رحيل “سين سين”/رئيف خوري
الدكتور رئيف خوري:
يومًا إقترح دولة الرئيس المرحوم سليم الحص إسم الدكتور عصام سليمان لرئاسة الجامعة اللبنانية. فانشغلت المطابخ السياسية السوداء لمعرفة طائفته بدلًا من التطلع الى عمق كفاءته وعلمه وقدراته. منهم من نسبه الى الطائفة السنية الموقرة ، وآخرون الى الطائفة الشيعية الكريمة ما دام قد تم اقتراحه لرئاسة الجامعة اللبنانية، بيد ان البعض عرَّف عنه بأنّه شقيق المحامي سليمان سليمان غير المعروفة طائفته.
نعم ، لم تعرف عائلة كل من الدكتور عصام والاستاذ سليمان الطائفة مرجعًا لها .
فالدكتور عصام أفنى سنواته وما زال أستاذًا جامعيًا لامعًا في الفرع الاول لكلية الحقوق، يغرف الطلاب من علمه وأبحاثه ودراساته حتى عندما تبوأ رئاسة المجلس الدستوري الذي اغناه باجتهاداته.
بدوره جلس المحامي سليمان سليمان بين كبار القوم في حضور كمال جنبلاط وغيره من قادة لبنان الأفذاذ يقاوم كل من الاحتلالين الاسرائيلي والسوري ويرعى ويدعم المقاومة الوطنية اللبنانية ، متميّزًا بعلمه وبمكانته ، جامعًا ما بين العروبة المتأصلة في فكره، وما بين المصلحة اللبنانية الداخلية في التطور والتقدم والاصلاح ، فأضحى نموذجًا فكريًا لمن يستشرف الغد الأفضل.
هُجِرَ سليمان سليمان من بلدته جاج في قضاء جبيل على يد التسعير الطائفي المقيت ، وتعرّض منزله العائلي للحرق لأنّه رفض الاقتتال المسلح والعنف بين اللبنانيين ، فالتقى يومها مع مواقف النائب ريمون اده عميد حزب الكتلة الوطنية الذي بدوره كما سليمان سليمان تعرض للتنكيل.
فرضت ظروف التهجير على المرحوم سليمان سليمان ان يسكن مدة طويلة في ساقية الجنزير، وأن يؤسّس مكتبه للمحاماة في شارع كليمنصو، إلّا أن إعتمال النقد الذاتي لدى الاحزاب المسيطرة كما تبنّيه للنقد الذاتي الشخصي وتكليف نفسه به ، حثّه للانتقال الى منطقة عين سعادة في المتن الشمالي.
عرفت نقابة المحامين الزميل الراحل سليمان سليمان مدافعًا شرسًا عن حقوق الناس وعن حقوق موكليه من شركات وأفراد ، حيث ترك بصماته الطيبة المفعمة بتفانيه على مساحة قاعة ” الخطى الضائعة ” في عدلية بيروت وفي قصور العدل.
كما خبر القضاء سليمان سليمان حقوقيًا بارزًا، دمث الأخلاق ، ناعم الطرح ، ذلك قبل ان يقترن برفيقة دربه القاضي هيلانة اسكندر رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل سابقًا.
وبموازاة القضاء العدلي خصّه القضاء الاداري بقرار إنساني مليء بروح العصر ، عندما اجتهد مجلس شورى الدولة بتصحيح القيود خلافًا لما هو سائد في العرف اللبناني البغيض ، فأطلق على هذا الاجتهاد المميّز إسم ” سين سين ” نسبة لاسم سليمان سليمان.
برحيل الاستاذ ” سين سين “، فقدت نقابة المحامين محاميًا ألمعيًا ، وخسر لبنان وجهًا محبّبًا، وغاب عن بلدة أرز جـاج معلم ثقافي تعلّق بمكوّناتها وبأهاليها.
الرحمة لنفس الفقيد ، والعزاء لعائلته وأهله .
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/12/30



