مقالات

محنة العقل في زمن الغرائز/أنطونيو الهاشم

انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
ليست محنةُ لبنان اليوم في خراب مؤسساته فقط، ولا في تهاوي اقتصاده فقط، بل في هذا التراجع العميق الذي أصاب العقل نفسه، حتى بدا التعقّل تهمة، والتبصّر ضعفًا، والحكمة خروجًا على زمن الغرائز.
كأنّ البلاد، في أشدّ ساعاتها حاجةً إلى الوعي، قرّرت أن تُقصي أكثر ما ينقذها ، العقل.
وتكمن المأساة الأشدّ قسوة، حين يُهان العقل و يخسر المجتمع مناعته الأخلاقية كلّها.
ويصبح الناس أكثر قابليةً للخوف، وأكثر استعدادًا للانقياد، وأشدّ هشاشةً أمام كلّ خطابٍ يوقظ العصبية ويُطفئ البصيرة.
لبنان اليوم يعاني من فقدان الحكمة، من ضمور تلك المسافة الداخلية التي تسمح للإنسان أن يفكّر قبل أن يصرخ، وأن يفهم قبل أن يحكم، وأن يرى الوطن أكبر من الطائفة، وأكبر من الزعيم، وأكبر من المصلحة العاجلة.
لقد تراجعت هيبة الفكرة أمام هستيريا الاصطفاف، وتراجع السؤال العاقل أمام الجواب الجاهز، حتى صار الخلل أعمق من السياسة ، صار خللًا في النفسية العامة، وفي معنى العيش معًا.
ومع ذلك، فإنّ الحديث عن محنة العقل ليس ندباً لزمنٍ ساقط، بل نداءُ مقاومةٍ من نوعٍ أرفع، مقاومة الرداءة بالفكر، والتحريض بالتبصّر، والانهيار الداخلي بالتمسّك بكرامة المواطنة و الابتعاد عن التخوين و توصيف بعضنا البعض.
فالأوطان لا تموت فقط حين تُقصف حدودها، بل تموت أيضًا حين يُعطَّل عقلها، ويُترك شعبها فريسةً للانفعال والخوف والتكرار.
إنّ لبنان يحتاج اليوم إلى شجاعة العقل،
إلى عقلٍ يحبّ الوطن من دون أن يسلّمه للغرائز، ويؤمن بأنّ الوطنية ليست ارتفاع الصوت، بل ارتفاع الرؤية.
فتلك هي محنة العقل في لبنان هذه الأيام،
أن يكون ضرورةَ للنجاة، لا ان يكون كأنه آخر ما نحتاج إليه.
“محكمة” – الأحد في 2026/4/26

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!