حين تقرأني الصداقة والصراحة/ أنطونيو الهاشم
أنطونيو الهاشم(نقيب المحامين في بيروت سابقًا):
قالت لي بالأمس الأستاذة والزميلة المميّزة أرليت القيّم قرطباوي،”إنّي أقرأك”…
توقّفت عند عبارتها وسألتها بشيءٍ من الدعابة الممزوجة بالتأمّل: “أتقرئينني… أم تقرئين لي؟”
وبين أن يقرأ الإنسان”لي” وأن ” يقرأني” مسافةٌ صغيرة في اللغة، لكنها عميقة في المعنى. فمن يقرأ لي يمنحني وقته للحظات، أمّا من يقرأني فيمنحني اهتمامه ، ويبحث عني خلف الكلمات، وعن الصديق المختبئ وراء أفكاره ومواقفه.
فالإنسان لا يُقرأ في ما يقوله فقط، بل في صمته أيضًا. في ما يعلنه وما يتردّد في البوح به، في ابتسامته التي قد تخفي تعبًا، وفي صلابته التي قد تستر قلبًا شديد الحساسية. والكلمة الصادقة ليست حروفًا تُكتب، بل نافذةٌ صغيرة نطلّ منها على روح صاحبها.
وفي الصداقة الحقيقية، لا نقرأ ما يكتبه الصديق فحسب، بل نتعلّم مع الأيام أن نقرأ ملامحه ونبرته وصمته. نفهمه أحيانًا قبل أن يتكلّم، ونعذره قبل أن يبرّر، ونرى في عثراته ضعفًا إنسانيًا لا سببًا للحكم عليه. فالصديق كتابٌ لا نغلقه عند صفحةٍ صعبة، ولا نختصره في سطرٍ عابر، بل نتابع قراءته بصدق وصبر ووفاء.
ولعلّ أجمل ما في عبارة الأستاذة أرليت ،”إنّي أقرأك” ، أنّها لم تبدُ لي مجرّد حديثٍ عن نصوصٍ أو مقالات، بل تعبيرًا رقيقًا عن صداقةٍ فكرية وإنسانية مميّزة .صداقة ترى في الكلمة أثرًا من صاحبها، وفي العبارة جزءًا من وجدانه، وفي اختلاف الرأي مساحةً للحوار والتبادل.
فليس كل من قرأ كلماتنا يكون قد قرأنا. هناك من يمرّ على الحروف، وهناك من يبلغ من خلالها المغزى .هناك من يقرأ بعينيه، وهناك من يقرأ بقلبه. وحدهم الأصدقاء الحقيقيون يعرفون كيف يصلون من النص إلى الإنسان، ومن العبارة إلى الشعور، ومن ظاهر الكلام إلى ذلك الصوت الخافت الذي لا يسمعه إلا من يعرفنا ويقدّرنا.
لذلك قلت في نفسي ، اقرئي لي إن شئتِ، واقرئي ما أكتب…
لكن الأجمل أن يقرأ الأصدقاء بعضهم بعضًا، بفهمٍ لا يدين،وبوفاءٍ يرى الإنسان أبعد من كلماته.
فبعض الناس يقرأون ما نكتب، أمّا الأصدقاء المميّزون أمثال الاستاذة أرليت ، فإنهم يقرأوننا نحن… ويتركون، في المقابل، أجمل سطورهم في كتاب حياتنا.
“محكمة” – الأحد في 2026/10/11


