قانون الإعلام الجديد في لبنان: قراءة قانونية نقديّة بين رهان الحرية ومخاطر الالتفاف الجزائي/ميرنا طه
المحامية والباحثة القانونية ميرنا زين طه:
مقدمة:
شهدت الساحة التشريعية في لبنان محطة بارزة مع إقرار مجلس النواب لقانون الإعلام الجديد وتوقيعه من رئيس الجمهورية، استجابةً لمطالبات حقوقية ومهنية حثيثة بإنهاء العمل بقانون المطبوعات الصادر بتاريخ 3 نيسان 1962 والذي تجاوزته التحولات الرقمية والعمل الصحافي المعاصر.
ورغم التعديلات الجوهرية المتمثلة في منع التوقيف الاحتياطي ونقل أحكام القدح والذم إلى نطاق المسؤولية المدنية، أثار التشريع سجالاً قانونياً واسعاً حول مدى توفير الضمانات التشريعية للحريات العامة ومواكبة المعايير الدولية.
تكمن إشكالية الدراسة في مدى نجاح القانون الجديد في الموازنة بين إلغاء الرقابة المسبقة وتحرير البيئة المؤسّساتية والنقابية من جهة، وبين تلافي الألغام التشريعية المتمثّلة في إعادة تجريم “الخبر الكاذب” بعبارات فضفاضة وتفكيك ضوابط منع التركز المالي والإعلاني من جهة أخرى. وتعتمد الدراسة المنهج التحليلي النقدي المقارن بالنصوص الدستورية (الفقرة “ج” من المقدمة والمادة 13 من الدستور اللبناني)[1] والمعايير الدولية (المادتان 19 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)[2].
أولاً: الأبعاد التحررية: نظام الإخطار وصون السلامة المهنية
أحدث التشريع قطيعة منهجية مع النظام الرقابي السابق مستجيباً للمتطلبات الرقمية عبر محورين أساسيين:
1. حرية إنشاء وسائط الإعلام وإلغاء الرقابة المسبقة: انتقل المشرع من نظام الترخيص الاستثنائي إلى نظام الإخطار والعلم والخبر لإنشاء المواقع الإلكترونية والمطبوعات الإخبارية، مما يلغي التمييز المضلل بين المطبوعات السياسية وغير السياسية وينهي التداول التجاري للرخص. كما ألغى القانون الرقابة المسبقة الإدارية والأمنية على طباعة ونشر الكتب والمنشورات غير الدورية، رافعاً الوصاية الإدارية عن حرية الفكر والنشر.
2. الضمانات المهنية والتعددية النقابية: كرّس النص حق الصحافيين في التأسيس والتنظيم النقابي المباشر بعيداً عن الأطر الاحتكارية المغلقة، اتساقاً مع المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما خفّف الشروط الإدارية لممارسة المهنة بتوسيع التعريف القانوني للإعلامي وإلغاء قيود سنوات الخبرة والمؤهلات السابقة لموقع المدير المسؤول مع الإبقاء على المسؤولية عن المحتوى. إلا أنه يُعاب على النص عدم الحظر الصريح لاستجواب الصحافيين أمام الضابطة العدلية أو الأجهزة الأمنية غير المختصة، وحصر صلاحية الاستماع للقضاء العدلي حصراً.
ثانياً: الهندسة العقابية: التكييف المدني وتحديات التوسع الجزائي
شكلت المسؤولية القانونية للإعلام المساحة الأكثر إثارة للجدل بين الفقه والقضاء بالنظر إلى تداخل المسار المدني المستحدث مع رواسب العقاب الجزائي:
1. إلزامية نقل القدح والذم إلى القضاء المدني ومخاطر التعويضات التعسفية: ألغى القانون العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر وأحال دعاوى القدح والذم حكراً إلى المحاكم المدنية، محيداً الامتيازات الإجرائية الخاصة بالرؤساء والموظفين العامين. كما وسّع حدود النقد المباح عبر إجازة إثبات صحة الوقائع المتعلقة بالوظيفة أو بالمصلحة العامة بتقديم قرائن مبدئية، مع إلزام المحكمة بطلب المستندات اللازمة من الإدارات والمدعي عند الاقتضاء.
غير أن هذا التحول المدني يظل ناقصاً ما لم يُستكمل بـ:
● الإلغاء الصريح للمواد (385 إلى 387) من قانون العقوبات اللبناني[3] والمادة (157) من قانون القضاء العسكري[4] منعاً لتنازع القوانين في التطبيق القضائي.
● وضع سقوف قانونية محددة للتعويضات المالية المدنية؛ إذ إن غياب التحديد يفتح الباب أمام الدعاوى الإستراتيجية ضد المشاركة العامة (SLAPP Suits)، حيث تُستخدم التعويضات المالية الفاحشة كأداة انتقامية لإفلاس المؤسسات الصحفية الصغيرة أو ترهيب الإعلاميين وإخضاعهم لعقاب مالي بديل عن العقاب الجزائي.
2. إشكالية تجريم “الخبر الكاذب” (المادة 104) واختبار الأجزاء الثلاثة الدولي: أعادت الصياغة النهائية تجريم “الخبر الكاذب” بموجب المادة (104) مستخدمة مصطلحات فضفاضة مثل “اختلاق أضاليل” و”أخبار مؤذية”. وبإخضاع هذه المادة لـ “اختلاق الأجزاء الثلاثة” (Three-Part Test) المعتمَد لدى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة[5] لتحديد مشروعية القيود الواردة على حرية التعبير، نجد الآتي:
● شرط الشرعية (الوضوح والمحدودية): سقط النص في غموض التعابير (“أخبار مؤذية”)، مما يخالف المبدأ الدستوري والقانوني الصارم (Nullum crimen sine lege).
● شرط المشروعية (حماية مصلحة عامة حقيقية): لم يربط النص “الأذى” بخطر فعلي ومباشر على الأمن العام أو النظام العام، بل فتح المجال لملاحقة أي خبر يُدعى أنه ألحق ضرراً شخصياً بصرف النظر عن جسامته.
● شرط الضرورة التناسب: أتاح التشديد الجزائي وتداخله مع التحريض إعادة ملاحقة الصحافيين جزائياً تحت أوصاف بديلة، مما يشكل الالتفاف على مدنية أحكام القدح والذم ومساساً بجوهر المادة 13 من الدستور والمادة 19 من العهد الدولي[2].
ثالثاً: المسؤولية المهنية وتفكيك ضوابط منع التركز المالي والإعلاني
يمتد تنظيم القطاع الإعلامي ليشمل حماية البيئة التنافسية ومنع الاحتكار المالي الذي قد يفرغ الحرية من مضمونها:
1. معايير المصلحة العامة واستقلالية التحرير: ألزم التشريع الوسائل الإعلامية بمعيار المصلحة العامة كحد فاصل للمشروعية، موجباً الفصل الكامل بين المحتوى التحريري والمضمون الإعلاني لحماية استقلالية القرار التحريري وحق الجمهور في التمييز بينهما. كما فرض قيوداً على تضارب المصالح والمنافع غير المشروعة عبر حظر تعاقد المؤسسات الإعلامية ومالكيها مع الدولة والبلديات والجهات المتعاملة بالمال العام.
2. التعددية الإعلامية وتحديات الملكية وسوق الإعلانات: رغم منع الشخص الطبيعي أو المعنوي من تملك أسهم في أكثر من مؤسسة إعلامية واحدة من الفئة نفسها، أوجدت الصياغة ثغرات هيكلية بارزة؛ إذ أُلغي سقف الملكية الفردية المحدد سابقاً بنسبة 10% من رأس المال ومجلس الإدارة، مما يعزز التركز المالي في ظل الترددات المحدودة المملوكة للدولة. كما سمح القانون بتملك غير اللبنانيين نسبة 100% في المؤسسات غير السياسية و20% في المؤسسات السياسية دون تحديد سقف للمؤسسات المستثمر فيها أو وضع تعريف دقيق لـ “الشخص الواحد” لمنع الملكية غير المباشرة. يُضاف إلى ذلك إلغاء حظر الاستئثار الحصري بوسائط الإعلان (“الريجي”)، مما يتيح إبرام عقود حصرية تمنح وسيطاً واحد سيطرة شبه كاملة على السوق والتأثير على استقلالية الوسائل التنافسية.
رابعاً: الضمانات الإجرائية والهيئة المستقلة للإعلام
1. الهيئة المستقلة لتنظيم الإعلام: ينص القانون على انتخاب 7 من أصل 10 أعضاء في الهيئة المستقلة من قبل الهيئات القضائية ونقابتي المحامين والمهندسين لتسمية مرشحين يعين مجلس الوزراء 3 منهم، مع منح الأعضاء حصانة ضد العزل الإداري. ولكن تعاب هذه الآلية بخلوها من نص ملزم يمنع تعطيل التشكيل عند الشغور، وإقصاء التمثيل النقابي المباشر للصحافيين الممارسين، فضلاً عن غياب أدوات التدخل الفوري لوقف خطاب الكراهية في الأزمات وعدم نصها الصريح على إلزامية نشر الشكاوى والقرارات ضماناً للشفافية المطلقة.
2. الضمانات القضائية وتخصص القضاء: أقر القانون منع التوقيف الاحتياطي المطلق في كافة الجرائم المرتكبة بواسطة وسائط الإعلام أو المنصات الإلكترونية دون النظر إلى صفة الفاعل. كما استحدث غرفة ابتدائية مدنية متخصصة في مراكز المحافظات للنظر في المنازعات الإعلامية، مع اعتماد التقاضي على ثلاث درجات وتطبيق أصول المحاكمة الموجزة لسرعة الفصل وحماية حقوق الأطراف.
الخاتمة والتوصيات
يُعدّ قانون الإعلام الجديد خطوة تشريعية متقدمة نحو تقنين الإعلام الرقمي وإلغاء العقوبات السالبة للحرية ونقل نزاعات النشر إلى المحاكم المدنية. إلا أن الحماية القانونية الكاملة تستوجب معالجة الثغرات التشريعية والتنظيمية القائمة.
التوصيات:
1. إلى المجلس الدستوري: إبطال المادة (104) الخاصة بتجريم “الخبر الكاذب” لمخالفتها مبدأ وضوح النصوص العقابية وافتقارها لشروط “اختبار الأجزاء الثلاثة” الدولي، أو تقييدها بتفسير تحفظي صارم يُلزم القضاء بربط الأذى المباشر بالنظام العام حصراً.
2. إلى المشرّع اللبناني:
○ النص صراحة على إلغاء المواد التعارضية في قانون العقوبات (المواد 385-387) وقانون القضاء العسكري (المادة 157).
○ وضع معايير وضوابط لقيمة التعويضات المدنية لمنع استخدامها كدعاوى تعسفية كتمية (SLAPP Suits).
○ إعادة تفعيل سقوف الملكية الفردية والسوق الإعلاني حمايةً للتعددية وحرية المنافسة الإعلامية.
3. إلى القضاء المدني والجزائي: اعتماد التفسير الضيق للنصوص العقابية وتغليب حق الوصول إلى المعلومات وحماية المصلحة العامة عند تطبيق أحكام المسؤولية.
الهوامش والتوثيق الأكاديمي
[1] الدستور اللبناني، الصادر في 23 أيار 1926 وتعديلاته (لا سيما المادة 13 التي تكفل حرية التعبير والقول والكتابة وحرية الطباعة ضمن دائرة القانون، والفقرة “ج” من المقدمة المكرسة لالتزام لبنان بالمواثيق الدولية).
[2] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول 1966 (وانضم إليه لبنان بموجب مرسوم رقم 3855 تاريخ 1 أيلول 1972)، المادة 19 (حرية التعبير) والمادة 22 (حرية التأسيس والتنظيم النقابي).
[3] قانون العقوبات اللبناني، الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 340 تاريخ 1 آذار 1943 وتعديلاته (المواد 385 و386 و387 المتعلقة بجرائم الذم والقدح والتحقير).
[4] قانون القضاء العسكري اللبناني، رقم 24/68 تاريخ 13 نيسان 1968 وتعديلاته (المادة 157 المتعلقة بـ تحقير الجيش أو العلم أو المؤسسة العسكرية).
[5] لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، التعليق العام رقم 34 حول المادة 19 (حرية الرأي والتعبير)، الوثيقة رقم (CCPR/C/GC/34)، الصادر في المحررة رقم 102، تموز 2011 (المتضمن تحديد معايير القيود المشروعة على حرية التعبير والمعروفة بـ Three-Part Test).
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/9/1


