أساسي مفاده “أنّ الدفع ببطلان إجراء من إجراءات التحقيق يندرج ضمن الدفوع الشكلية المحدّدة في المادة /73/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وأنّه، بعد وضع محكمة الأساس يدها على الدعوى العامة نتيجة الادعاء، تصبح جميع الأدلة والقرائن والوقائع الجرمية خاضعة لسلطتها في البحث والتقويم والمناقشة، إذ يعود لها أن تأخذ بما تقتنع بصحّته من نتائج التحقيقات وأن تُهمل ما لا تقتنع بصوابه، وذلك عملًا بمبدأ حرية الإثبات في المواد الجزائية”.
ويكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في النظام الجزائي، باعتبار أنّ التحقيقات الأولية لا تتمتّع بقوّة ثبوتية مطلقة أو ملزمة للمحكمة، بل تبقى مجرّد عناصر استدلال تخضع لتقدير قاضي الأساس ورقابته. فالمحكمة الجزائية، بعد وضع يدها على الدعوى العامة، لا تتحوّل إلى مجرّد جهة تصديق على ما ورد في التحقيقات السابقة، وإنّما تمارس سلطتها الكاملة في تمحيص الأدلة ومناقشتها واستخلاص قناعتها الحرّة منها، بحيث يبقى اقتناعها الوجداني هو الأساس في تكوين الحكم الجزائي.يكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في النظام الجزائي، باعتبار أنّ التحقيقات الأولية لا تتمتّع بقوّة ثبوتية مطلقة أو ملزمة للمحكمة، بل تبقى مجرّد عناصر استدلال تخضع لتقدير قاضي الأساس ورقابته. فالمحكمة الجزائية لا تتحوّل إلى مجرّد جهة تصديق على ما ورد في التحقيقات السابقة، وإنّما تمارس سلطتها الكاملة في تمحيص الأدلة ومناقشتها واستخلاص قناعتها الحرّة منها، بحيث يبقى اقتناعها الوجداني هو الأساس في تكوين الحكم الجزائي.
ومن هنا، فإنّ أيّ عيب يُدلى به في إجراءات التحقيق الأولي لا يفضي تلقائيًا إلى إهدار مجمل التحقيق أو إبطال الملاحقة، ما دام للمحكمة أن تعيد مناقشة الوقائع والأدلة بصورة مستقلة وأن تستبعد ما لا تطمئن إليه من معطيات التحقيق، أو تأخذ بما تراه متوافقًا مع الحقيقة والوقائع الثابتة أمامها. ويؤدّي هذا المفهوم إلى الحدّ من التوسّع في البطلان الشكلي، انسجامًا مع الطبيعة الموضوعية للمحاكمة الجزائية التي ترمي أساسًا إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، لا إلى إسقاط الإجراءات لأسباب تقنية مجرّدة لا تأثير فعليًا لها على حقوق الدفاع أو سلامة الاقتناع القضائي.
ثالثاً: صحة الادعاء رغم غياب التواقيع الحيّة عن النسخ المطبوعة
تناولت المحكمة الدفع ببطلان محضر التحقيق لكون النسخة المبرزة في الملف جاءت مطبوعة وخالية من التواقيع. وقد ميّز القرار بين “أصول تنظيم المحضر بحدّ ذاته وبين صورة النسخة المبرزة ضمن الملف، معتبرًا أنّ وجود نسخة مطبوعة وممهورة بتوقيع قائد السرية المتولية للتحقيق، الذي أحالها إلى النيابة العامة، لا ينال من صحّة المحضر الأصلي ولا يؤدّي إلى فقدانه صفته الرسمية، ما دام الثابت أنّ المحضر الأساسي المنظّم بخطّ اليد قد استوفى التواقيع المطلوبة “.
وبذلك، كرّست المحكمة مبدأً بالغ الأهمية مؤدّاه “أنّ البطلان لا يُفترض ولا يُستنتج”، ولا سيّما في ظلّ غياب نصّ صريح يرتّب البطلان على الحالة المدلى بها أو مخالفة تمسّ النظام العام أو الصيغ الجوهرية. كما عكس القرار توجّهًا واضحًا نحو اعتماد معيار الضرر الفعلي والواقعي في تقدير آثار المخالفات الإجرائية، بدل الوقوف عند الشكليات المجرّدة بمعزل عن تأثيرها الحقيقي على سلامة المحاكمة.
رابعًا: الحدّ من التوسّع بادعاءات انعدام الحياد
عالج القرار أيضًا مسألة حياد منظّم المحضر، بعدما أدلى المدعى عليه بوجود خلافات سابقة بينه وبين القائم بالتحقيق. وقد رفضت المحكمة هذا الإدلاء، معتبرةً أنّه بقي مجرّد قول مرسل يفتقر إلى أي دليل جدّي من شأنه النيل من مشروعية التحقيق أو التشكيك في صحّته.
والأهمّ أنّ القرار ربط تقييم هذه المزاعم بـ”سلوك المدعى عليه أثناء التحقيق نفسه، إذ تبيّن أنّه أدلى بإفادته بحضور وكيله المحامي، من دون أن يبدي أي اعتراض على إجراءات التحقيق أو يطلب تدوين أي تحفّظ بشأن الشخص القائم به، فضلًا عن عدم ادعائه تعرّضه لأي ضغط أو إكراه أو حرمان من الضمانات القانونية. ومن خلال ذلك، أرسى القرار معيارًا عمليًا مفاده أنّ الادعاء بانعدام الحياد لا يكفي بحدّ ذاته للنيل من صحّة التحقيق، ما لم يقترن بعناصر موضوعية جدّية تثبت تأثيره الفعلي على سلامة الإجراءات أو على حرية الإرادة”. كما كرّس القرار، بصورة غير مباشرة، مبدأ حسن النيّة في استعمال الحقوق الإجرائية، بحيث لا يجوز إثارة مزاعم تتعلّق بحياد المحقّق أو بشرعية الإجراءات بصورة لاحقة ومجرّدة بعد المشاركة في التحقيق من دون أي اعتراض فعلي أو تحفظ جدّي، ما لم يثبت أنّ المدعى عليه كان محرومًا من القدرة على إبداء اعتراضه.
خامسًا: الطبيعة القانونية لإشارة الاستبقاء والوضع في النظارة
تناول القرار مسألة وضع المدعى عليه في النظارة تنفيذًا لإشارة الاستبقاء الصادرة عن مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، فاعتمد مقاربة قانونية دقيقة ميّزت بين المخالفة المسلكية المحتملة وبين الأثر الإجرائي على صحّة التحقيق. إذ اعتبر أنّ “تجاوز حدود إشارة الاستبقاء، على فرض ثبوته، قد يعرّض الضابط العدلي للملاحقة المنصوص عليها في المادة /48/ أ.م.ج. والمادة /367/ عقوبات، فضلًا عن المسؤولية المسلكية، إلّا أنّ ذلك لا يؤلّف بحدّ ذاته سببًا لإبطال إجراءات التحقيق، لا سيما وأن وضع المدعى عليه في النظارة، تنفيذًا لإشارة الاستبقاء، يندرج ضمن التدابير الملازمة للتحقيق ومقتضيات تنفيذ الإشارة القضائية، باعتبار أنّ الاستبقاء يفترض بطبيعته تقييد حرية الشخص موضوعه وإبقاؤه تحت تصرّف الضابطة العدلية وفي عهدتها طوال المدّة المحدّدة، فضلًا عن أنّ إشارة النيابة العامة جاءت قانونية ولم تتضمّن أي منع لوضعه في النظارة أو أي توجيه مخالف لذلك”.
ويكتسب هذا التعليل أهمية خاصة لكونه يميّز بوضوح بين المسؤولية الشخصية المحتملة للعاملين في الضابطة العدلية وبين الأثر القانوني للإجراء على صحّة الدعوى العامة، بما يمنع التوسّع في إبطال التحقيقات لمجرّد وجود مخالفة مسلكية أو تنظيمية لا يثبت أنّها انعكست فعليًا على سلامة الإرادة أو على الضمانات الأساسية للمدعى عليه.
سادسًا: الطبيعة القانونية لعمل الضابطة العدلية
شدّد القرار على أنّ مساعد النيابة العامة أو عنصر الضابطة العدلية الذي تولّى التحقيق ” لم يكن يمارس صلاحية شخصية أو مستقلة، بل كان ينفّذ الإشارات والتعليمات الصادرة عن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وتحت إشرافه، بحيث تبقى الإجراءات المتّخذة منسوبة في حقيقتها إلى السلطة القضائية المشرفة على التحقيق، لا إلى مساعد النيابة العامة القائم بوظائف الضابطة العدلية”. وبذلك، رفض القرار تحويل أي ادعاء بخلاف شخصي مع المنفّذ إلى سبب لإبطال التحقيق.
كما يُبرز هذا التعليل الطبيعة التسلسلية للعمل القضائي والضابطي في مرحلة التحقيق الأولي، ويؤكّد أنّ عنصر الضابطة العدلية لا يعمل بصفته الذاتية أو لمصلحة شخصية، وإنّما ضمن إطار وظيفة عامة خاضعة لإشراف السلطة القضائية المختصّة، الأمر الذي يفرض التمييز بين الادعاءات الشخصية المجرّدة وبين المخالفات الجدية التي تثبت انحراف التحقيق عن غايته أو مساسه الفعلي بضمانات المحاكمة العادلة.
سابعًا: التمييز بين الدفوع الشكلية والدفاع المتّصل بأساس النزاع
كرّس القرار تمييزًا دقيقًا بين الدفوع الشكلية والدفاع المتعلّق بأساس الحق، رافضًا التوسّع في مفهوم الدفع الشكلي بما يؤدّي إلى تحويله إلى وسيلة لمناقشة موضوع الدعوى بصورة مسبقة. فقد أدلى المدعى عليه ببطلان الادعاء بحجّة عدم وضوح الوقائع وعدم انطباق جرمي التحقير واختلاق الجرم على الأفعال المنسوبة إليه، إلّا أنّ المحكمة اعتبرت أنّ هذا الدفع لا يتّصل بشرعية الادعاء من الناحية الإجرائية، بل يطال “مدى توافر الأركان الجرمية وانطباق النصوص الجزائية على الوقائع، وهو أمر يعود تقديره لمحكمة الأساس عند النظر في الموضوع بعد المناقشة وتقييم الأدلة، ولا يندرج ضمن الدفوع الشكلية المحدّدة حصرًا في المادة /73/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية”.
ومن خلال هذا التعليل، اعتمدت المحكمة مقاربة تضييقية لمفهوم الدفع الشكلي، انطلاقًا من طابعه الاستثنائي ووجوب تفسيره بصورة ضيّقة، بما يحول دون خلط المسائل الإجرائية بالمسائل الموضوعية، بما يكرّس التفسير الضيّق والاستثنائي للدفوع الشكلية ويمنع استعمالها كوسيلة لاستباق مناقشة جوهر النزاع قبل أوانه.
وفي الختام، يؤسّس هذا القرار، في مجمله، لاجتهاد قضائي متقدّم يكرّس مقاربة متوازنة بين صون الضمانات الإجرائية وحماية فعالية العدالة الجزائية، من خلال تأكيده أنّ احترام الأصول لا يُختزل بالتشدّد في الشكليات أو بالتوسّع في ترتيب البطلان، بل يقوم على التحقّق ممّا إذا كانت المخالفة المدلى بها قد انعكست فعليًا على حقوق الدفاع أو على سلامة المحاكمة وعدالتها. وبذلك، يرفض القرار تحويل القواعد الإجرائية من ضمانات لتحقيق العدالة إلى أدوات تؤدّي إلى تعطيلها أو إفراغ الدعوى الجزائية من وظيفتها في كشف الحقيقة وحسن تطبيق القانون.
كما يكرّس القرار استقلال المحكمة في ممارسة ولايتها القضائية، ويؤكّد أنّ اختصاصها لا يجوز أن يبقى رهينة مواقف أو إجراءات لا يفرض القانون إلزاميتها، بما يعزّز مبدأ حسن سير العدالة وعدم الاستنكاف عن إحقاق الحقّ، ويحدّ من النزعة إلى التوسّع في الدفوع الشكلية خارج نطاقها الاستثنائي، مؤسِّسًا لاتجاه اجتهادي أكثر اتزانًا وواقعية في مقاربة البطلان الإجرائي ضمن النظام الجزائي.
لذلك تنفرد “محكمة” بنشر هذا القرار كاملاً:
باسم الشعب اللبناني
إن المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت، الهيئة الجنحية،
لدى التدقيق والمذاكرة،
تبيّن أنّ المدعى عليه تقدّم بواسطة وكيله بتاريخ 2026/4/15 بمذّكرة دفوع شكلية، طالبًا قبولها شكلًا سندًا للمادة /73/ أ.م.ج.، وفي الأساس:
أوّلًا: إعلان بطلان محضر التحقيق وما تلاه من إجراءات، بما فيها الادعاء، لعدم توقيع المحضر أصولًا وفقًا للمادة /47/ أ.م.ج.، إذ إنّ النسخة المبرزة في الملف جاءت مطبوعة وخالية من التواقيع، بما يفقدها صفتها الرسمية وقوّتها الثبوتية. كما أدلى بانتفاء حياد منظّم المحضر، لسبق تنحّيه عن تنظيم شكوى مقدّمة من المدعى عليه بسبب خلافات قائمة بينهما، ممّا يثير شكًّا مشروعًا في موضوعية الإجراءات المتّخذة بحقّه. كذلك اعتبر أنّ وضعه في النظارة، رغم إشارة مفوض الحكومة باستبقائه حتى الساعة العاشرة ليلًا، يشكّل تقييدًا لحريته وتجاوزًا للإشارة القضائية ومخالفة جوهرية للأصول توجب الإبطال.
ثانيًا: إبطال الادعاء لعدم وضوح الوقائع وعدم تحديد العبارات الجرمية المنسوبة إليه بصورة دقيقة، بما لا يتيح اعتبارها مؤلّفة لجرمي التحقير أو اختلاق الجرم، لا سيّما أنّ جرم التحقير المنصوص عليه في المادة /383/ عقوبات يفترض صدور عبارات أو أفعال واضحة تمسّ بالكرامة، في حين أنّ العبارات الواردة في محضر التحقيق، بحسب إدلاءاته، لا تتضمّن أيّ لفظ مهين أو تعبير حاطّ بالكرامة، ما يجعل الادعاء مفتقرًا إلى بيان الوقائع الجرمية بصورة واضحة.
وتبيّن أنّ هذه المحكمة كانت قد أحالت الملف إلى النيابة العامة العسكرية لاستطلاع رأيها، فقرّرت هذه الأخيرة، بتاريخ 2026/4/17، وقبل إبداء مطالعتها في الدفوع المثارة، تسطير استنابة إلى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، قيادة منطقة جبل لبنان، للإيعاز إلى من يلزم بإيداعها النسخة عن المحضر المتضمّنة التواقيع الحيّة، وفي حال تعذّر ذلك، إفادتها بالأسباب بصورة مفصّلة،
وتبيّن أنّ النيابة العامة العسكرية أعادت الملف إلى المحكمة من دون إبداء مطالعة، من غير أن يتبيّن أنّها قد عمدت، حتى تاريخه، إلى تنفيذ القرار المشار إليه،
بناءً عليه
وحيث لا بدّ من الإشارة بدايةً إلى أنّ الدفوع الشكلية، المستمدّة من القانون الفرنسي والمترجمة عن اصطلاح (Exception de procédure)، تدلّ بطبيعتها على أنّها تشكّل «استثناءً» لا يُلجأ إليه إلا في حالات محدّدة تبرّر المنازعة في قانونية الملاحقة أو في صحّة الإجراءات المتّخذة فيها، الأمر الذي يقتضي حصر استعمالها في نطاق الغاية التي شُرّعت من أجلها، تحقيقًا للتوازن بين ضمان احترام حقوق الدفاع من جهة، وتأمين حسن سير العدالة وحسن انتظام المحاكمة من جهة أخرى، لا سيّما وأنّ الفقه والاجتهاد الفرنسيين قد استقرّا على اعتبار أنّ (Les exceptions de procédure ne peuvent être utilisées à des fins dilatoires)، أي أنّ الدفوع الإجرائية لا يجوز أن تتحوّل إلى وسيلة للمماطلة أو لتعطيل الإجراءات وإطالة أمد النزاع والمحاكمة،
وحيث إنّه، قبل الانتقال إلى بحث الدفوع المثارة، يقتضي التعرّض تباعًا للمسائل القانونية المتّصلة بصلاحية المحكمة للبتّ بالدفوع الشكلية، ومن ثمّ لمدى قانونية الإدلاءات والدفوع المدلى بها من قبل المدعى عليه، وذلك وفق التقسيم الآتي: أولًا، في صلاحية المحكمة للبتّ بالدفوع الشكلية رغم عدم ورود مطالعة النيابة العامة؛ وثانيًا، في الدفوع المثارة.
أولاً: في صلاحية المحكمة للبتّ بالدفوع الشكلية رغم عدم ورود مطالعة النيابة العامة.
وحيث إنّ المحكمة، بإحالتها الملف إلى النيابة العامة العسكرية لاستطلاع رأيها في الدفوع الشكلية، تكون قد استنفدت موجبها القانوني في هذا الخصوص، باعتبار أنّ استطلاع الرأي لا يعدو كونه إجراءً يهدف إلى تمكين النيابة العامة، بصفتها ممثلة للحق العام، من إبداء مطالعتها أو موقفها القانوني قبل بتّ المحكمة بالدفوع المثارة، من دون أن يشكّل ذلك طلبًا لموافقتها أو أن يقيّد المحكمة برأيها، كما أنّ المحكمة لا تملك، في المقابل، أي سلطة قانونية تخوّلها إلزام النيابة العامة بإبداء هذه المطالعة ضمن مهلة معيّنة أو فرض اتخاذ موقف محدّد منها،
وحيث إنّ إعادة النيابة العامة العسكرية الملف إلى المحكمة من دون إبداء مطالعة، بمعزل عن الإجراءات التي قرّرت اتخاذها أو مدى متابعتها، لا يؤثّر على صلاحية المحكمة في البتّ بالدفوع الشكلية ولا يعلّق ممارستها على ورود هذه المطالعة،
وحيث إنّ هذا المنحى يجد سنده أيضًا في أحكام القانون رقم 321 تاريخ 2023/12/22، الذي حدّد مهلة البتّ بالدفوع الشكلية ابتداءً من تاريخ إيداع الملف من قبل النيابة العامة، إذ نصّ صراحةً على أنّه «يُبتّ بالدفع خلال أسبوعين من تاريخ إيداع الملف من قبل النيابة العامة»، بما يفيد أنّ المشترع قد اعتبر إحالة الملف من النيابة العامة إلى المحكمة الحدّ الإجرائي الكافي (le préalable procédural suffisant) لانطلاق صلاحية المحكمة في النظر والبتّ ضمن المهلة المحدّدة، تحت طائلة الاستنكاف عن إحقاق الحقّ، من دون أن يعلّق ذلك على إبداء مطالعة من النيابة العامة أو اتخاذها أي إجراء إضافي.
ثانياً: في الدفوع المثارة.
وحيث، ومن نحو أوّل، يدلي المدعى عليه، ببطلان محضر التحقيق وما تلاه من إجراءات، بما فيها الادعاء، لكون النسخة المبرزة في الملف خالية من التواقيع خلافًا للمادة /47/ أ.م.ج.، ممّا يفقدها صفتها الرسمية وقوتها الثوبتية، كما يدلي بانتفاء حياد منظّم المحضر بسبب خلافات سابقة بينهما، وبمخالفة الأصول نتيجة وضعه في النظارة خلافًا لإشارة مفوض الحكومة،
وحيث لا بدّ من الإشارة بدايةً إلى أنّ الدفع ببطلان إجراء من إجراءات التحقيق يندرج ضمن الدفوع الشكلية المحدّدة في المادة /73/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وأنّه، بعد وضع محكمة الأساس يدها على الدعوى العامة نتيجة الادعاء، تصبح جميع الأدلة والقرائن والوقائع الجرمية خاضعة لسلطتها في البحث والتقويم والمناقشة، إذ يعود لها أن تأخذ بما تقتنع بصحّته من نتائج التحقيقات وأن تُهمل ما لا تقتنع بصوابه، وذلك عملًا بمبدأ حرية الإثبات في المواد الجزائية،
وحيث، فضلًا عن أنّ إدلاء المدعى عليه لجهة كون النسخة المبرزة في الملف مطبوعة وخالية من التواقيع إنّما يتعلّق بواقعة لاحقة لإجراءات التحقيق بحدّ ذاتها، فإنّ إبراز نسخة مطبوعة عن المحضر في الملف، ممهورة بتوقيع قائد السرية المتولّية التحقيق ومحالة إلى النيابة العامة، تُظهر بصورة واضحة أنّ محضر التحقيق الأولي المنظّم بخطّ اليد قد استوفى تواقيع متولّي التحقيق والمدعى عليه، لا يشكّل بحدّ ذاته أي مخالفة لإجراءات التحقيق أو تأثيرًا في صحّتها أو مخالفةً لأحكام المادة /47/ أ.م.ج.، لا سيّما وأنّ أيًّا من الحالات المنصوص عليها في المادة /59/ أ.م.م. غير متوافر في القضية الحاضرة، إذ لا يوجد نصّ صريح يرتّب البطلان على الحالة المدلى بها، ولا مخالفة لصيغة جوهرية أو لقاعدة متعلّقة بالنظام العام، فضلًا عن أنّ المادة المذكورة تشترط إثبات الضرر الناتج عن العيب المدلى به، وهو ما لم يثبته المدعى عليه،
وحيث إنّ التعليل القانوني المتقدّم ينسحب كذلك على الإدلاء بانتفاء حياد منظّم المحضر بسبب خلافات سابقة مزعومة مع المدعى عليه، فضلًا عن أنّ هذا الإدلاء لا يستند إلى أيّ معطى جدّي من شأنه النيل من صحّة التحقيق أو التشكيك بمشروعيته، لا سيّما وأنّ الثابت من محضر التحقيق أنّ المدعى عليه أدلى بإفادته بحضور وكيله المحامي، من دون أن يبدي أيّ اعتراض على إجراءات التحقيق أو على الشخص القائم به أو يطلب تدوين أيّ تحفّظ بهذا الخصوص، الأمر الذي يفيد قبوله بسير التحقيق وفق الأصول، كما أنّه لم ينكر أصل الإفادات أو الوقائع المدوّنة في المحضر، ولم يدلِ بتعرّضه لأيّ ضغط أو إكراه أو حرمان من الضمانات القانونية أثناء التحقيق، ممّا يجعل ما أُثير بشأن انتفاء الحياد مجرّد أقوال مرسلة تفتقر إلى أيّ دليل أو أساس جدّي، ولا سيّما أنّ القائم بالتحقيق لم يكن يمارس صلاحية شخصية أو مستقلة، بل كان ينفّذ الإشارات والتعليمات الصادرة عن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وتحت إشرافه، بحيث تبقى الإجراءات المتّخذة منسوبة في حقيقتها إلى السلطة القضائية المشرفة على التحقيق، لا إلى مساعد النيابة العامة القائم بوظائف الضابطة العدلية،
وحيث ينسحب أيضًا التعليل القانوني المتقدّم على ما أثاره المدعى عليه لجهة وضعه في النظارة خلافًا لإشارة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية باستبقائه حتى الساعة العاشرة ليلًا، إذ إنّه، ولئن كان تجاوز حدود إشارة الاستبقاء، على فرض ثبوته، قد يعرّض الضابط العدلي للملاحقة المنصوص عليها في المادة /48/ أ.م.ج. والمادة /367/ عقوبات، فضلًا عن المسؤولية المسلكية، إلّا أنّ ذلك لا يؤلّف بحدّ ذاته سببًا لإبطال إجراءات التحقيق، لا سيما وأن وضع المدعى عليه في النظارة، تنفيذًا لإشارة الاستبقاء، يندرج ضمن التدابير الملازمة للتحقيق ومقتضيات تنفيذ الإشارة القضائية، باعتبار أنّ الاستبقاء يفترض بطبيعته تقييد حرية الشخص موضوعه وإبقاؤه تحت تصرّف الضابطة العدلية وفي عهدتها طوال المدّة المحدّدة، فضلًا عن أنّ إشارة النيابة العامة جاءت قانونية ولم تتضمّن أي منع لوضعه في النظارة أو أي توجيه مخالف لذلك،
وحيث يقتضي، تبعًا لما تقدّم، ردّ جميع الإدلاءات والدفوع الواردة في هذا النحو لعدم قانونيتها.
وحيث، ومن نحو ثانٍ، يدلي المدعى عليه ببطلان الادعاء لعدم وضوح الوقائع وعدم تحديد العبارات الجرمية المنسوبة إليه بصورة دقيقة، معتبرًا أنّ الوقائع المدلى بها لا تؤلّف جرمي التحقير أو اختلاق الجرم، ولا تتضمّن عبارات مهينة أو حاطّة بالكرامة بالمعنى المقصود في المادة /383/ عقوبات،
وحيث إنّ ما أثاره المدعى عليه لجهة عدم وضوح الوقائع وعدم توافر العناصر القانونية لجرمي التحقير واختلاق الجرم إنّما يطال أساس النزاع ويتّصل بمدى توافر الأركان الجرمية وانطباق النصوص الجزائية على الأفعال المدلى بها، وهو أمر يعود تقديره لمحكمة الأساس عند بحثها في موضوع الدعوى بعد المناقشة وتقييم الأدلة، ولا يندرج ضمن إطار الدفوع الشكلية المحدّدة حصرًا في المادة /73/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ممّا يقتضي ردّه لهذه الجهة لعدم قانونيته.
لذلك
تقرّر المحكمة بالإجماع:
أولاً: رد كل ما ورد في مذكرة الدفوع الشكلية المقدَّمة من المدعى عليه، لعدم القانونية.
ثانياً: تغريم المدعى عليه المذكور خمسين مليون ليرة لبنانية.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/5/19



