مقالات

إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان: هل انتصرنا للعدالة أم اكتفينا بشعار حقوق الإنسان؟/نجاح شحادة

الدكتورة نجاح احمد شحادة:
أختلف مع إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، ليس لأنني أؤيد القسوة أو الانتقام، بل لأنني أؤمن بأن العدالة لا تُقاس بحقوق الجاني وحدها، وإنما أيضًا بحقوق الضحية والمجتمع.
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل يملك الإنسان حق الحياة؟
بل: ماذا عن الإنسان الذي سُلبت حياته عمدًا وبلا رحمة؟ ماذا عن طفل تعرّض للإغتصاب والتعذيب؟ ماذا عن عائلة فقدت شخصًا بريئًا بجريمة متعمدة؟ وأين يكون حق هؤلاء في العدالة؟
إذا كان شخص قد ارتكب جريمة قتل عمد، أو جريمة اغتصاب مقرونة بالتعذيب والوحشية، أو جريمة تكشف عن خطورة إستثنائية على المجتمع، فأنا لا أرى أنّ الحلّ يكون بإلغاء أقصى عقوبة مقررة قانونًا واستبدالها بعقوبة أخرى، وكأنّ خطورة الجريمة يمكن أن تُختزل بمجرد تغيير اسم العقوبة.
العقوبة يجب أن تتناسب مع الجريمة.
أنا لا أطالب بأن تصبح عقوبة الإعدام عقوبة عادية أو أن تطبق على كل مجرم. بل على العكس، يجب أن تكون – إذا أبقي عليها – عقوبة استثنائية لا تُفرض إلا في الجرائم الأشد خطورة، وبعد محاكمة عادلة واستنفاد جميع طرق الطعن والتأكد بأعلى درجات اليقين من ثبوت الجريمة.
لكن ما أرفضه هو أن نلغي العقوبة ونعتبر أن بذلك حققنا حقوق الإنسان.
حقوق الإنسان لا تبدأ من الجاني وتنتهي عنده.
هناك حق الضحية في الحياة، وحق عائلتها في العدالة، وحق المجتمع في الحماية، وحق الدولة في ردع الجرائم الأشد خطورة.
والأهم من ذلك: إذا كنا جادين في إصلاح النظام الجزائي، فلماذا لا نبدأ بإصلاح السجون؟
لماذا يوضع السارق مع القاتل؟
ولماذا لا يكون هناك تصنيف حقيقي للمحكومين بحسب نوع الجريمة ودرجة الخطورة؟
ولماذا لا يكون السجن مؤسسة للإصلاح والتأهيل والحماية، بدل أن يكون مجرد مكان يجتمع فيه أشخاص ارتكبوا جرائم متفاوتة في الخطورة؟
السارق ليس كالقاتل، والقاتل ليس كمرتكب الجريمة المنظمة، ومن ارتكب جريمة عابرة ليس كمن أثبتت أفعاله أنه خطر دائم على المجتمع.
لذلك، كان الأجدى أن يكون الإصلاح باتجاه تفعيل العدالة، وتشديد العقوبات على الجرائم الأشد خطورة، وتحسين السجون، وتصنيف المحكومين، وتأهيل من يمكن إصلاحه، وعزل من يشكل خطرًا حقيقيًا على المجتمع، بدل الاكتفاء بإلغاء عقوبة الإعدام.
إن إلغاء عقوبة الإعدام قد يكون انتصارًا في نظر البعض لمبدأ من مبادئ حقوق الإنسان، لكنه بالنسبة إليّ يفتح سؤالًا أكبر:
هل العدالة هي أن نحمي حق الجاني في الحياة فقط، أم أن العدالة الحقيقية هي أن نوازن بين حق الجاني، وحق الضحية، وحق المجتمع؟
أنا مع حقوق الإنسان، ولكنني أيضًا مع حقوق الضحايا.
ومع دولة تحمي الأبرياء قبل أن تبحث عن كيفية حماية المجرمين.
ومع قانون تكون فيه العقوبة متناسبة مع خطورة الفعل.
لأن الدولة التي تطلب من المواطن احترام القانون، يجب أن تُشعر الضحية أولًا بأن حياتها وكرامتها وحقها في العدالة ليست أقل قيمة من حياة من ارتكب الجريمة بحقها.
العدالة ليست انتقامًا، ولكنها أيضًا ليست تساهلًا. والرحمة لا تكون على حساب الضحية.
وحقوق الإنسان لا ينبغي أن تتحول إلى حقوق للجاني وحده.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/8/11

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!