جمعيات قانونية تعنى بحقوق الإنسان: ليصحح قضاة المحكمة العسكرية السابقة الخطرة بالادعاء على مقاومين
صدر عن عدد من الجمعيات القانونية والمعنية بحقوق الإنسان البيان التالي:
“في خضمّ العدوان “الإسرائيليّ” على لبنان وتماديه في القتل والتدمير والتوغّل، وفيما تترك له الحكومة الحبل على الغارب، وبينما يستبسل المقاومون في مواجهة العدوان، باذلين أرواحهم من أجل الحفاظ على أرض الوطن والشعب والسيادة، ادّعى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة على مقاومين تمّ توقيفهم أثناء توجّههم لرفد إخوانهم ونقل السلاح إلى ساحة المعركة في جنوب لبنان، ووجّه إليهم تهمة “خرق حياد الدولة في الحرب”، التي تشكّل الجناية المحدّدة في المادّة 288 من قانون العقوبات، في خطوة قضائيّة خطيرة وغير مسبوقة، ينبغي ألّا تبقى دون تفنيد قانونيّ.
تنصّ المادّة 288 من قانون العقوبات على ما يأتي:
“يعاقب بالاعتقال المؤقّت:
من خرق التدابير التي اتّخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب.
من أقدم على أعمال أو كتابات أو خطب لم تُجزها الحكومة، فعرّض لبنان لخطر أعمال عدائيّة أو عكّر صلاته بدولة أجنبيّة أو عرّض اللبنانيّين لأعمال ثأريّة تقع عليهم أو على أموالهم.”
إنّ مسألة تعريض “لبنان لخطر أعمال عدائيّة” وتعريض “اللبنانيّين لأعمال ثأريّة تقع عليهم أو على أموالهم” ليست ناتجة عن ردّ المقاومة على العدوان، فقد مارسها العدوّ منذ ما قبل الردّ بعشرات الأشهر، وحتّى بعد اتّفاق وقف الأعمال الحربيّة، فقد استمرّ العدوّ في القتل والتدمير والتوغّل لمدّة خمسة عشر شهرًا، كانت المقاومة خلالها تتحمّل، وبيئتها، جميع أشكال الاعتداء، وكان المقاومون يتذرّعون بالصبر الاستراتيجيّ، ولم تكن الحكومة تقوم بأيّ حراك إلّا بعد إلحاحٍ شعبيّ ضاغط، فكأنّها غير معنيّة بارتكابات العدوّ التي شكّلت جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة، ولامست حدود جريمة إبادة جماعيّة (Genocide)، لاستهدافها طائفة دينيّة لبنانيّة معيّنة.
هذا مع تجاهلنا للوسيلة المحدّدة في الفقرة الثانية من المادّة 288، وهي “كتابات أو خطب لم تُجزها الحكومة”، والأخذ فقط بمسألة التعريض للخطر.
وهكذا اضطُرّت المقاومة للردّ دفاعًا عن أهلها وعن مقاتليها، مستغلّة انشغال العدوّ بالعدوان، مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، على الجمهوريّة الإسلاميّة، وصرف مجهوده القتاليّ الأكبر في ذلك الاتّجاه.
وأمّا الادّعاء بتعكير صلات لبنان “بدولة أجنبيّة” و”خرق التدابير التي اتّخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب”، فهو ادّعاء غريب ومشبوه:ما هي هذه الدولة الأجنبيّة؟ وما هي صلات لبنان بها؟ إنّ الدولة التي يواجهها المقاومون هي “إسرائيل”، فما هي صلات لبنان التي ستتعكّر جرّاء مقاومة جرائمها بحقّ لبنان؟ إلّا إذا كانت الحكومة قد طبّعت معها سرًّا وأقامت علاقات تخشى “تعكيرها”.
أمّا الحياد الذي يذكره نصّ المادّة 288 عقوبات، فمن البديهيّ أنّه يقتضي أن تكون الدولة في موقع عدم انحياز في نزاع لا يعنيها، قائم بين دولتين أخريين، في حين أنّ لبنان في حالة حرب مع “إسرائيل” منذ سنة 1948، وهذا الكيان ما يزال يحتلّ جزءًا من الأراضي اللبنانيّة؛ فلا يمكن أن يكون لبنان على الحياد تجاهه، لا سياسيًّا ولا قانونيًّا، بل عليه مقاومته بكلّ الوسائل والإمكانات، وهو حقّ دستوريّ ووطنيّ لا يمكن التنازل عنه، مهما كانت الذرائع، وذلك استنادًا إلى المعطيات الآتية:
أولًا – الحياد في القانون الدوليّ
الحياد في القانون الدوليّ نوعان: حياد دائم وحياد مؤقّت:
• الحياد الدائم هو مركز قانونيّ تتّخذه دولة (أو يُفرض عليها)، وتعترف به الدول الأخرى، وتحافظ الدولة المحايدة بموجبه على حيادها في جميع النزاعات الدوليّة.
• الحياد المؤقّت هو موقف تتّخذه دولة من نزاع قائم بين طرفين، بحيث لا تنحاز إلى أيّ منهما، ويستتبع حقوقًا وواجبات محدّدة في القانون الدوليّ العامّ.
وقد عالجت اتّفاقيّة لاهاي لعام 1907، التي تُعدّ من أهم مصادر القانون الدوليّ الإنسانيّ والتي أصبحت أحكامها عرفيّة، واجبات الدولة المحايدة وحقوقها، ومنها الامتناع عن الاشتراك في الحرب، وعدم السماح باستخدام أراضيها للقيام بأعمال عدائيّة تجاه أحد الأطراف، ومعاملة جميع أطراف النزاع على قدم المساواة؛ وفي المقابل تلتزم الدول المتحاربة باحترام حياد الدول التي تعلن ذلك.
والسؤال المطروح على القضاء اللبنانيّ: حياد لبنان في هذه المعركة بين مَنْ ومَنْ؟ فالمعركة بين العدوّ الصهيونيّ والمقاومة؛ فهل ترى السلطة أنّ لبنان على الحياد بين العدوّ والمقاومة؟وإذا كانت السلطةالتنفيذيّة كذلك واقعًا، فإنّ الأمر رسميًّا وقانونيًّا وشعبيًّا على خلاف ذلك؛ فلبنان في حالة حرب مع “إسرائيل”، وهي تحتلّ أرضًا لبنانيّة وتقتل وتهجّر اللبنانيّين، ولا سيّما في الأشهر الخمسة عشر الأخيرة.
ثانيًا – لبنان في حالة حرب مع “إسرائيل”
تُعدّ الدولة اللبنانيّة، من الناحية القانونيّة والسياسيّة، في حالة حرب مع كيان الاحتلال الإسرائيليّ منذ العام 1948، وهذه الحالة لم تنتهِ، بل إنّ حالة الهدنة القائمة منذ العام 1949، التي أوقفت الأعمال العسكريّة، تؤكّد استمرار حالة الحرب قانونًا. فقد جاء في اتّفاقيّة الحرب البرّيّة (لاهاي 1907):المادّة 36: “تُعلّق اتّفاقيّات الهدنة عمليّات الحرب باتّفاق متبادل بين الأطراف المتحاربة، ويجوز لأطراف النزاع، في حال عدم تحديد مدّة للهدنة، استئناف العمليّات في أيّ وقت، شرط إنذار العدوّ ضمن الأجل المتّفق عليه ووفق شروط الهدنة.”
كما أكّدت القرارات الدوليّة المتعاقبة استمرار حالة الهدنة، وبالتالي عدم انتهاء حالة الحرب، وكرّس ذلك قرار مجلس الأمن 1701 الصادر عام 2006، حيث نصّ البند 5 منه على أن:
“يعيد أيضًا تأكيد تأييده الشديد… لسلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسيّ داخل حدوده المعترف بها دوليًّا، حسب الوارد في اتّفاق الهدنة العامّة بين إسرائيل ولبنان المؤرّخ في 23 آذار/مارس 1949.”
ويُضاف إلى ذلك أنّ لبنان أقرّ في غير وثيقة وقانون حالة العداء مع “إسرائيل”، ولا سيّما في وثيقة الوفاق الوطنيّ (1989)، وقانون مقاطعة “إسرائيل” (1955).
وعليه، فإنّ أيّ توصيف للعلاقة بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيليّ بغير حالة الحرب هو توصيف منتفٍ قانونًا، لمخالفته وثيقة الوفاق الوطنيّ وقانون المقاطعة وسائر النصوص ذات الصلة.
ثالثًا – المقاومة حقّ قانونيّ
إنّ حقّ لبنان في مقاومة العدوان الواقع على شعبه وأرضه ومقدّراته وسيادته هو حقّ مكفول في القانون الدوليّ والقانون اللبنانيّ:
في القانون الدوليّ:
• تؤكّد المادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة الحقّ الطبيعيّ للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن نفسها إذا تعرّضت لاعتداء مسلّح.
• كما تنصّ المادّة الثانية (الفقرة الرابعة) من الميثاق العربيّ لحقوق الإنسان، الذي صادق عليه لبنان عام 2008، على حقّ الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبيّ.
في القانون اللبنانيّ:
• يستند هذا الحقّ إلى قيمة دستوريّة، أبرزتها المادّة الثانية من الدستور: “لا يجوز التخلّي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانيّة أو التنازل عنه”.
• ويؤكّده البند الأوّل من مقدّمة الدستور: “لبنان وطن سيّد حرّ مستقل”.
والاستقلال يتنافى مع الاحتلال ولو اقتصر على جزء صغير من الأرض.
• كما يكرّسه البند “ثالثًا” من وثيقة الوفاق الوطنيّ الذي شدّد على وجوب تحرير الأراضي المحتلّة.
ولمّا كانت الحكومات قد تخلّت عن واجبها في مواجهة الاحتلال، كان لا بدّ للشعب، ولا سيّما المتضرّر مباشرة من القتل والتشريد، من أن يتصدّى لهذا الواجب، وهو ما درجت عليه الشعوب عبر التاريخ عندما تقاعست سلطاتها عن الدفاع ضدّ الغزاة أو تواطأت معهم. ففي فرنسا، عندما استسلمت السلطة للغزو الألمانيّ، نهضت المقاومة الشعبيّة بهذا الواجب وكانت ملاحقة من قبل السلطات الفرنسيّة نفسها؛ ففي المناطق التي لم تكن قد احتلّت بعد، نهضت المقاومة لتتصدّى للاحتلال الألماني، وجزئيًّا لنظام فيشي. فكانت الشرطة الفرنسيّة لنظام فيشي تطارد الخصوم السياسيّين للنظام، وخاصّة الشيوعيّين”(1) .
وحتّى على سبيل الجدل، إذا افترضنا أنّ السلطة اللبنانيّة تملك حقّ ملاحقة المقاومين، فهل ستصدر مذكّرات إحضار بحقّ الذين يقاتلون العدوّ في المواقع الأماميّة أو الذين تصدّوا للإنزال؟ إنّ حقّ الشعب اللبنانيّ في المقاومة لا يمكن سلبه بقرار حكوميّ أو قضائيّ، ولا حتّى بقانون.
الخلاصة:
إنّ ادّعاء مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة على مقاومين بجناية خرق حياد الدولة وتعكير صلاتها بدولة أجنبيّة وتعريض لبنان وشعبه للانتقام، استنادًا إلى المادّة 288 من قانون العقوبات، ومن ثمّ محاكمتهم على هذا الأساس، يفتقد إلى أيّ سند قانونيّ، بل يخالف القانون الدوليّ والدستور اللبنانيّ ووثيقة الوفاق الوطنيّ وقانون مقاطعة “إسرائيل”.
كما أنّ هذا السلوك لا يعدو كونه خضوعًا لضغوط سياسيّة وغير سياسيّة، داخليّة وخارجيّة، ويشكّل انحرافًا قانونيًّا جسيمًا.
لذلك، فإنّ مرصد قانا لحقوق الإنسان، إذ يؤكّد احترامه لاستقلال القضاء، يدعو قضاة المحكمة العسكريّة إلى تصحيح هذه السابقة الخطيرة، التي تجعل المدافعين عن الوطن متّهمين، بدل الاعتراف بمكانتهم السامية، التي ارتقوا إليها، والتعاطي معهم كما تتعاطى الشعوب الحرّة مع مقاوميها.
ولمن يرصّعون القرارات القضائية باقتباسات من الفقه والاجتهاد الفرنسيّين، نقول: لكم في موقف القضاء الفرنسيّ وما قدّمه بعد التحرير أسوة حسنة.
إنّ مرصد قانا لحقوق الإنسان يناشد جميع المعنيّين بالحقوق الأساسيّة للشعوب في لبنان والإقليم والعالم التصدّي بحزم لممارسات السلطة اللبنانيّة وتسخيرها القضاء لخدمة أغراضها غير الوطنيّة.”
وقد وقع هذا البيان كلّ من:الجمعيّة العربيّة للقانون الدستوريّ والقانون المقارن، مجمّع التحكيم الدوليّ للشرق الأوسط والبحر المتوسّط،التجمّع الهنديّ للحقوقيّين،المركز العربيّ لتوثيق جرائم الحرب والملاحقة القانونيّة، حركة البديل – المسار الفلسطينيّ، جمعيّة الرافدين لحقوق الإنسان، منتدى البحرين لحقوق الإنسان، المنظّمة العالميّة للدفاع عن ضحايا الإرهاب، ومرصد قانا لحقوق الإنسان.
مصدر:
(1)– Studoku, La résistance au nazisme et au régime de Vichy en France , (1940-1944)
“محكمة” – الجمعة في 2026/3/27
