تطبيق المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية: بين النصّ والإهمال/عماد جعارة
المحامي عماد جعارة:
تنص المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني على أن:”لا يجوز أن تتعدّى مدة التوقيف الاحتياطي شهرين تمدد مرة واحدة في الجنح، وستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة في الجنايات، ما لم يصدر قرار اتهام في الدعوى خلال تلك المدة. وتُخلَى سبيل الموقوف حكماً ودون كفالة عند انقضاء هذه المدة، إذا لم يكن قد صدر بحقه حكم مبرم أو قرار اتهام.»
وهذه القاعدة ليست مجرّد إجراء شكلي، بل ضمانة جوهرية للحرية الفردية، أقرّها المشرّع بهدف منع التوقيف الاحتياطي من التحوّل إلى عقوبة سابقة للحكم.
فإخلاء السبيل في هذه الحالة واجب حكماً ودون كفالة، أي أن القاضي لا يملك سلطة تقديرية في إبقائه موقوفًا، بل يصبح مُلزمًا قانونًا بإطلاق سراحه فور توافر الشروط التالية:
شروط وجوب إخلاء السبيل حكماً ودون كفالة:
1- أن يكون الموقوف لا يزال موقوفًا احتياطيًا، أي لم يصدر بحقه بعد حكم مبرم.
2- أن تنقضي مدة التوقيف القصوى المحددة في المادة 108:
أقصاها أربعة أشهر في الجنح،
وسنة في الجنايات،
ما لم يكن قد صدر قرار اتهام أو حكم مبرم ضمن هذه المدة.
3- ألا يكون الموقوف محكومًا في دعوى أخرى تستوجب بقاءه موقوفًا.
4- ألا تكون الجريمة من الجرائم المستثناة من الإفراج التلقائي (مثل الجرائم الواقعة على أمن الدولة أو الإرهاب أو جرائم القتل العمد، بحسب الحالات المحددة حصراً في الفقرة الثانية من المادة نفسها).
5- أن تكون جميع المهل القانونية قد انقضت دون مبرر مشروع للتأخير في التحقيق أو إصدار القرار الاتهامي.
عند توافر هذه الشروط مجتمعة، يصبح القاضي ملزماً بإخلاء سبيل الموقوف فوراً ومن دون كفالة، ودون حاجة لأي طلب من وكيله أو تدخل من النيابة العامة.
بين وضوح النص وصمت الممارسة
ورغم أن النص صريح لا لبس فيه، فإن الممارسة القضائية كثيرًا ما تتجاهله، فيبقى الموقوفون رهائن المهل المنتهية، وكأن الحرية شأن ثانوي أو خاضع للمزاج والاجتهاد.
وهنا يكمن الخطر: إذ إن التغاضي عن تطبيق نص إلزامي كهذا لا يشكّل فقط مخالفة قانونية، بل انتهاكًا دستوريًا لمبدأ الحرية الشخصية وقرينة البراءة، وتعدّيًا على سلطة المشرّع.
مسؤولية مشتركة وصمت غير مبرَّر
إن ما يزيد من خطورة هذا الواقع هو الصمت المهني الذي يخيّم على نقابتي المحامين، وعلى نادي القضاة، وعلى الجسم الحقوقي بأسره.
فحين يُهمَل تطبيق مادة آمرة بهذا الوضوح، ولا يصدر أي موقف رسمي أو بيان نقابي يذكّر بوجوب تنفيذها، فإننا نكون أمام تخاذل مؤسسي يضرب الثقة العامة في العدالة ويقوّض مبدأ سيادة القانون.
إن المحامي، بصفته حارسًا للحقوق والحريات، لا يجوز أن يقف متفرّجًا أمام توقيفٍ مخالف للقانون.
والقاضي، بصفته الضمير الحي للعدالة، ملزم بتطبيق النص القانوني كما ورد، لا كما يُراد منه سياسيًا أو إداريًا.
فالقانون لا يُجزّأ، وإما أن يُحترم في كل مواده، أو يُصبح مجرّد شعار أجوف يُستعمل عند اللزوم.
إما التطبيق… أو الإلغاء
إن المادة 108، بما تمثّله من ضمانة أساسية للحرية، يجب أن تُطبّق كما هي، دون استنسابية أو تأويل.
أما تركها مجمّدة في النصوص ومهملة في الواقع، فهو ما يُفرغ العدالة من مضمونها ويُفقد الثقة بالمؤسسات القضائية والنقابية على حد سواء.
إما أن تُطبَّق المادة بحذافيرها،
وإما أن يُصار إلى تعديلها أو إلغائها صراحة،
لكن لا يجوز الاستمرار في سياسة “التطبيق الانتقائي” التي تنسف مبدأ المساواة أمام القانون.
العدالة لا تقوم إلا بسيادة النص
في النهاية، إن تطبيق المادة 108 واجب ليس فقط احترامًا للقانون، بل احترامًا للإنسان.
فكل يوم يُحتجز فيه شخص خلافًا لأحكامها هو يوم من الحرية المسلوبة ظلمًا، ووصمة على جبين العدالة.
ولذلك، فإننا نطالب بوضوح وشجاعة بأن تُطبَّق هذه المادة فورًا، وأن يُخلَى سبيل كل موقوف توفرت بحقه الشروط القانونية دون كفالة، كما أوجب القانون، حفاظًا على هيبة العدالة، وصونًا لكرامة الإنسان، وإحقاقًا لسيادة القانون.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/10/21



